هل يندمج مقاتلو ”فارك“ في المجتمع المدني الكولومبي؟

هل يندمج مقاتلو ”فارك“ في المجتمع المدني الكولومبي؟

المصدر: محمود صالح– إرم نيوز

يتوقع روبيل إداراغا، أن ينصب له كمين في أي لحظة، ولتجنب ذلك نادراً ما يسافر ليلاً، كما ينوع في طرق الذهاب إلى عمله، وغالباً ما يتلفت حول جيرانه للتأكد من أن هناك من يراقب منزله، وباعتباره عامل بناء بمدينة كالي في كولومبيا، فإن خوفه قد يبدو أن له أساسا من الصحة، إذ يقول إن الناس حاولوا بالفعل قتله بسبب جرائمه السابقة.

وإداراغا هو واحد من حوالي 1400 من مقاتلي القوات المسلحة الثورية الكولومبية ”فارك“ السابقين الذين تركوا الجماعة من أجل الانضمام إلى صفوف المدنيين في كالي، عقب اتفاق سلام تاريخي بين الحكومة وجماعة ”فارك“  في العام 2016 ، ومن المقرر أن ينضم إليه آلاف آخرون من الذين نزعوا سلاحهم وينتظرون في مخيمات مؤقتة.

والآن، بعد عمر من القتال في الجبال والغابات في كولومبيا، يواجه أعضاء حرب العصابات مثل إداراغا تحدياً جديداً وهو البقاء على قيد الحياة في المدينة، ووفقًا للوكالة الكولومبية لإعادة الإدماج فإن واحدًا من كل 10 حالات عنف ضد المقاتلين العائدين تشمل القتل أو محاولة القتل.

وتعد كالي أكثر المراكز الحضارية التي ينتشر فيها العنف في كولومبيا، ومن المتوقع أن تستقبل ما يصل إلى ربع المقاتلين السابقين في جماعة ”فارك“.

وتنتشر في المدينة العصابات الإجرامية بالفعل، في حين أن اتفاق السلام وعد بمنح أفراد العصابات السابقين 6,100 دولار لمساعدتهم على البدء من جديد، مع العلم أن هناك بعض العصابات الكبيرة مثل ”أورابينوس“ تقدم ثلاثة أضعاف هذا المبلغ في بعض المناطق مقابل تجنيد هؤلاء العائدين إليها.

العودة للجريمة

ويقول إداراغا إن الإغراء للعودة إلى حياة الجريمة هو حقيقي جداً بالنسبة لأشخاص مثله الذين بالكاد يوفرون سبل العيش من خلال العمل القانوني، وقد أمضى إداراغا أكثر من 10  سنوات في القتال مع جماعة ”فارك“  وأصبح في النهاية خبير متفجرات يترأس حوالي 54 من مقاتلي حرب العصابات، ولكن بعد ولادة ابنه قبل 9 سنوات غادر ساحة الحرب للأبد والآن يحاول العمل في مجال البناء كلما سنحت له الفرصة.

وأكد إداراغا: ”ابني هو الشيء الوحيد الذي أملكه فهو السبب في أنني أعمل وأحارب من أجله هو السبب الرئيس لوجودي هنا، ولكن ترك جماعة ”فارك“  والانتقال إلى المدينة يعني ترك شبكة كاملة من الدعم“.

وتابع: ”إنه أمر مختلف لأنك لم تكن موجودًا هنا لفترة طويلة ولا أحد يدعمك وعليك أن تعتمد على نفسك“.

ومنذ صفقة العام 2016، هاجر الآلاف من الجنود السابقين إلى كالي، في حين ينتظر آلاف آخرون في طي النسيان في الجبال و يخاف العديد من سكان المدينة مما يأتي بعد ذلك.

وتقول خوانا كاتانو، السياسية اليمينية الصاعدة وإحدى الناقدات البارزات لعملية السلام: ”نحن لسنا على استعداد“، وتعتقد أن الموجة القادمة من المهاجرين ستزيد من تعطيل المدينة التي تعاني من الجريمة بالفعل.

مئات الآلاف من الريفيين

وباعتبار كالي المركز الحضري في جنوب غرب كولومبيا، فقد استقبلت مئات الآلاف من سكان الريف الذين فروا من العنف والحرب الأهلية والكوارث الطبيعية وقد استقر معظمهم في مدن الصفيح، مما خلق مناطق تعاني من الفقر المدقع.

