فن عقد الصفقات.. لماذا يحتاجه بوتين أكثر من ترامب؟ – إرم نيوز‬‎

فن عقد الصفقات.. لماذا يحتاجه بوتين أكثر من ترامب؟

فن عقد الصفقات.. لماذا يحتاجه بوتين أكثر من ترامب؟

المصدر: محمد رضا – إرم نيوز

في كتابه ”فن الصفقة“ قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن أفضل الصفقات هي التي يحصل فيها الطرفان على شيء يريدانه، ومن ثم يمكن تطبيق عقيدته على الصفقة المحتملة بين روسيا والولايات المتحدة والتي ستوضح حقيقة محرجة للرئيس فلاديمير بوتين وهي أنه يريد من ترامب أكثر مما يريده ترامب منه.

وفي الوقت الذي يحاول فيه المستشارون عقد الاجتماع الأول بين الرئيسين تمثل القوائم غير المتطابقة لرغبات كل منهما إهانة لترامب، وتعني أن الصفقة إذا تمت قد تكون محدودة بدرجة أكبر مما كان يأمل الكرملين، بحسب ما نشرته صحيفة ”ذا بينينسولا ”.

وقال كونستانتين فون إغرت الصحفي في محطة ”تي في رين“ التلفزيونية الروسية التي تنتقد الكرملين في كثير من الأحيان: ”ما يمكن للبلدين تقديمه لبعضهما هو شيء مختلف بشكل لافت للنظر، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة لها اليد العليا في الكثير من الأمور الراهنة، فمن وجهة نظر إنجيلية تُعتبر الولايات المتحدة هي الملوك الثلاثة الحاملون للذهب بينما تمثل روسيا الرعاة، مع اختلاف بسيط بصرف النظر عن حُسن نيتهما“.

لعبة القط والفأر

الرغبة الكبيرة في التوصل لاتفاق لدى موسكو أكدها الكرملين مرات عديدة، حيث أشاد البرلمان الروسي بفوز ترامب في الانتخابات، كما حمّل الكرملين باراك أوباما مسؤولية تدمير العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، والتي انخفضت إلى أدنى مستوى لها بعد الحرب الباردة في عهده.

ومن الصعب إدراك نوايا ترامب تجاه موسكو، ولكن يبدو أنها تتجه نحو ما لا يريده وهو وجود روسيا كعدو جيوسياسي لأمريكا، أكثر من رغبته الغامضة في التعاون مع الكرملين لمحاربة تنظيم داعش، حيث ألمح ترامب إلى إمكانية عقد صفقة أسلحة نووية مع روسيا، بينما تأتي قائمة رغبات بوتين على النقيض من ذلك، فهي مفصَّلة وطويلة والرغبات التي بها مثل تخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة على إجراءات موسكو في أوكرانيا يحتمل أن تكون مهمة لمستقبله السياسي، فهو يتطلع إلى منحه مطلق الحرية في المناطق المنبثقة عن الاتحاد السوفييتي السابق والتي يعتبرها الفناء الخلفي لروسيا.

وعلى وجه التحديد، يريد بوتين اعتراف ترامب رسميًا أو ضمنيًا بالقرم التي تم ضمها من أوكرانيا في العام 2014 كشبه جزيرة روسية والضغط على ”كييف“ لتنفيذ اتفاق شرق أوكرانيا الذي يراه العديد من الأوكرانيين غير مستساغ، كما أن قمة الإنجاز بالنسبة لبوتين هي موافقة ترامب على دعم اتفاق السلام السوري المدعوم من روسيا والذي يسمح ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد الحليف الوثيق لروسيا في السلطة في الوقت الراهن، مع تدمير داعش، وتقديم حكم ذاتي إقليمي في سوريا.

وبالنسبة لبوتين، الذي وصف في برقية دبلوماسية أمريكية مسرَّبة بأنه ”الكلب ألفا“ ستكون الجائزة الكبرى هي الاحترام، فمن وجهة نظره أن عقد تلك الصفقة سيمنحه الشرعية وسيُظهر روسيا كقوة عظمى.

إلا أنه من الواضح أن أحد الطرفين أكثر اهتمامًا من الآخر، حيث بدأ عدم التوازن المتوقع في الظهور، لاسيما أن ترامب هاتفَ 5 من قادة العالم قبل أن يتحدث إلى بوتين في يوم 28 يناير كجزء من مجموعة مكالمات قام بها، وكانت قراءة البيت الأبيض لمكالمة بوتين غامضة ولا يبدو أن ترامب على عجلة من أمره بشأن اللقاء المحتمل.

