هل اقترب ”السلطان“ أردوغان من تحقيق أهدافه؟

هل اقترب ”السلطان“ أردوغان من تحقيق أهدافه؟

المصدر: شوقي عبد العزيز - إرم نيوز

شكلت محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، العام الماضي، فرصة سانحة للرئيس رجب طيب أردوغان لتسريع عملية مسح الهوية العلمانية للبلاد وإعطائها طابعًا إسلاميًا فضلًا عن تعزيز سلطاته وقبضته على كل مفاصل الدولة.

وفي ظل خطوات أردوغان المتسارعة، تساءلت وكالة ”بلومبيرغ“ الأمريكية في تقرير مطول ما إذا كان أردوغان قد حقق كل أهدافه أم لا.

وقالت في مستهل تقرير لها: ”تم نقل تمثال مصطفى كمال أتاتورك في الميدان الرئيسي لمدينة ريزا وهي صغيرة تقع بين مزارع الشاي على ساحل البحر الأسود في تركيا منذ ديسمبر الماضي، ويعتبر غياب هذا التمثال رمزاً قوياً لمستقبل تركيا المقبل“.

مدينة ”ريزا“ هي مسقط رأس الرئيس رجب طيب أردوغان، ويعتقد منتقدوه أن المسألة التي يريد توضيحها أخيرًا بعد 15 عامًا من حكمه هي ”محو دولة أتاتورك العلمانية التي أنقذها من الإمبراطورية العثمانية وإعادة صياغة الجمهورية بطريقته الخاصة الأوتوقراطية والأكثر إسلامية“.

فيما قال نبي أفشي مستشار أردوغان سابقاً ووزير الثقافة والسياحة حالياً، إن ”تركيا تشهد تغييراً ولكن دون الحاجة لتدمير جمهورية أتاتورك أو الديمقراطية التركية التي ظهرت منذ وفاته“.

وأضاف أفشي ”تركيا صنعت بدلة تناسبها في بداية القرن العشرين ولكن العالم يتغير ونحن نصنع بدلة جديدة لتركيا“.

ولم يتم نهائيًا الإجابة عن لغز الأهداف الحقيقية لأردوغان والتي تبدو أكثر إلحاحًا، وكان من المتوقع أن يعلن في بداية هذا الأسبوع الدعوة إلى إجراء استفتاء في نيسان/ أبريل المقبل للموافقة على تعديلات دستورية من شأنها أن تركز كل السلطة التنفيذية في الرئاسة وإلغاء منصب رئيس الوزراء وتعطيه المزيد من السيطرة على التعيينات في القضاء.

عصر ترامب

في الوقت نفسه خففت موجة الشعوبية التي تجتاح أوروبا والولايات المتحدة، التوجه الغربي لتركيا، كما أن الجيش التركي يقاتل في سوريا، وتوقف نمو اقتصاد أنقرة تحت وطأة الهجمات الإرهابية والقمع السياسي الذي أعقب الانقلاب العسكري الفاشل.

كما أن إجراءات أردوغان لتطهير المحاكم وحملته على وسائل الإعلام وتدخله في سياسة البنك المركزي جعلت الأسواق تنقلب ضده، حيث فقدت الليرة ربع قيمتها مقابل الدولار منذ أبريل الماضي، بينما يعرض توجه أردوغان القومي والشعبوي تركيا أيضًا للخطر.

وقال سونر جاغابتاي مؤلف كتاب ”السلطان الجديد“، إن ”أردوغان يعيد تشكيل الجمهورية بطريقة دينية واضحة وبطموحاتها المباشرة في الأراضي العثمانية السابقة في الشرق الأوسط”.

قاعدة التمثال فارغة

في مدينة ”ريزا“ شرق إسطنبول، احتفل بعض الأتراك المعادون للنمط الغربي الذي جلبه أتاتورك لبلادهم عندما قامت رافعة الونش برفع تمثال أتاتورك من قاعدته وتم نقله إلى مكان أقل أهمية في المدينة.

ونشر الموقع الإلكتروني لصحيفة ”أكيت“ اليومية الإسلامية خبراً بعنوان: ”الحمد لله تم تحرير ريزا“، لكن تم حذفه بعد ذلك.

وغضب العلمانيون من ذلك، فقد تمت إزالة تمثال أتاتورك لإفساح الطريق لوضع نصب تذكاري آخر في المستقبل لأولئك الذين لقوا حتفهم دفاعاً عن أردوغان ضد الانقلاب، ورأى العلمانيون في ذلك دليلاً آخر على تغيير أردوغان للدولة العلمانية ذات التوجه الغربي، لتنسجم مع رؤيته الخاصة.

وفي الشهر الماضي نشرت وزارة التعليم منهجًا دراسيًا جديدًا يقلص من حجم المواد الدراسية الخاصة بأتاتورك، بحسب مؤسسة ”إمباكت سي“ غير الربحية التي تقيس النظم المدرسة وفقًا لمعايير منظمة اليونسكو، واعتبرت أن هذا المنهج يعد ”دليلاً على نوايا الرئيس أردوغان“.

وقال سولي أوزيل أستاذ العلاقات الدولية بجامعة قادير هاز في إسطنبول: ”الشيء المدهش هو مدى سهولة التراجع عن الجمهورية، صعود ترامب والشعبويين في جميع أنحاء أوروبا سيساعد على تأسيس العلامة القومية الخاصة بتركيا“.

