في عهد ترامب.. هل تتقبل الولايات المتحدة فكرة أن روسيا جزء من الغرب؟ – إرم نيوز‬‎

في عهد ترامب.. هل تتقبل الولايات المتحدة فكرة أن روسيا جزء من الغرب؟

في عهد ترامب.. هل تتقبل الولايات المتحدة فكرة أن روسيا جزء من الغرب؟

المصدر: ساندرا ماهر- إرم نيوز

قال رئيس المجلس الأوروبي ”دونالد تاسك“ عقب اجتماعه مع ”دونالد ترامب“ الخميس الماضي، إن الجانبين تباينا في وجهات النظر بشأن روسيا.

وعلى الرغم من عدم الكشف عن تفاصيل الخلافات، يمكن للمرء أن يفترض بكل بساطة أن ترامب كان أكثر حذرًا تجاه روسيا من ”تاسك“، رغم كل مشاكله مع فضيحة روسيا المتعلقة بالبيت الأبيض.

ووفقاً لوكالة ”بلومبيرغ“ الأمريكية، قد يشير البعض إلى أن روسيا لديها بعض النفوذ عليه، ولكن هذا قد يعني أن ترامب لا يزال متمسكًا بفكرة أنه يمكنه بناء علاقة عملية مع الرئيس الروسي ”فلاديمير بوتين“.

ومع ذلك، مازال شكل هذه العلاقة غير واضح. فهي أكثر تعقيدًا من المعضلة الأيديولوجية البسيطة التي تكمن في استرضاء النظام الروسي المتمرد والمصالح العسكرية والاقتصادية الأمريكية، والقضية الجوهرية هي ما إذا كانت الولايات المتحدة تريد علاقة طويلة الأمد مع روسيا تتجاوز فترة رئاسة ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.

الجواب عن هذا السؤال قد يكون ”لا“ ويأمل بعض أعداء بوتين اللدودين، وخاصة في أوكرانيا، أن يؤدي نظامه الفاسد الذي يعتمد على النفط إلى تقويض روسيا نحو الانهيار والانقسام والتفكك السوفييتي، وإذا كان هذا هو تكهنك، فالعلاقة طويلة الأجل ليست ضرورية وكل ما هو مطلوب هو وجود ما يكفي من الصبر الاستراتيجي لتحقيق هذه النتيجة.

إن العقوبات الاقتصادية المشددة والضغط على أسعار النفط يجب أن تؤدي لتحقيق النتيجة في نهاية المطاف، ولكن قد يكون لذلك عواقب وخيمة. فقد سبق واتضح أن القادة الغربيين الذين يخشون انهيار الاتحاد السوفييتي ويعتبرونه يشكل تهديدًا للاستقرار العالمي كانوا مبالغين في حذرهم: فالمافيا لم تحصل على أسلحة نووية روسية ولم تنشب أي حرب على غرار يوغوسلافيا في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي.

وانتظار انهيار روسيا داخليًا يماثل التكتيك الذي يستخدمه تنين الكومودو، الذي تقوم لدغته بحقن سم مخفف للدم في دم الفرائس، ثم تتبع السحلية العملاقة الفريسة التي تنزف حتى الموت. والمشكلة في هذا النهج هي أنه برغم أن مطاردة الكومودو تنتهي عندما تموت الضحية، فإن روسيا لن تموت حتى لو انهارت، ما يعتبر أمرًا غير مرجح على أي حال لأنها أكثر مرونة بكثير اقتصاديًا من الاتحاد السوفيتي.

وستحتاج الولايات المتحدة إلى بناء علاقات مع مناطق متعددة وذات موارد غنية مع ميول سياسية ودوافع عسكرية لا يمكن التنبؤ بها. إلا أن أقلية من دول ما بعد الاتحاد السوفييتي انتهى بها الأمر لاختيار التوجه المؤيد للغرب، حتى بعد 25 عامًا من الجهد الأمريكي. والرهان بأن تفكك روسيا سيكون أمرًا أسهل للتعامل معه هو خطأ. على سبيل المثال، إذا تفككت ستكون ميالة أكثر نحو الأصولية الإسلامية عن الغرب.

لذا فإن وجود علاقة طويلة الأمد مع روسيا مستندة على إدراك أن البلاد ستظل لفترة من الوقت، ربما ستكون فكرة جيدة.

ويمكن للولايات المتحدة أن تختار معاملة روسيا كمنافسة جيوسياسية طويلة الأجل تشكل خطرًا على القيم الغربية، وكدولة ذات تأثير فاسد عالمي على انتخابات الأمم الأخرى وأكثر من ذلك. وبعد كل شيء، فإن التقاليد القديمة التي أنتجت بوتين كانت واحدة من أقوى التقاليد الروسية لقرون، ولن تختفي باختفاء بوتين.

كما أن اتخاذ قرار بأن هذه التقاليد هي جوهر روسيا، وأن محاربتها، حتى عندما تكون غير ظاهرة في السلطة، هي موقف واضح ومبدئي.

لذلك، فإن كل ما تحتاجه الولايات المتحدة هو أن تُظهر بشكل مقنع ولكن بعناية، وأن تؤكد أن باستطاعتها استخدام القوة سواء كانت روسيا مع أو بدون قيادة بوتين التي سوف تنهار. ولكن ليس واضحًا ما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع تحمل قوة هذا التوجه في كل مرة تستفزها روسيا.

