كيف يمكن للمحافظين إنقاذ أمريكا؟ – إرم نيوز‬‎

كيف يمكن للمحافظين إنقاذ أمريكا؟

كيف يمكن للمحافظين إنقاذ أمريكا؟
Demonstrators participate in a protest by the Yemeni community against U.S. President Donald Trump's travel ban in the Brooklyn borough of New York, U.S., February 2, 2017. REUTERS/Lucas Jackson

المصدر: إسماعيل الحلو - إرم نيوز

اشتمل كتاب نُشر العام 2005 على أفكار تتعلق بالقوى التي ستمزق الدول، ومنذ انتخاب دونالد ترامب رئيساً بات الأمر يؤرق تفكير العديد من الكتّاب والمفكرين، وعند قراءة هذا الكتاب لا يمكن التوقف عن التفكير بالولايات المتحدة.

ودرست مؤلفة الكتاب الدكتورة كارين ستينر، التي كانت تعمل حينها أستاذة للعلوم السياسية في جامعة ”برينستون“، أماكن مثل يوغسلافيا السابقة التي غرقت في حرب أهلية دموية، بالإضافة إلى الديمقراطيات الناجحة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وحددت الشروط والميول السياسية التي قد ترجح وقوع حرب أهلية.

ووجدت الكاتبة أنه عبر الحقب التاريخية المختلفة تظهر في الدول مجموعة من الأشخاص أطلقت عليهم ”التحرريين“ لكي يدافعو بقوة عن الحريات الفردية والتنوع، بينما تظهر مجموعة أخرى سمتها ”السلطويين“، يتملكها الانزعاج الفطري بوجود الفروقات مما يجعلهم يفضلون الوحدة والتماثل في كل شيء، حتى لو كان الأمر يتطلب فرض ذلك بالقوة.

وعادةً، يمكن لهاتين المجموعتين العيش مع بعضهما بسلام، ولكن في الوقت الذي تتعارض فيه المجموعتان، فإن الطريقة التي يتصرف بها المحافظون في هذه الأوقات تحديداً تعتبر هامة لمعرفة ما ستكون عليه النتائج، فإذا عمل المحافظون على الاستيعاب والتنظيم فإنهم ”سيكونون قادرين على جعل أنفسهم الحصن الأقوى للحرية الديمقراطية أمام المخاطر التي تبرزها الحركات الاشتراكية المتعصبة“، أما في حال عدم فعلهم لذلك فقد يتسببون بدفع البلاد نحو القمعية أو الحرب الأهلية، بحسب ما كتبت ستينر.

وتضيف الكاتبة ”لسوء الحظ، عدد قليل جداً من الناس من يفهم المحافظين، وفي الحقيقة، يخلط الكثيرون بطريق الخطأ بينهم وبين السلطويين، وهذا يعتبر خطأً جسيماً“.

ولفهم هذا الأمر يجب أولاً أن نكون دقيقين حول الأفعال التي ستجعل المحافظين في الولايات المتحدة يختلفون عن السلطويين، وبدلاً من المراوغة بهذا التصنيف، يمكن فهم الكيفية التي اتبعتها ستينر لهذه التسميات.

وتعتبر ستينر المحافظين على أنهم من يملكون الصفتين التاليتين، معارضة التدخل الحكومي، وكره التغيير سبيلا لحماية الوضع الراهن.

في المقابل، فإن السلطويين يكرهون الاختلاف والتنوع، ويثمنون التشابه، الوحدة، ويفرضون هذه الأمور على الآخرين.

أما الآن، ققد يتعاون كلا الفريقين في بعض الظروف وبنتائج كارثية، فعلى سبيل المثال وخلال حقبة الحقوق المدنية، كان السلطويون الجنوبيون يكرهون كثيرا التنوع والاختلاف، وقاموا بدعم القادة الذين أبدوا استعدادهم لاستخدام العنف لتطبيق تفضيلاتهم ضد السود، ووجدوا حينها من يساند نهجهم في حركة المحافظين مثل باري غولدووتر، لأنه كان معارضا لتدخل الحكومة الاتحادية، وويليام أف باكلي، لأنه كان يعارض بشدة التغير الاجتماعي السريع.

لكن هذه القناعات المتباينة والداعمة لبعضها غالباً ما وضعت السلطويين والمحافظين في مواقف غريبة مع بعضهم أيضاً، حيث كان السلطويون المعارضون للاختلاف في وضع حرج في سعيهم لتطبيق أشد صرامة لقوانين الهجرة لأن المحافظين لديهم انجذاب أيديولوجي لفكرة السوق الحرة التي لا تتدخل الدولة من خلالها في العمال وأصحاب العمل، أما المعارضون للتغيير فقد حرضوا ضد السلطويين، مثل الوضع الذي دافع عنه جورج دبليو بوش في رأيه عن المسلمين بعد 11 أيلول.

وكتبت ستينر: ”يبدو أن السلطوية والمحافظة السياسية اتجاهان مختلفان بشكل كبير، لكن ما هو مهم سياسياً حول هذه الحقيقة هو أن العلاقة بين السلطوية والمحافظة السياسية محددة لأن تكون مشروطة بشكل كبير، وهو وجود تعاون إيجابي أو سلبي أو غير ذي أهمية، يعتمد على تغير الظروف الاجتماعية“، وهذا يأتي بنا إلى هذا اليوم الذي صعد فيه ترامب للرئاسة.

وليس سراً أن الديمقراطية الليبرالية أكثر أماناً عند تحقيق التنوع والحرية بشكل نسبي، وضمان إطار مؤسسي ملائم، وفي ظل قيادة مسؤولة، وضمن حدود راسخة ومقبولة بالتراضي بين الجميع حسب ”شروط اللعبة“.

