”أمريكا أولًا“.. هل هي دعوة ترامب لاستقالة واشنطن من قيادة العالم؟ – إرم نيوز‬‎

”أمريكا أولًا“.. هل هي دعوة ترامب لاستقالة واشنطن من قيادة العالم؟

”أمريكا أولًا“.. هل هي دعوة ترامب لاستقالة واشنطن من قيادة العالم؟
Republican presidential candidate, businessman Donald Trump gestures at a regional police union meeting in Portsmouth, N.H., Thursday, Dec. 10, 2015. (AP Photo/Charles Krupa)

المصدر: إرم نيوز – حنين الوعري

أشعل سعي الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب لتبني مبدأ ”أمريكا أولاً“ في السياسة الخارجية، تساؤلات حول من سيملأ الفراغ إن تخلت الولايات المتحدة عن دورها التقليدي في قيادة العالم.

وتعد الصين وروسيا من بين الطامحين للحصول على المزيد من النفوذ الاقتصادي والعسكري في العالم، بينما قد تظهر ألمانيا ”المتناقضة“ كبوصلة أخلاقية للغرب.

وعملت الولايات المتحدة لأجيال طويلة على تحديد شروط الاقتصاد العالمي، وراقبت التهديدات الأمنية الدولية وترأست الاستجابة في مواجهة أزمات عالمية مثل: انتشار مرض الإيبولا وزلزال هاييتي.

رسالة ترامب الانعزالية

لكن بعد وصول ترامب للرئاسة مع رسالته الانعزالية، المشوبة بفكرة أن الولايات المتحدة بحاجة لإعادة التركيز على نفسها، لم يقل أو يفعل الرئيس الجديد الكثير لتبديد فكرة أنه يرغب بأن يحل بقية العالم مشاكله الخاصة بنفسه.

وقال ترامب خلال خطاب تنصيبه إن الولايات المتحدة استثمرت طويلاً في صناعات وجيوش وحدود وبنية تحتية لدول أخرى، بينما سمحت لقطاعاتها بالسقوط في حالة سيئة، لكنه أشار إلى أن ”هذا أصبح من الماضي“.

وفي أحد أول قراراته سحب ترامب رسمياً شراكة الولايات المتحدة العابرة للمحيط الهادئ، وهو مشروع أطلق خلال رئاسة جورج بوش وتفاوض عليه الرئيس باراك أوباما لوضع قواعد التجارة مع آسيا ومواجهة النفوذ الاقتصادي المتنامي للصين.

وذكر ترامب أنه يقوم بخدمة كبيرة للعاملين في الولايات المتحدة من خلال إلغاء الشراكة، إلا أن السيناتور جون ماكين وهو زميل له في الحزب الجمهوري، قال إن الانسحاب ”يعد تنازلاً عن قيادة الولايات المتحدة في آسيا والصين“.

هل تقود الصين العالم

والصين ليست الدولة الوحيدة التي باستطاعتها الاستفادة من تقشف الولايات المتحدة، فبإمكان روسيا وألمانيا المخاطرة بالمطالبة بدور عالمي أكبر، لكن ليس باستطاعة أحد مماثلة القوة الاقتصادية والعسكرية والأخلاقية التي تملكها الولايات المتحدة، في حين أن انعزال أمريكا سيخلق فراغا في السلطة.

إلى ذلك أشار جون الترمان، وهو مسؤول أسبق في وزارة الخارجية الأمريكية، ويعمل الآن في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية إلى أنه ”لا توجد هناك دولة أو مجموعة من الدول باستطاعتها القيام بما فعلته الولايات المتحدة خلال نصف القرن الماضي، وهي مسألة موارد وقدرات من ناحية، ومن ناحية أخرى تعد مسألة طموح“.

وقال الترمان إنه ”ببساطة لم يكن ليتم القيام بعدد هائل من الأمور التي تم تنفيذها لولا تدخل أمريكا“.

ارتباك دولي

وبينما سيستمتع منافسو الولايات المتحدة مثل: الصين وروسيا بالفرصة لمحاولة الإحلال محل الولايات المتحدة، إلا أن العديد من الدول في آسيا وأوروبا وغيرها مرتبكة من فكرة انسحاب واشنطن حتى ألمانيا مضطربة من فكرة النظر لها بشكل متزايد كقدوة أخلاقية.