هل ستتعزز الإدارة الأمريكية أم تنخفض شعبيتها عن طريق الذهاب إلى سوريا لإزالة الرئيس بشار الأسد؟ وكم عدد الناخبين الأمريكيين الذين سيوافقون على مغامرة عسكرية في أوكرانيا؟

من الواضح أن العمل الأمريكي الأقل حزمًا لا يُنظر إليه في موسكو باعتباره عرضًا موثوقًا للقوة. فبوتين دائماً على استعداد للإقدام على خطوة إضافية لأنه لا يعترض طريقه أي ثقل ديمقراطي. واحتمال أن روسيا سيكون لها حكام آخرين مثله على مدى طويل الأجل هو أمر بعيد المنال.

وهناك بديل لتكتيك تنين الكومودو. وهو تجاهل رؤية بوتين التي تخدم مصالح روسيا باعتبارها حصنًا أرثوذكسيًا متحفظًا ضد الرعب الغربي والإسلاموفيا، ولرؤية البلاد كجزء من الحضارة الغربية في نهاية المطاف.

من شأن هذا المنظور أن يشكل استراتيجية واضحة: التعاون مع روسيا حيث تتصرف بشكل أساسي مثل دولة غربية. فعلى سبيل المثال، دعم روسيا لنظام الأسد العلماني ضد الجماعات الأصولية الإسلامية يدخل ضمن التقليد الغربي. وعلى الرغم من كل الجرائم التي ارتكبها الأسد، فإن سقوطه قد يجعل المجتمعات غير السنية في سوريا غير قابلة للحماية.

والسماح لروسيا بدعم الأسد والتحالف معها للحرب ضد داعش لن يكسر الممارسة الأمريكية الطويلة المتمثلة في دعم أنظمة الربيع العربي في الشرق الأوسط وإقامة تحالفات مع دول الخليج القمعية. ومن جانب آخر، فإن الولايات المتحدة ليست ملزمة أخلاقيًا أو أيديولوجيًا لدعم المعارضة المعادية للأسد.

وعلى النقيض، فقد كان الاستيلاء على الأراضي الروسية في أوكرانيا تقليدًا غير غربي. كما كانت الولايات المتحدة على حق في محاولتها لتعزيز أوكرانيا اقتصاديًا ومؤسسيًا في أعقاب تلك الأحداث، وعلى الرغم من خطأها في اختيارها للقوى السياسية الداعمة، إلا أن فساد القيادة الأوكرانية الحالية يهدد مصداقية القيم الغربية في ذلك البلد. وعلى رغم ذلك، كان قرار الولايات المتحدة بحجب الأسلحة الفتاكة عن نظام ”كييف“ صحيحًا لأن تسليحها كان يمكن أن يؤدي إلى تصعيد يمكن أن يضر بالعالم الغربي.

وتعمل روسيا على تأمين توجه أساسي في التجارة الحرة وفتح الحدود، ويتضح ذلك من محاولاتها لبناء اتحاد جمركي مع دول الاتحاد السوفيتي السابق، وموقفها الجيد تجاه الهجرة والنزوح، واستمرارها في السعي للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية على الرغم من العقبات السياسية، وهذه الرغبة تستحق الدعم، فالعقوبات الاقتصادية التي تدفع حكومة بوتين إلى الانتقام خاطئة: فهي تدفع البلاد للاتجاه المعاكس غير الغربي.

لكن العقوبات الموجهة ضد روسيا كبلد والروس كمجموعة لها نتائج عكسية، يجب على الغرب أن يخفف من سياسات التأشيرات، أو يعرض السفر إلى روسيا بدون تأشيرة وإتاحة المزيد من الفرص لهم في الجامعات والشركات الغربية.

والسبب الحقيقي لما يفعله الاتحاد الأوروبي للأوكرانيين لا يتعلق بمكافأة الحكومة في كييف لكونها جيدة، بل لإعطاء الأوكرانيين فرصة لتذوق الحياة الغربية ودراستها وإرساء قواعدها. وينبغي أن يكون لدى الروس أيضًا هذه الفرصة، وإلا فإن بدائل حكومتهم الحالية لن تتحقق.

والتوصل إلى اتفاق في سوريا وتوسيع التجارة وتسهيل سفر الروس مع دعم مسار أوكرانيا المؤيد للغرب والحفاظ على العقوبات الشخصية ضد المسؤولين الروس ومحاربة الدعاية الحكومية الروسية يُعتبر بالنسبة للعديد من الغربيين سياسة متناقضة ذاتيااً، ولكنها ليست كذلك، فالأمر يتعلق بالتعامل مع القيادة الروسية الحالية فقط بالقدر اللازم للحفاظ على وجهة النظر طويلة الأمد بأن روسيا جزء من الغرب.

إن النظام الروسي قابل للتغيير أكثر من معظم الدول الغربية، لكن الأنظمة تتغير دائمًا، بينما البلاد والشعب يظلان قائمين، والحفاظ على الباب مواربًا لروسيا والروس ليس مجرد وعد سيتحقق إذا تم استيفاء شروط معينة، وإنما سيكون انجازًا قويًا طويل الأمد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com