الاستفتاء على الدستور بتركيا.. بين الشرعية والاحتيال

الاستفتاء على الدستور بتركيا.. بين الشرعية والاحتيال
AA_10112016_388152

المصدر: مهند الحميدي- إرم نيوز

تحوم الشبهات حول نزاهة الاستفتاء الشعبي المرتقب حيال الدستور التركي الجديد، في ظل مؤشرات لتجنيس عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين ممن يدين الكثير منهم بالولاء للحكومة التركية، بالإضافة إلى خضوع تركيا لقانون الطوارئ، ما قد يؤثر على سير عملية الاستفتاء.

وتشير صحف محلية تركية إلى أن الرئيس رجب طيب أردوغان، اتفق مع رئيس الوزراء بن علي يلدرم، على عقد الاستفتاء الدستوري، يوم 9 نيسان/إبريل القادم، بعد موافقة البرلمان على تعديل 18 مادة من الدستور، في 21 كانون الثاني/يناير الجاري.

ومن المرجح أن تنشر الصحف الرسمية مصادقة أردوغان على التعديلات الدستورية، يوم الجمعة القادم، ويتم خلال الاستفتاء، استخدام ورقة تصويت تضم اللونين البني والأبيض، حيث سيرمز الأبيض إلى الموافقة، والبني إلى الرفض.

تجنيس السوريين

ويتخوف معارضون من محاولات مستقبلية لأردوغان لتعويض الأصوات التي قد يخسرها عبر لجوئه لتجنيس لاجئين سوريين، وهم من تجاوزت أعدادهم 2.7 مليون سوري مقيم في الأراضي التركية، كأصوات بديلة.

وأكد موقع ”زمان“ التركي المعارض، اليوم الثلاثاء، أن حزب العدالة والتنمية الحاكم انتهى بالفعل من إجراءات متعلقة بمنح الجنسية التركية لـ 10 آلاف سوري كمرحلة أولى.

في حين قالت صحيفة ”ملييت“ التركية، ”إن العملية المؤقتة المتعلقة بتجنيس السوريين تُدار بالتنسيق بين إدارة الهجرة والإدارة العامة لشؤون السكان والجنسية.. وإن وزارة الداخلية تواصل استعداداتها في هذا الصدد، حيث قامت أولًا بتقييم اللاجئين الذين أنشأوا مؤسسات صناعية ويعملون في المجالات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية والثقافية والفنية في تركيا“.

وأضافت الصحيفة ”أن اللجان المحلية التي تشكّلت بتعليمات من المحافظات التركية وجهاز المخابرات قامت بتحديد الأشخاص الذين لا يشكلون تهديدًا للأمن القومي ويستوفون الشروط وأبلغت الحكومة بهم.. وخلال شباط/فبراير القادم، سينظر مجلس الوزراء في ملفات المرشحين السوريين ممن نالت أسماؤهم موافقة الأمن القومي“.

خط  أمان لأردوغان

ويدعي معارضون أتراك أن تجنيس السوريين يشكل خط أمان لأردوغان، ضمن خطته وسعيه الحثيث لتغيير الدستور وتحويل نظام الحكم في تركيا من برلماني إلى رئاسي، يجعله رئيسًا تنفيذيًا بصلاحيات أكبر، وذلك لكسب أصواتهم في معاركه الانتخابية.

وبات المناخ العام مقلقًا للرئيس التركي الذي اعتاد على التفاف الأتراك حوله، في ظل انشغال مواطنيه بالأوضاع الأمنية وحملة التطهير، وعدم إلقائهم بالًا لإنجازاته الأخيرة، ما قد يفقده كتلة انتخابية هو في أمس الحاجة لها خلال الفترة القادمة.

ومع استمرار الحرب العرقية، والتوترات الأمنية، والتفجيرات ”الإرهابية“، وتصاعد حدة العنف، وتراجع الاقتصاد وتردي السياحة، تزداد حدة الانتقادات حيال حقوق الإنسان وحرية الصحافة، ما أدى إلى تناقص شعبية أردوغان خلال العامين، الماضي والحالي.

وغطت الظروف السياسية والاقتصادية التي مرت بالبلاد على مدى الشهور الماضية، على إنجازات حزب العدالة والتنمية الحاكم، ومنها ارتفاع دخل المواطنين خلال العام 2016، وتنفيذ عدد من المشاريع العملاقة، ومنها نفق أوراسيا.

ويأمل مؤيدون أن يشكل تجنيس السوريين، الذين يدين الكثير منهم بالولاء لأردوغان، قاعدة لا يستهان بها في حال انضمامهم لحزب العدالة والتنمية، ذي الجذور الإسلامية.

