مع قرب الانتخابات.. حزب فكاهي في ألمانيا يسخر من هواجس من ”أسلمة المجتمع“

مع قرب الانتخابات.. حزب فكاهي في ألمانيا  يسخر من هواجس من ”أسلمة المجتمع“

المصدر: صدوف نويران – إرم نيوز

تغطي الملصقات العاصمة الألمانية برلين، مع قرب الانتخابات البرلمانية، لكنّ هنالك واحدا من الإعلانات الانتخابية يحمل تحذيراً يقول: ”نحن نمنح وجها للأزمة“.

وتبدو صورة المرشح ”نيكو سيمسروت“ كالشبح الأبيض بظلال خفيفة على خده الأيمن من تحت غطاء البلوزة السوداء التي يرتديها، وتبدو نظراته حادة، هذا الوجه الشرير يحدق من خلال اللافتات الإعلانية لحملته الانتخابية التي ستجري الشهر المقبل. ولكن ما هي الأزمة التي يتحدث عنها؟

يدرك ”سيمسروت“ أنه لا يجري حملته في الولايات المتحدة، حيث تكون العواطف متأججة.. هذه ألمانيا، حيث السياسة على ما يبدو لا يكدرها شيء، وحيث تستعد المستشارة الألمانية ”أنجيلا ميركل“ لتولي ولاية رابعة، كما تظهر استطلاعات الرأي.

وهناك ملصق لها وهي تتوسط أعضاء حزب اليمين الوسط، ”الاتحاد الديمقراطي المسيحي“، يظهر ملامح امرأة تستلقي نائمة على العشب، وتحمل عبارة ”استمتع بفصل الصيف الآن وقم بالاختيار الصحيح في فصل الخريف“.. ما يوحي بأن الناخبين يسيرون نياماً خلال سباق الانتخابات.

مرشح الأحزاب الميتة

وبحسب التقرير الذي نشرته صحيفة ”واشنطن بوست“ الأمريكية فإن سيمسروت يفضل أن يضحك الناخبين بدلاً من الاستمتاع بغفوة، إذ إنه المرشح الرئيس في برلين للأحزاب الميتة، ”حزب العمل، سيادة القانون، حماية الحيوان، والترويج للنخب والمبادرة الديمقراطية الشعبية“.

وتأسس حزبه في عام 2004 من قبل محررين في مجلة ”تيتانيك“ الساخرة، وأحد أعضائه ”مارتن سونيبورن“ وهو في ”البرلمان الأوروبي“.

ولم يحظ حزب ”سيمسروت“ بأكثر من 5% من الاصوات أي 80 ألف صوت بنسبة 0.2% في عام 2013، عندما جرى الاقتراع في خمس من 16 ولاية، ولكن في هذا العام الاقتراع سيتم في جميع الـ 16 ولاية ألمانية.

وشعار هذا الفصيل الساخر هو ”نعم للسياسة، لا للسياسة“ في تناقض يصل إلى قلب حملة ”سيمسروت“، وهو كوميدي محترف مع هدف سياسي جاد، من خلال جذب غير المصوتين إلى حزبه بـ“مزحة“، محاولا التقليل من نسبة الدعم التي حصل عليها حزب ”البديل لألمانيا“ (AfD)، القومي والمناهض للمهاجرين الذي يحتاج فقط إلى 5% من الأصوات لدخول البرلمان.

وتكمن إستراتيجية ”AfD“ في إقناع الناخبين بعد عامين من تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين، في أن ”ألمانيا تواجه أزمة“.

بين التنوير والتعصب

ويستخدم ”سيمسروت“ الفكاهة لإظهار هواجسه من ”أسلمة المجتمع الألماني“، وفي تباين آخر يحب المقارنة بين ”التنوير“ و ”التعصب“.

ويقول المرشح الألماني، إن الإنسان تحدده الخبرة والدين والآراء السياسية والصحة العقلية، ولكن ”المتعصب“، كما يقول، ”يبدو وكأنه ينظر إلى الإنسان نفسه ويقول: ”لا، إنه مسلم“.

ويحاول سيمسروت توجيه الكوميديا تجاه أهداف سياسية محددة وفورية أكثر. كما أنه يتحدى الافتراضات الراسخة حول خطورة الثقافة الألمانية.

