الإسلام في رئاسيات فرنسا.. من ”جسم غريب“ إلى ”متوافق“ مع قيم الجمهورية

الإسلام في رئاسيات فرنسا.. من ”جسم غريب“  إلى ”متوافق“ مع قيم الجمهورية

المصدر: باريس ـ إرم نيوز

 بين من يرى في الإسلام ”جسمًا غريبًا“ عن المجتمع الفرنسي، وبين من يعتبر -خلافًًا لذلك- أنه ”يتوافق“ مع قيم الجمهورية ولا يتعارض معها، تتنوّع مواقف مرشحي الرئاسة الفرنسية إزاء موضوع يشكّل محور حملاتهم الانتخابية، ونقطة محددة لنوايا التصويت.

ففي الوقت الذي تبدي فيه كل من مرشحة اليمين المتطرف، مارين لوبان، ”عداء“ مزمنًا للمسلمين، يظهر مرشح اليسار الراديكالي، جان لوك ميلونشون، اعتدالاً لافتًا بهذا الخصوص، مدافعًا عن دين يقول إنه لا ينبغي أن يزج به في جدل التطرّف والإرهاب.

أما المرشح المستقل، إيمانويل ماكرون، فيبدي حذرًا كبيرًا عند تناوله لموضوع يدرك جيدًا ارتداداته على تحديد نوايا التصويت له، غير أنه يحافظ على موقف إيجابي حيال الإسلام، تمامًا مثل مرشح اليسار بنوا آمون، خلافًا لمرشح اليمين التقليدي، فرانسوا فيون، الذي يعتبر أن بلاده تعاني من ”مشكلة مرتبطة بالإسلام“.

فيون: ”إشكال مرتبط بالإسلام“

حين سُئل المرشح، في سبتمبر/ أيلول الماضي، عن الإشكال الذي يطرحه الجدل حول الدين في بلاده، أجاب حاسمًا: ”لا وجود لإشكال ديني في فرنسا، لكن هناك مشكلة مرتبطة بالإسلام“.

ولم يكتف المرشح بذلك، وإنما لفت إلى أن ”العدو يتمثل في الشمولية الإسلامية، وأن الأخيرة تهدف إلى خلق ظروف اندلاع حرب عالمية ثالثة ”، في تصريحات وصفتها الصحافة المعتدلة في فرنسا بـ ”الصادمة“.

فيون الذي بدا خارج المنابت الأيديولوجية المتعارف عليها لليمين ووسط اليمين، لم يتردد في المرور إلى الهجوم، قبل فترة قصيرة من تمهيدية اليمين للرئاسية الفرنسية، ليصدر كتابًا بعنوان ”قهر الشمولية الإسلامية“ طالب فيه بترحيل فوري ودون رجعة للأجانب المسلمين ممن يشكلون تهديدًا للأمن الفرنسي.

وفي 21 سبتمبر أيلول الماضي، تعهد فيون في حال وصوله إلى الإليزيه ”بفرض المراقبة الإدارية على الدين الإسلامي، وحظر تمويله من الخارج طالما لم يكتمل اندماجه في الجمهورية“.

لوبان: ”الإسلام جسم غريب عن فرنسا“

لوبان تصر على اعتبار الإسلام والهجرة ثنائية غير قابلة للتجزئة، وتعتبر أن الإسلام ”جسم غريب عن فرنسا“، كما سبق وأشارت، في بيان صحفي، إلى أنه ”من الواضح أنه لن يتم التوصل إلى أي حل للأسلمة والطائفية دون وقف فوري للهجرة الجماعية“.

وفي 2017، لا تزال لوبان تتبنى ذات الخطاب العدائي الذي تسعى إلى فرضه في المدارس، مشددة على أن ”محاولة استيعاب الهوية الفرنسية، الموجهة بشكل أساس إلى الأطفال المولودين في فرنسا، قد يجعل منهم فرنسيين، لكن ليس بما فيه الكفاية“.

وفيما يتعلق بالسؤال الذي لابد منه: ”هل يتوافق الإسلام مع الجمهورية الفرنسية؟“، تأتي ذات الإجابة من لوبان: ”أعتقد نعم، شريطة أن يكون إسلامًا بلمسة علمانية من قبل التنوير مثل بقية الأديان“.

وأوضحت أن الكاثوليكية لا تفرض رموزًا دينية واضحة، في حين أن ”الحجاب ومتطلبات أماكن العبادة (…) تتناقض مع ثقافتنا“.

