”آسينا المستذئبة“.. جدة قومية رفضت الانضمام إلى حريم أردوغان

”آسينا المستذئبة“.. جدة قومية رفضت الانضمام إلى حريم أردوغان

المصدر: ساندرا ماهر- إرم نيوز

نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في تمرير تعديلات دستورية عززت قبضته على الحكم، عبر استفتاء دستوري أُجري في 16 نيسان/ أبريل الجاري، لكن هذا الاستفتاء يواجه ”تهديدًا حقيقيًا“.

وترى مجلة ”فورين بوليسي“ أن ”الانتصار الذي حققه أردوغان -الذي يوصف بسلطان عثماني جديد- غير محسوس وغير شرعي، وهو نفسه يعرف ذلك“، متسائلة ”كيف سيتعامل أردوغان مع أكبر تهديد داخلي له؟ وهي امرأة رفضت الانضمام إلى حريمه السياسيين، بتأييده أو على الأقل احترامه من بعيد“.

وأطلقت ميرال أكشنر البالغة 60 عامًا، وهي سياسية محنكة ووزيرة داخلية تركيا سابقًا، حملة مناهضة في الفترة التي سبقت الاستفتاء الدستوري.

واستقطبت حملتها -التي دعت الأتراك إلى رفض تعديلات أردوغان الدستورية المقترحة- آلاف الأنصار الذين تحدوا أيضًا التهديدات والتخويف لجعل صوتهم مسموعًا، بحسب الصحيفة.

وقالت إحدى أنصار الحملة: ”شكل صوت أكشنر دويًا مثل الدبابة على الرغم من انقطاع التيار الكهربائي في منتصف الخطاب، واستخدام مكبرات الصوت التي تعمل بالبطارية، ورفضت بشدة حظر المظاهرات من قبل مسؤولي الحزب الحاكم المحليين“.

وأطلق عليها اسم ”آسينا“ وهي بحسب الأساطير ”مستذئبة تركية أنجبت 10 ذكور نصفهم بشر ونصفهم ذئاب“.

وعندما اتهمت بأفظع الجرائم السياسية في تركيا وهي دعم حركة الانقلاب المزعومة لفتح الله غولن، تجاهلت أكشنر ذلك باعتباره هراء.

وتعتبر أكشنر شخصية معقدة تعكس جذورها السياسية تنوعًا متعدد الطبقات للسياسة التركية المعاصرة. وهذا في جوهره ما يجعلها تمثل تهديدًا قويًا لأردوغان.

وأكشنر جدة قومية، ومحاربة سياسية مخضرمة، وهي ليست من أنصار غولن أو عضوة في منظمته، كما أنها ليست مؤيدة للأكراد، ولا تنتمي للتيار الإسلامي لكنها مسلمة تقية كما تصف نفسها، ولها صلات مع كبار حزب العدالة والتنمية الحاكم، وتُعرف بمقاومتها للتدخل العسكري في السياسة في التسعينيات ما يعطيها مصداقية جادة بين الإسلاميين.

أما بالنسبة لتلك المقارنة مع آسينا المستذئبة، فهناك تفسير، حيث تقود أكشنر زمرة منفصلة عن الحزب الوطني للحركة القومية المتطرفة (إم إتش بي) التي عانت جناحها من الشباب المعروف باسم ”الذئاب الرمادية“ من العنف الفاشي منذ عقود.

وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، كانت إحدى العلامات الأكثر إثارة للقلق على حملة الاستفتاء، هي العرض المتكرر لإيماءة الذئاب الرمادية في تجمعات حزب العدالة والتنمية المؤيدة للتصويت ”نعم“.

 وتعتبر الذئاب الرمادية علامة تركية تحاكي التحية النازية. وقد تم إعادة تشكيل حزب (إم إتش بي)، ولكن علامة الذئب ظلت مستخدمة.

إلا أنها تبقى عرضًا مرضيًا عابرًا وتذكيرًا مقلقًا بالتحالفات التي كان على أردوغان أن يقوم بها للحصول على تلك الصلاحيات الرئاسية الكاسحة التي كان يسعى إليها لفترة طويلة.

وبدأ سعي أردوغان لتعديل الدستور منذ يناير/ كانون الثاني حيث تمكن الرئيس الذي كان يركب موجة وطنية بعد محاولة الانقلاب في تموز/ يوليو 2016، من الحصول على موافقة البرلمان على مجموعة من 18 تعديل للمواد الخاصة باستبدال النظام البرلماني التركي بالنظام الرئاسي.