ويقول  ديميتري بيسكوف المتحدث الرسمي باسم بوتين، إن الرئيسين قد يلتقيان فقط قبل قمة مجموعة العشرين المقرر لها أن تُعقد في يوليو/تموز المقبل، بينما لدى ترامب سبب وجيه لعدم التسرع، وهو المكافأة الضخمة، حيث أنه مع اتهامات وكالة الاستخبارات المركزية لموسكو برعاية القرصنة الإلكترونية لمساعدة ترامب في الفوز بسباق الرئاسة فإن عقد هذه الصفقة من شأنه أن يسلّم ذخيرة سياسية لأعداء ترامب وخصومه الذين يقولون إن ترامب أصبح مجاملًا جدًا للرئيس الروسي منذ فترة طويلة، كما أنه من شأن تأخير إتمام الصفقة أن يقدّم ميزة إضافية تتمثل بتأجيل عاصفة من الرفض من قبل الحلفاء الأجانب والكونغرس، حيث إن هناك تصميمًا من الطرفين على منع تخفيف العقوبات.

وبالنسبة لبوتين، فرغم أنه في عامه السابع عشر من الهيمنة على المشهد السياسي الروسي، فإن عقد الصفقة أو حتى أي تنازل رمزي مبكر مثل تخفيف العقوبات ولو بشكل طفيف سيمثلان فارقًا، حيث إن خوضه للانتخابات في العام المقبل قد يمدد وجوده في الكرملين إلى العام 2024 ، فهو يريد تخفيف العقوبات حتى يتمكن من انتشال الاقتصاد من حالة الركود.

العقوبات وركود الاقتصاد الروسي

ومنعت العقوبات المفروضة على القطاع المالي من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وصول روسيا إلى أسواق رأس المال الغربية عن طريق ابتعاد المستثمرين الأجانب إلى جانب انخفاض أسعار النفط العالمية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية التي خفَّضت الدخل الحقيقي وزادت من حجم التضخم، ما جعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للملايين، فمنذ انتخاب بوتين العام 2012 ارتفعت الأسعار بالنسبة للمستهلك بنسبة 50 % في حين أن انخفاض قيمة الروبل أمام الدولار بعد ضم شبه جزيرة القرم يعني تراجع متوسط الرواتب بنسبة 36 % في الفترة 2012 – 2016 من حيث القيمة الدولارية.

وتقدّر البيانات الرسمية نسبة التضخم بحوالي  5.4%، لكن مستهلكين يقولون إن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، والخوف من زيادة التضخم يتزايد بانتظام بين أكبر مخاوف الروس، حسبما أظهرت استطلاعات الرأي، وقد يؤدي تخفيف العقوبات الأمريكية إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية ما يساعد على خلق عامل الشعور الجيد لدى الروس.

بوتين يستعد للانتخابات اقتصاديًا

ووفقًا لــ“كريس ويفر“ الشريك الرئيس في مؤسسة ”ماكرو“ الاستشارية المحدودة للاستشارات الاقتصادية والسياسية، ستكون هذه مكافأة ضخمة لبوتين إذا حدث ذلك، فبوتين يريد أن يضع إعادة بناء الاقتصاد كهدف له في صلب ولايته المقبلة، فالاقتصاد مهم جدًا بالنسبة لبوتين، حيث إنه في غياب المزيد من الاستيلاء على الأراضي ستكون التنمية واحدة من عدد قليل من العوامل المساعدة له على الحصول على دعم الناخبين وأصواتهم.

ومع التغطية التي يوفرها له تلفزيون الدولة والمعارضة الليبرالية الضعيفة، فإن عددًا قليلًا من الروس يشككون بفوز بوتين بفترة رئاسية جديدة إذا قرَّر الترشح كما هو متوقع، ولكن ليكون الفوز سياسيًا ودائمًا وليكون بوتين قادرًا على التفكير بثقة بخدمة شعبه لفترة ولاية كاملة أخرى مدتها 6 سنوات سيكون بحاجة لفوز كبير مبني على نسبة حضور محترمة.

وأثبتت الانتخابات الأخيرة أن هذا أمر غير مسلَّم به، حيث تناقص عدد الأصوات التي أدلى بها الناخبون لصالح حزب ”روسيا الموحدة“ في انتخابات سبتمبر البرلمانية بنحو 4 ملايين صوت مقارنة بانتخابات العام 2011.

وعلى الرغم من أن الفوائد الاقتصادية لصفقة ترامب قد تستغرق بعض الوقت لتصل إلى الناخبين، إلا أن رمزية هذه الصفقة قد تزيد الإقبال على بوتين، ما يساعده على إطالة أمد نظام يعتمد عليه.

ويقول الصحفي المعارض لبوتين فون إغرت: ”ستُعرض هذه الصفقة على الروس باعتبارها انتصارًا كبيرًا حققه بوتين، وقد توصف بأنها إثبات لفاعلية استراتيجيته في الذهاب إلى الحرب في أوكرانيا، بغض النظر عن النتائج وتحويل البلد إلى قلعة روسية“.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com