ميلونشون.. يساري راديكالي يدافع عن الإسلام

تحسب لمرشح اليسار الراديكالي بعض المواقف الإيجابية حيال الإسلام، حتى أنه لطالما هاجم لوبان متهمًا إياها بمهاجمة المسلمين الأصوليين بشكل حصري وممنهج.

وبالنسبة له، فإن الأصولية ليست سوى ”حفنة من المتعصبين ضمن استمرارية الأصولية الكاثوليكية واليهود المتعصبين والبوذيين المنتفضين والأنجيليين الغاضبين“.

وغداة الهجمات التي استهدفت، في 13 نوفمبر تشرين ثان 2015، العاصمة الفرنسية باريس، أبدى المرشح موقفًا حاسمًا حيال الإسلام، وسط الهجمة الشرسة التي طالت الدين في ذلك الحين.

وشدد في تصريحات تلفزيونية على أنه ”ينبغي التأكيد بقوة أنه لا علاقة للإسلام بهذا (…) إنها إهانة كبيرة لمسلم أن يشار إليه بالضلوع في مجازر مماثلة“.

وفي معرض رده عن موقفه إزاء قضية ارتداء مضيفات الخطوط الجوية الفرنسية للحجاب لدى وصول الرحلات إلى إيران التي تفرض ذلك، قال ميلونشون انه يميز جيدًا بين احترام ”القانون الدولي“ ساري المفعول بالنسبة له، وبين التقاليد ”الغريبة لهذا المكان أو ذاك“ على حد قوله، والتي لا يمكن للفرنسيين ”أن يخضعوا لها“ لأنهم ”أحرار وينتمون لدولة علمانية“.

وبالنسبة له، فإن ”فرض الحجاب على المضيفات لا علاقة له باحترام الآخر، وانما بموازين القوى، في إطار ضيق نسبيًا للمرأة الخاضعة“.

كما يعتبر ميلونشون المرشح الوحيد الذي تطرق الى ”الطابع التجاري للتطرف الإسلامي“، معتبرًا أن ”التجار في مثل هذه الحالة يوظفون الدين الإسلامي لكسب المال“.

ماكرون: ”عدونا داعش، وداعش ليس الإسلام“

حين سُئل المرشح المستقل عن الإسلام، تطرق إلى ”التماثل في العلاقة بين الجمهورية والأديان، في مسار شبيه بالذهاب والعودة“، على حد قوله.

ويستعرض ماكرون المسألة على النحو التالي: ”لا يوجد أي توحيد في فرنسا، ولذلك لا وجود لأي إشكال يطرحه أي دين، (…) هناك سلوكيات تطرح اليوم اشكالاً لدى البعض من مواطنينا من المسلمين“.

وتوضيحًا لموقفه من المسألة، أضاف: ”لدينا عدو، تهديد، وهو داعش، لكن (التنظيم) ليس الإسلام“، مشددًا على ”تساوي مكانة جميع الأديان في المجتمع الفرنسي“.

وفيما يتعلق بمسألة حظر الحجاب في الجامعات، قال إن هذا الأمر ”لا يعتبر خيارًا“، والأسوأ هو أن مثل هذا القرار يعتبر مثالاً نموذجيًا للسياسة التي من شأنها أن تفجر الطائفية من جديد.

ويتبنى المرشح قناعة بأنه، ولئن تظل المدرسة مساحة محايدة بالنسبة للقاصرين، إلا أنه ”بإمكان الشخص أن يعتنق ديانة معينة في الجامعة“، بما أن الأخيرة تعد مجالاً للتعبير عن الرأي والانتماء.

  آمون: ”الإسلام يتوافق مع الجمهورية“

الرؤية التي يتبناها مرشح اليسار الفرنسي حيال الاسلام تتشابه الى حد كبير مع طرح ماكرون، حيث قال إن ”العلمانية تشهد تراجعًا في فرنسا، والعلمانية لا تتعارض مع الدين، كما أن بلادنا تضم العديد من الثقافات، وهنا تكمن قوتها“.

وحول حظر ارتداء الحجاب في الجامعة، أعرب المرشح غداة فوزه بالانتخابات التمهيدية للاشتراكيين، في يناير/ كانون ثاني الماضي، عن رفضه الجازم لاستخدام مصطلح ”الطائفية“ الذي يخفي وراءه ”رغبة في القول إن الإسلام لا يتوافق مع الجمهورية“.

وبالنسبة له، فإن ”الإشكال يكمن في معرفة كيف أن ممارسة سلمية للإسلام بوسعها التوافق مع قيم الجمهورية“ معترفًا في الآن نفسه أنه ”لن تكون هناك منظمات للإسلام في فرنسا دون حوار مع الدول التي تظل مهدًٍا لهذا الدين“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com