لكن في النهاية، لم تكن هناك سيطرة على مكائد ”بهجلي“ السياسية فقد ساعد أردوغان بهجلي في تفادي خسارة قيادة الحزب لـ“أكشنر“، حيث نجح في تحقيق ذلك من خلال جعل إحدى محاكم البلاد الرائدة تصدر حكمًا ضد محاولة أكشنر لقيادة الحزب.

وقال مسؤول كبير سابق في حزب الحركة الشعبية، إن ”رئيسه السابق قد يكون عُرض عليه منصب وزاري بعد انتخابات العام 2019. فقد تم عقد صفقات، وكان يجب رد الجميل، فتلك هي الخدعة المعتادة بالسياسة التركية اليوم“.

وعارضت أكشنر بشدة ”تخريب“ أردوغان للنظام الذي نص عليه مؤسس تركيا كمال مصطفى أتاتورك منذ قرن تقريبًا. وقد كانت واحدة من أكثر المعارضين فعالية في قيادة حملة ”لا“ في الفترة التي سبقت الاستفتاء، وهي لا تزال مستمرة بالمعركة. حيث أكدت على ”تويتر“ بعد التصويت أنها تعترض على نتائج الاستفتاء، داعية أنصارها إلى النزول إلى الشوارع.

وبطريقة غريبة عمل سعي أردوغان للحصول على السلطة المطلقة لصالح أكشنر، وهنا تكمن أكبر نقاط ضعفه، وفقًا لـ“فورين بوليسي“.

ولم يأت ذلك من اليسار الليبرالي العلماني الذي نجح أردوغان في سحقه من خلال حملاته ضد الحزب الشعبي الديمقراطي المؤيد للأكراد والحزب الشعبي الجمهوري المعارض العلماني الرئيسي (سي إتش بي). بل من الوطني اليميني.

وتميل الصحافة الدولية إلى تجاهل هذا الجانب، ما يحد رؤيتها لتركيا كجبهتين متنازعتين (الإسلاميين المحافظين والنخب العلمانية).

لكن هناك الكثير تحت السطح بتركيا اليوم، فقد كان صعود أكشنر وسط طبقات التيار الفاشي مذهلًا حقًا.

وللمرة الأولى، وجدت أكشنر أن حقيقة كونها امرأة تلعب لصالحها، حيث أن تمكنها من التماسك وسط الذكور في عالم السياسة المحافظة التركية الذكورية، ساعدها في اكتساب محبة البعض والاحترام البالغ من قبل كثيرين.

ويظهر ذلك في أسلوبها الذي يستعرض قوة المرأة، حيث تُفضل أكشنر الاسم التي اشتهرت به وهو ”هيلاري كلينتون“.

وفي الأيام الخوالي، خصوصًا خلال مرحلة انشقاقها الشهير عن حزب ”إم إتش بي“، كانت تستخدم علامة الذئب الرمادي في المسيرات الجماهيرية. لكن على مدى الأشهر القليلة الماضية، استبدلت ذلك برفع كفها المزين بالعلم التركي بالحنة.

وأثناء مقابلة تلفزيونية، أوضحت أن بعض المتطوعين من القاعدة الشعبية الشباب اقترحوا هذه الفكرة، وقد نجحت.

ومع تضييق الخناق على الصحافة بعد الانقلاب لضمان عدم تغطية وسائل الاعلام لحملة ”لا“، انتشر علم أكشنر من الحنة على وسائل التواصل الاجتماعي.

والشيء المثير للاهتمام الآن هو كيف سيرد أردوغان على التهديد الذي تمثله هذه ”الذئبة السياسية“ التي رفضت أن يتم ضمها أو إسكاتها. فقد يعاملها كما عامل أكبر منافسيه زعيم الحزب الديمقراطي الكردي صلاح الدين دميرتاس، حيث ألقى به في السجن.

لكن لن يكون من السهل سجن هذه القومية الشعبية كما فعل بالسياسي الكردي. فقد يُحدث أنصارها المتشددون الفوضى في الشوارع، وهم من القوات التي يستخدمها أردوغان نفسه عندما يحتاج إلى صد متظاهرين. ولا ننسى أن أردوغان إسلامي، فإذا وضع جدة تركية متدينة وراء القضبان، لن تتقبل قاعدته الدينية ذلك.

وقد تمكن أردوغان من قلب مواقف سياسية مستحيلة لصالحة في الماضي، لكن هذه المعركة ستكون قوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com