والصين التي استثمرت مليارات الدولارات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، لكسب النفوذ في العالم النامي، يمكن أن تصبح قوة اقتصادية مهيمنة على نحو متزايد، وهي تسعى بقوة من أجل التوصل لاتفاق تجاري بين عدة بلدان، من شأنه أن يظهر كبديل مرجح عن اتفاق الشراكة الاقتصادية الإستراتيجية عبر المحيط الهادئ، وهو سيناريو حذرت إدارة أوباما من أنها ستسمح من خلاله لبيجين ”كتابة القوانين وتقود إلى خفض معايير العمل والمعايير البيئية“.

واستخدمت بكين تنصيب ترامب كفرصة للسخرية من الديمقراطية الأمريكية، والترويج لنظامها الشيوعي الخاص على أنه الخيار الأفضل.

وشاركت العديد من الدول المجاورة للصين مخاوفها من تهديدات ترامب بإشعال حرب تجارية مع القوة الآسيوية، من خلال فرض ضرائب على المنتجات الصينية.

من جانبه قال الرئيس الصيني شي جين بينغ الأسبوع الماضي، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية، واضعاً خططه للنمو والاستثمارات الأجنبية وتوسيع الفرص التجارية إنه ”سواء أعجبك أم لا، فإن الاقتصاد العالمي هو محيط ضخم لا تستطيع الهروب منه“.

التحالفات الأمريكية

وأشار ترامب إلى إعادة نظر واسعة في التحالفات الأمريكية القديمة، واصفا حلف الشمال الأطلسي أو الناتو بأنه ”عفا عليه الزمن“، كما تحدى حلفاء الولايات المتحدة لإجبارهم على تحمل أكبر قدر من التكلفة خلال حشدهم القوات العسكرية في المحيط الهادئ، بينما تظهر روسيا قوتها العسكرية في شرق أوروبا التي عانت عقودا من السيطرة السوفييتية.

وهذا ليس المكان الوحيد الذي يستعرض فيه الكرملين عضلاته، ففي سوريا دعمت روسيا بنجاح ولأكثر من سنة هجمات الحكومة السورية على الثوار والآن تقود محادثات السلام بين الطرفين.

وكانت الولايات المتحدة مجرد متفرج على المفاوضات يوم الاثنين، بينما قال البيت الأبيض بأنه قد يتشارك مع روسيا في القتال ضد مسلحي داعش في سوريا، فمثل هذا الترتيب قد يحسّن سمعة موسكو بشكل كبير في الشرق الأوسط.

نهاية عالم القرن العشرين

وكتب وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير في صحيفة بيلد قائلا ”بانتخاب دونالد ترامب انتهى عالم القرن العشرين القديم“، معبرا بهذا التصريح عن انتحاب أوروبا المتزايد حول ارتباك القيادة العالمية وزيادة الفوضى.

وعكس ضغط ترامب جدلاً عالمياً واسعاً حول العالمية مقابل الانعزال، إذ ستزور رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي ترامب لاحقاً هذا الأسبوع، لبحث سبل التعاون من القائد الأمريكي الذي رحب بتصويت بلادها للانسحاب من الاتحاد الأوروبي، الذي عارضه أوباما فترة حكمه.

الرئيس الفيليبيني رودريغو دوتيرتي، الذي عارض أوباما بسبب انتقاد أمريكا لحرب بلاده على المخدرات، قام بالإشادة بطريقة ”أمريكا أولاً“ لترامب، وعبّر عن ارتياحه بأن الولايات المتحدة لن تقوم مجدداً بإعطاء محاضرات للآخرين عن كيف يتصرفون.

 وردد رئيس الوزراء الهنغاري الذي لطالما اتهم بميوله غير الديمقراطية الرسالة ذاتها، مصرحاً ”بانتهاء تعدد المواقف“ في عهد ترامب.

وبينما تبدو زيادة القوة الاقتصادية للصين والنشاط القوي للترسانة العسكرية الروسية جذابتين، إلا أن القليل من الدول الغربية المراقبة سوف تتجه لأي من الدولتين من أجل حكم أخلاقي. إذ حاولت ألمانيا ملء الفراغ من خلال استقبال مئات آلاف اللاجئين، ومناصرة قلة التعددية خلال 70 عاماً بعد أن كانت مسؤولة عن أسوأ الفظائع التي ارتكبت إبان الحرب العالمية الثانية.

لكن ألمانيا محرك الاقتصاد الأوروبي، لديها عيب واضح وهو عدم القدرة على التوفيق بين القوى الصعبة للقيادات الطموحة في موسكو وبكين، وفي مقابل كل جهودها فإن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تواجه انتخابات صعبة لاحقاً هذا العام، إذ ستكتشف حينها إن كانت ألمانيا منيعة أمام الحركات الأممية الجديدة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com