وعادة ما يكون هذا التنوع المستقر مقبولاً للمحافظين ومكروهاً من قبل السلطويين، وربما التنوع الراسخ والذي لا يمكن تغييره هو أسوأ الأنواع من بين الجميع.

من ناحية أخرى، فإن شيئاً من المنظور الشامل للنظام الذي يحقق وحدة أكبر يجب أن يكون جذاباً، بل مثيراً للسلطويين، لكنه مرعب للمحافظين، وقد تبدو الديمقراطية الليبرالية أقل أماناً حين لا يتمكن المحافظون من تحقيق الحرية المدعومة من السلطة التي يحافظ عليها الدستور، وحين يمكن اقناع السلطويين بوجود قدر أكبر من التشابه والوحدوية، وهي الطريقة الوحيدة الصحيحة للشعب الحقيقي الأوحد، والذي يقبع في نهاية ”الطريق المضيئة“.

أليس هذا ما حصل خلال انتخابات 2016؟

خشي المحافظون من نجاح هيلاري كلينتون، مما يعني أنه لن يكون هناك انقطاع في تقدمها في الأجندة المشتركة، من ناحية لأن أجزاء من ائتلافها شجعتها على تغيير ”قواعد اللعبة“، وسواء بشكل عقلاني أو غير عقلاني، فإنه لن يكون بالإمكان إقناعهم بأن هناك قيودا مؤسسية كافية على سياسة الهجرة، ودور الحكومة الاتحادية في الرعاية الصحية، أو سرعة التغير الاجتماعي في البلاد في الفترة التي بدأ بها الرئيس باراك أوباما بمعاداة زواج المثليين وانتهى به المطاف بوضع سياسة اتحادية لحقوق المتحولين جنسياً.

وفي الوقت ذاته، أقنع ترامب السلطويين السذّج بأنه في حال انتخبوه فإنه سيحقق ”مزيداً من التشابه والوحدة ، الطريقة الواحدة الصحيحة للشعب الحقيقي الأوحد، والذي يقبع في نهاية ”الطريق المضيئة“.

وبالطبع، فإن انتصار ترامب قد أبعد الكثير من المحافظين، لكن حقيقة أن إدارة ترامب معتمدة بشكل كبير جداً على المحافظين الذين يفضلون عدم التدخل والمحافظة على الوضع الحالي للتقدم بأجندتها، وتجنب الاتهام بالتقصير، ترافقت مع اختلاف جوهري جذري مع ما يرغب به المحافظون والسلطويون بشكل مطلق، وهذا يستدعي من أي شخص متوجس من ترامب أن يدرس هذه العلاقة.

وهذا يتضمن الديمقراطيين الذين يأملون بالشراكة مع المحافظين لهزيمة ترامب، لكنهم لا يفهمون حتى الآن التنازلات أو الضمانات التي عليهم تقديمها من أجل النجاح.

إن الخلط الخاطئ بين السلطويين والمحافظين خلق شكاً ليس له داعٍ ومقاومة بين هؤلاء المعارضين لقبول هذا الاستياء من التغيير الذي يوحي بكراهية للعرقيات الأخرى، وهو مبرر نوعاً ما،  أو ذاك الالتزام بالحرية الاقتصادية الذي يقترح بطريقة ما اهتماماً بالتشريع الأخلاقي والقمع السياسي“ كما كتبت ستينر، مسلطة الضوء على شكوى لطالما قام بها المحافظون.

واستطردت الكاتبة قائلةً: ”هذا الارتباك بين كلٍّ من الباحثين والنخبة السياسية له آثار مهمة، حيث يمكن أن يقود لتغيير الخصوم إلى حلفاء سياسيين غير طبيعيين مع فكرة الكراهية والتعصب، في حين يمكن تجميعهم وراء راية التسامح واحترام الاختلاف ضمن شروط ملائمة“.

ومن بين الشروط التي ستحقق تلك الاهداف، هي تذكير السلطويين بأن التسامح واحترام الاختلاف هي أفكار تميز العادات الوطنية، ووضع ضمانات فيما يخص التخفيف من وتيرة التغيير، والقواعد الثابتة للعبة والتي يلتزم بها الجميع، بالإضافة إلى الثقة بالقيادة والمؤسسات التي تعمل على إدارة الاختلافات الاجتماعية، والتي تعمل على تقنين طبيعة ومعدّل التغيير الاجتماعي.

وستكون هذه  الشروط هذه رب ضارة نافعة للديمقراطيين الساخطين الذين يشهدون التأكيد الوشيك لأن تتسلم حركة المحافظين المحكمة العليا القادمة.

واختتمت ستينر بالقول: ”فيما يخص المحافظين على الوضع الراهن، إذا فُهموا وضُبطوا بشكل ملائم، سيكونون قادرين على أن يكونوا الحصن الأقوى للحرية والديمقراطية أمام المخاطر التي تبرزها الحركات الاشتراكية المتعصبة، أما أولئك الكارهون للتغيير فسيعلمون أن ”الطريق المضيء“ نحو المستقبل المشرق، هو أكثر رعباً مما هو إثارةً، ويمكن توقع قيامهم بالدفاع بإخلاص عن القانون المؤسسي، ويتضمن ذلك الاحترام الدستوري للاختلاف وحماية الحرية الشخصية، أمام الثورة السلطوية“.

وقد أخذ بعض المحافظين حالياً هذا المشروع، فيما لم يدرك آخرون بعد طبيعة الائتلاف الذي اشتركوا به حين دعموا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وربما تكون ستينر قادرة على فتح أعينهم بشكل أكبر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com