وقد بلغ العنف ذروته في التسعينيات، عندما شنت عصابات مدينتي كالي وميديلين حرباً وحشية للسيطرة على توزيع الكوكايين العالمي، وبحلول أواسط العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انخفض العنف مع تسريح الجماعات شبه العسكرية، وانشق العديد من المقاتلين إلى مجموعات أصغر حيث كانت كل مجموعة تسعى للسيطرة على تجارة الكوكايين.

وبحلول العام 2009 بدأ معدل جرائم القتل في كالي بالارتفاع مرة أخرى، حيث تم تجنيد الشباب شبه العسكريين اليائسين والشباب الضعفاء في الحياة الإجرامية، وبدأ الأمن في التحسن مرة أخرى، ولكن كاتانو تناشد بأن الجيش يجب أن يعاد نشره في المدينة.

وقالت كاتانو: ”لدينا قوات مختلفة؛ قوات خاصة، والشرطة العسكرية، والجيش، والشرطة وأجهزة الاستخبارات، ولا بد من استخدامهم“.

وبدا هذا التوتر أكثر وضوحاً في أغوابلانكا، أفقر منطقة في كالي وأكثرها عنفاً، حيث استقر العديد من المقاتلين السابقين، بما فيهم إداراغا،  وأكثر من نصف جرائم القتل في المدينة تحدث في هذه المنطقة، وفي الليل تتواجد الشرطة في كامل قوتها وتقوم باعتقال أي شخص يشتبه بنشاط إجرامي.

ويوضح إداراغا،  الذي يتجنب الخروج في الأماكن العامة كلما كان ذلك ممكناً، ”لهذا السبب أشعر بالخوف من إظهار هويتي الشخصية حتى يومنا هذا وإذا كانت هناك اعتقالات من قوات الأمن، فأنا أول واحد يتم إلقاؤه في سيارة الشرطة حيث يتم سؤالي ما إذا كنت أنتمي سابقاً لمقاتلي حرب العصابات، ثم تنهال علي الركلات واللكمات“.

صورة نمطية عن المقاتلين

ويدير خورخي مارين – وهو عضو منشق من العصابات- ورشة عمل في أغوابلانكا، حيث يشرح للأطفال كيف يبدو أعضاء حرب العصابات، وينظم تلك الورش بين الحين والآخر.

وقال أحد الأطفال إن مقاتلي العصابات يحملون بندقية!، فيما قال صبي آخر إنهم يرسمون الوشم على عضلاتهم، ورد خورخي – الذي يرتدي قميصا ورديا بأزرار مقفولة – على الصبي قائلًا: ”مثلي؟“، مما أثار ضحك الأطفال، وفي نهاية كل ورشة عمل يعترف خورخي بأنه هو نفسه عضو سابق في حرب العصابات، وهو يحاول بكشف سره أن يغير الصورة النمطية المأخوذة عن المقاتلين.

وأمضى خورخي 8 سنوات من مراهقته وهو يقاتل مع جماعة ”فارك“  التي نشأت في خضم ثورة سياسية، ولكن بعد سنوات من العنف شعر بخيبة الأمل، وعندما كان في الـ 19 من عمره رأى فرصته وهرب، وبعد يومين دون طعام أو نوم، تمكن من الوصول إلى كالي.

ويقول خورخي: ”كان من الصعب جداً بالنسبة لي وصولي إلى المدينة فقد تعرضت خلال هذه الرحلة إلى الجوع الشديد“.

وأضاف: ”تعلمت إشارات المرور وركوب الحافلة وغيرها من الأمور، التي كان من الصعب حقاً بالنسبة لنا التكيف معها“.

وبعد شعورهم بالإحباط من الحياة في المدينة، قرر العديد من المقاتلين الذين انشقوا مع خورخي مارين العودة إلى الجبال، وبقي مارين حيث وجد وسيلة للبقاء على قيد الحياة في كالي بمساعدة الوكالة الكولومبية لإعادة الإدماج وبدعم من قادة المجتمع مثل الراهبة الباستيلا باريتو.

وقد كرست الراهبة الفرنسيسكانية حياتها لخلق السلام بين الشباب في منطقة كالي الأكثر خطورة، ومع اقتراب العنف من أغوابلانكا في أواخر التسعينيات سعت باريتو للحصول على مساعدة من صناع السلام المخضرمين بما في ذلك ديزموند توتو.

وساعدت باريتو وفريقها في جماعة ”السلام والرفاهية“ المحلية، على إعادة إدماج أكثر من 2000 شاب مسلح في أغوابلانكا، وفي العام 2015 طلبت الوكالة الكولومبية لإعادة الإدماج منها توسيع حلقات العمل المتعلقة بالمصالحة مع المقاتلين السابقين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com