استغلال التركمان

وللحكومة التركية سوابق في تجنيس أبناء القومية التركمانية أيضًا، بعد استقبال مئات العائلات منهم من مناطق النزاع في آسيا وشرق أوروبا، ومنها استقبال التتار عام 2016 من أوكرانيا والقرم وجورجيا.

ويستند تجنيس أولئك الفارين من مناطق النزاع إلى الإرث القومي الذي يروج له أردوغان، عبر استحضار الماضي العثماني، في الكثير من المناسبات.

ومنذ نجاح حزب العدالة والتنمية بالتفرد في حكم البلاد، منذ العام 2002، جنست الحكومة بالفعل أكثر من 25 ألفًا من التركمان (أبناء القومية الطورانية)؛ وفقًا لتقارير محلية.

استفتاء في ظل الطوارئ

وعلى الرغم من تصريحات سابقة ليلدرم أكد فيها أن ”حكومته ستقوم برفع حالة الطوارئ  قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع للاستفتاء على تغيير الدستور.. و أن حكومته لن تمنح الجهات الداخلية والخارجية فرصة انتقاد بلاده، من خلال الادعاء بأن أنقرة أجرت الاستفتاء في ظل استمرار حالة الطوارئ في البلاد“، إلا أن الواقع يشي بغير ذلك.

ويبدو أن أردوغان لم يلقِ بالًا لمخاوف الأتراك، ومنظمات حقوقية دولية، عبر إجراء الاستفتاء في ظل قانون الطوارئ، الذي مددته الحكومة ثلاثة أشهر، للمرة الثالثة، ليستمر العمل به حتى 17 نيسان/إبريل القادم.

وجاء فرض حالة الطوارئ بقرار من أردوغان، صادق عليه البرلمان في تموز/يوليو 2016، عقب انقلاب فاشل نفذته مجموعة من الجيش، في محاولة للاستيلاء على السُّلطة، وكاد يطيح بالحكومة، وبأردوغان شخصيًا.

الطوارئ والمناخ الديمقراطي

ولا توفر حالة الطوارئ المفروضة مناخًا ديمقراطيًا ملائمًا لإجراء استفتاء شعبي، إذ توفر أرضية خصبة لإصدار قوانين جديدة من شأنها تقليص الحقوق والحريات العامة، أو تعليقها عند الضرورة.

ومنذ محاولة الانقلاب الفاشلة اعتقلت أنقرة حوالي 40 ألفًا، ونقلت وفصلت أكثر من 125 ألفًا، من القضاة والعسكريين والموظفين والإعلاميين. وسط مخاوف من المساس بديمقراطية الدولة، والحريات العامة، ومبدأ فصل السُّلطات.

ولا يمانع الدستور التركي من تقويض الحريات في حالة الطوارئ؛ إذ تنص المادة 15 من الدستور؛ المعنونة بـ ”تعطيل الحقوق والحريات الأساسية“ على أنه يمكن في حالات الحرب أو التعبئة أو الأحكام العرفية أو حالات الطوارئ، تعطيل الحقوق والحريات الأساسية، بشكل كلي أو جزئي، بالدرجة التي يقتضيها الوضع، وبشكل لا ينتهك الالتزامات المترتبة على القانون الدولي، كما يمكن اتخاذ إجراءات تتعارض مع الضمانات التي يمنحها الدستور بشأن الحقوق والحريات الأساسية.

ومن ضمن الإجراءات التي يسمح بها القانون التركي، حظر التجول بشكل كلي أو جزئي، وحظر حركة السيارات في أماكن أو أوقات معينة، وتفتيش الأشخاص وعرباتهم وأشيائهم ومصادرة ما يمكن أن يحمل صفة الدليل.

ويضاف إلى ذلك، إلزام المواطنين المقيمين في المنطقة التي تم إعلان حالة الطوارئ فيها والقادمين لها من المناطق الأخرى بحمل ما يثبت هويتهم، ما يثير حفيظة ناشطين يتخوفون من تأثير ذلك على سير عملية الاستفتاء.

محاولات لاحتواء المحكمة الدستورية العليا قبيل الاستفتاء

ومع تلويح حزب الشعب الجمهوري، أكبر الأحزاب المعارضة، باحتمال لجوئه إلى المحكمة الدستورية العليا، للمطالبة بإلغاء الاستفتاء، يسعى أردوغان لاحتواء أكبر المؤسسات القضائية في البلاد.

ويرجّح محللون أتراك رفض المحكمة الدستورية العليا لطلب ”الشعب الجمهوري“ المستند بالدرجة الأولى إلى أن عملية التصويت في البرلمان غابت عنها السرية.

وكمحاولة للتقرب من المحكمة الدستورية العليا، أصدرت الحكومة مؤخرًا، زيادة قياسية في رواتب أعضائها، ورواتب عموم القضاة والمدعين العامين، في القضاء الإداري والجنائي، بنسبة تصل إلى 25%، وفقًا لصحف محلية.