عام اللعنة

ويلقى عمل ”سيمسروت“ اهتماما كبيراً، لكنه أقل رسوخاً من البرامج المسائية في الولايات المتحدة، التي أمضى فيها سنة بالمدرسة الثانوية في ولاية ميسيسيبي، وحصل على تذوقه الأول لأعمال العروض الأمريكية.

وتجتذب عروضه حشودا كبيرة، وقام بالتقديم أمام 2000 شخص في شهر كانون الثاني/يناير في هامبورغ. ولكنه بدأ بجمهور مكون من شخص واحد فقط: طبيبه المعالج.

ويوظف الفكاهة السوداء نفسها التي يستخدمها ليسخر فيها من حزب اليمين المتطرف وعن توقعاته الأليمة من استيلاء الإسلاميين، ليسخر من الشياطين الشخصية.

”سيمسروت“ البالغ من العمر 31 عاماً ناضل طويلاً مع الاكتئاب، في تجربة يقول عنها إنها ”شحذت إحساسه بالمأساة، وهي الحافز الرئيس لروتين حياته“.

ويقول الشاب، الذي نشأ في مدينة هامبورغ الساحلية الشمالية، حيث عمل والداه مدرسَين: ”أنا أقوم بتقديم الموقف كمأساة، وليس كوميديا.. إن الضحك يبعدك ويقربك في الوقت نفسه“.

ولد ”سيمسروت“ في الـ 11 من آذار/ مارس 1986 عام ”اللعنة“، كما أوضح في أداء له هذا الربيع، إذ إن عام 1986 كان عام كارثة تشيرنوبيل النووية في أوكرانيا السوفيتية، وهو يوم كارثة فوكوشيما في اليابان في عام 2011 ويقول بكل جدية: ”أنا حقاً حريص على معرفة ماذا ستجلب حياتي أيضاً“.

وبدأ تدريبه كممثل كوميدي في المدرسة الكاثوليكية، إذ قال ”لقد حصلت على تعليمي الساخر من المحترفين.. الأفكار الكاثوليكية، هذه سخرية.. فاختراع شيء وبيعه هو أمر ساخر“.

وبدأ دراسته الجامعية في هامبورغ، ولكنه تركها بعد ستة أسابيع، مؤكدا ”أن المسرح كان الخيار الأخير له“.

والجانب الممتع أن معظم أعماله الكوميدية ناجحة تجارياً. وأحد مراكز هذا النوع من الترفيه، هو مسرح “ Kurfürstendamm“ وهو واحد من أقدم وأشهر المسارح الخاصة في برلين.

السخرية السياسية

ومن جانبها، أوضحت بريغيتا فالنتين مديرة الاتصالات، أن النضالات المسرحية تؤخذ على محمل الجد هنا، ”ليس فقط من أجل الحصول على جمهور ولكن من أجل الحصول على الاحترام، لأنها ليست ثقافة عالية.. أنها للترفيه.. وفي ألمانيا، هناك انقسام“.

ويأتي هذا التقليد الذي يتبعه ”سيمسروت“ من جمهورية فايمار التاريخية في أوائل القرن العشرين، عندما انسلت المسارح الساخرة من الرقابة الإمبراطورية ولجأت إلى المواضيع السياسية.

ويقول بيتر جيلافيتش، المؤرخ للثقافة الألمانية والفكر في جامعة ”جونز هوبكنز“، بعد القمع الوحشي تحت حكم النازيين، عادت ”السخرية السياسية“ في الستينيات والسبعينيات.

وأضاف جيلافيتش، ”لا يوجد شيء في ألمانيا يمكن مقارنته بصناعة البرامج الأمريكية المسائية. فلا يوجد ضرورة هنا لذلك. فالسياسيون هنا ليسوا فظيعين، حتى الآن، والمخاطر ليست عالية“.

وختم سيمسروت قائلا: ”ربما من الجيد أن ألمانيا ليس لديها شخص مثل السكرتير الصحفي السابق للبيت الأبيض شون سبايسر من وجهة النظر السياسية (يميني متعصب)، ولكن ألن يكون الأمر مضحكا لو كان لدينا شخص مثله؟“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com