العمق التاريخي

يحتاج أردوغان الآن إلى إضفاء الشرعية على السلطات التي يمارسها في دستور جديد، وفقًا لكاجابتاي وهو مدير برنامج تركيا في معهد واشنطن.

وذلك لأن أردوغان يتعامل مع قاعدة ناخبين مثقفة ومتحضرة يعتمد تأييد سياساته عليها ولكن نصفها من المعارضين له، وعلى النقيض من ذلك فرض أتاتورك إصلاحاته الجذرية باعتباره الحاكم المستبد في ثلاثينيات القرن الماضي في وقت كان 80% من السكان مزارعين و10% فقط يستطيعون القراءة.

وفي ظل مقاومة نحو نصف السكان لتغييرات أردوغان فإن توجهه لتركيز السلطة في يده هي ستؤدي إلى حدوث أزمات متجددة.

وما زال أردوغان وحزبه ”العدالة والتنمية“ يحظون بالتأييد الشعبي ويرجع ذلك غالباً إلى نجاح حكومته والنمو الاقتصادي السريع الذي اقترب من نسبة 10% في عامي 2010 و2011، ولكن الاقتصاد تباطأ بشكل حاد العام الماضي.

ويعترف الوزير أفشي بأن أردوغان ”لديه خطط كبيرة لاستعادة عظمة تركيا قبل حلول الذكرى المئوية على تأسيس الجمهورية التركية في عام 2023، وهي مهمة اقتصادية إلى حد كبير“.

ويقول المعارضون إن ”دوافع أردوغان الإسلامية آخذة في الظهور“ ويخشى هؤلاء من تشكل ”تركيا الجديدة“ التي يتحدث عنها دائماً، ولكن يصر أنصاره على أنه ”يسمح ببساطة لتركيا أن تعكس قيم الأغلبية المحافظة الموجودة بها التي تقمعها العلمانية المتشددة للجمهورية القديمة، وسيواصل الدستور تكريس الدولة العلمانية في تركيا دون أي ذكر للشريعة الاسلامية“.

حرب الاستقلال الثانية

ويلاحظ أنه في جميع أنحاء البلاد مثل مدينة ريزا، تقوم الحكومة بإعادة تسمية الشوارع والميادين بعد الانتصار على مدبري الانقلاب في العام الماضي، والذي يسميه أردوغان ”الحرب الثانية لاستقلال تركيا“.

وكانت الحرب الأصلية هي معركة أتاتورك في الفترة من 1919-1923 لطرد قوات الحلفاء وإنهاء الخلافة واقامة الحدود الوطنية لتركيا.

وتم بناء آلاف المساجد الجديدة بما في ذلك مسجد داخل مجمع القصر الرئاسي الجديد لأردوغان، وارتفع عدد الطلاب الذين يدرسون في مدارس إمام خطيب الدينية – التي تعلم فيها أردوغان من قبل – إلى ما يزيد عن 1.1 مليون في العام الماضي، بدلاً من 71 ألف طالب وقت تولي حزب العدالة والتنمية السلطة في العام 2002.

ويقول أرطغرل غوناي العضو السابق في حزب الشعب الجمهوري والذي تولى من قبل منصب وزير الثقافة والسياحة في حكومة أردوغان، إن ”أي فوضى تحدث ستكون بسبب أردوغان“.

وقال جوناي: ”كانت جهود أردوغان في وقت سابق لإصلاح النظام السياسي العلماني في تركيا والاندماج في الاتحاد الأوروبي جهوداً صادقة ولكنه الآن يقود نفسه والأمة إلى طريق مسدود“.

وأضاف غوناي أنه ”ليس خطأ أردوغان وحده لأن الغرب تغير أيضًا، فبعد أن أجرى الإصلاحات اللازمة لدخول مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في العام 2005 قامت فرنسا وألمانيا وغيرها من الحكومات بتجميد العملية على الفور، إدراكاً منها لارتفاع المشاعر المعادية للمهاجرين وللمسلمين في بلدانهم، ولكن جاء التغيير الكبير مع الربيع العربي العام 2011“.

وتابع جوناي أن ”رؤية أردوغان المرفوضة من جانب الغرب، والتي رأى خلالها فرصة لنفسه، حيث كان رئيس الوزراء الأكثر نجاحاً اقتصادياً وديمقراطياً في المنطقة، لكي يصبح زعيم الزعماء الجدد الذي أمل أن يظهر في الأراضي العثمانية السابقة من مصر إلى سوريا، حيث شاركت العديد من هذه الحكومات الجديدة جذوره في جماعة الإخوان المسلمين الإسلامية وفروعها“.

وأشار جوناي إلى أن ”أردوغان شعر بإحباط كبير في سوريا التي يؤيد فيها الإسلاميين السنة، وأن احتجاجات غازي بارك في إسطنبول هزت مركزه حيث رأى فيها امتدادًا لحركة الربيع العربي ولكن تهدف هذه المرة لإسقاطه“.

ورأى أن ”أفعال أردوغان الأخيرة والدستور الجديد تمثل أخطارًا تهدد الديمقراطية في تركيا“.