يحيى جامي.. ”قذافي“ غامبيا – إرم نيوز‬‎

يحيى جامي.. ”قذافي“ غامبيا

يحيى جامي.. ”قذافي“ غامبيا

المصدر: بانجول - إرم نيوز

من المرجّح أن يجبر ضغط المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا ”إيكواس“، وبدعم من مجلس الأمن الدولي، الرئيس الغامبي يحيى جامي، على التنازل عن السلطة، بالرغم من أنه مازال مصرا على التشبث بها إلى آخر لحظة، ومحاولات الوساطة التي قادها عدد من الزعماء الأفارقة.

 يحيى جامي، الذي خسر الانتخابات الرئاسية أمام منافسه أداما بارو، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ورغم إقراره في البداية بهزيمته، إلا أنه عاد ورفض نتيجة الانتخابات، وأصر على إعادتها بدعوى أنه حصل أخطاء في عملية إحصاء الأصوات.

وفي 17 يناير/ كانون الثاني الجاري، أعلن جامي البالغ من العمر 51 عاما، حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر في بلاده قبل نهاية ولايته بيوم واحد.

غير أن ”إيكواس“ اتهمت جامي، بمحاولة البقاء في السلطة، وهددت باستعمال القوة إذا لم يتنازل عن السلطة في 19 يناير الذي صادف أمس الخميس.

ورغم إعلان قائد الجيش الغامبي عثمان بادجي، تخليه عن دعم يحيى جامي، وأكد أنه لن يقاتل الجيش السنغالي إذا دخل البلاد، إلا أن جامي، رفض التنازل مرة أخرى عن السلطة، رغم خسارته لأكبر حلفائه في البلاد.

وشهد أمس الخميس، دخول القوات السنغالية الأراضي الغامبية لإزاحة جامي عن السلطة، لكن العملية توقفت بطلب من الرئيس الغيني ألفا كوندي، الذي قاد وساطة أخيرة برفقة وفد من ”إيكواس“ والأمم المتحدة، بعد وساطة أخرى قادها الرئيس الموريتاني ولد عبد العزيز يوم الأربعاء.

وتعتبر غامبيا من أصغر الدول الإفريقية، حيث لا تتجاوز مساحتها 10.7 آلاف كلم مربع، وعدد سكانها لا يتجاوز مليون و800 ألف نسمة، بينما لا تتعدى قواتها الألف و900 عسكريا، كما أنها جغرافيا تمتد بشكل أفقي على طول نهر غامبيا، حيث تعد جيبا طويلا داخل الأراضي السنغالية التي تحيط بها من ثلاثة اتجاهات باستثناء الجهة الشرقية المطلة على المحيط الأطلسي.

وسبق للسنغال أن تدخلت عسكريا في غامبيا سنة 1981، وخسرت 160 جنديا، لإعادة الرئيس السابق ”دوود جاورا“، إلى الحكم بعد محاولة انقلاب انتهت بالفشل.

ودعم المغرب السنغال حينها عسكرياً، إلا أن العاهل المغربي الملك محمد السادس، أعلن هذه المرة أن بلاده لن تتدخل مرة ثانية في شؤون غامبيا.

 ويعتبر الرئيس الغامبي، يحيي عبد العزيز جامي الذي قام بتغيير اسمه إلى جامع ليتناسب مع ما يدعيه من توجهات إسلامية من أكثر الرؤساء الأفارقة إثارة للجدل والغرابة في تصرفاته الشخصية ومزاجه المتقلب وزيه، والتي انعكست كلها في طريقة إدارته للحكم.

ففي يوليو/تموز 1994، وصل جامي، إلى السُلطة عن طريق انقلاب عسكري أبيض قاده ضد أول رئيس لبلاده، داود جاورا (1970-1994)، والذي تولى رئاسة الوزراء بعد استقلال البلاد في 1965، من الاحتلال البريطاني، حيث كانت البلاد تتبع نظام الملكية الدستورية، قبل أن تتحول إلى نظام جمهوري في 1970.

لم يتجاوز جامع، حينها 29 سنة، وهو الضابط المغمور في جيش بلاده، وظل منذ 1994، يحكم بلاده بقبضة حديدية، حيثُ أعيد انتخابه لخمس دورات متتالية بدأت بعد انقلابه بعامين 1996 حين أسس حزبه الخاص“التحالف الوطني لإعادة التوجيه والبناء“، ثم أعيد انتخابه بعد ذلك في الأعوام 2001، و2005، ثم 2011.

جامي يتناقض

وأجريت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في الأول من ديسمبر/كانون الأول الماضي، حيث اعترف جامي، بهزيمته أمام منافسه زعيم المعارضة آدم بارو، وأعلنت الهيئة العليا للانتخابات الغامبية عن فوز الأخير بأغلبية أصوات الناخبين بفارق قدره 60 ألف صوت وبنسبة بلغت 45.5% من الأصوات مقابل 36.7% لجامع، وكان يفترض أن تنهي فترة حكم جامع بعد 22 عاماً.

وبعد أن أقر جامي، بهزيمته في خطاب مقتضب بث مباشرة على شاشة التلفزيون الغامبي بقوله، إن ”الغامبيين قرروا أن أنسحب وصوتوا لشخص آخر لقيادة البلاد“.

ثم أعقب ذلك باتصال هاتفي مهنئاً خصمه آدم بارو، مخاطباً إياه بقوله ”أنت الرئيس المنتخب لغامبيا أتمنى لك النجاح والأفضل“، مؤكداً على نزاهة العملية الانتخابية، ووصفها بـ“الانتخابات الأكثر شفافية في العالم“.

إلا أن جامي، عاد كعادته في تفجير المفاجآت، فشكك في نتيجة الانتخابات بعد أن أعلنت الهيئة مراجعة نتائج الفرز النهائية، تقليص الفارق في عدد الأصوات بين المرشحين من 60 ألفاً إلى 20 ألفاً فقط، وهو ما اتخذه الرئيس الغامبي، ذريعة للتنصل من قبوله بالنتيجة، متراجعاً عن تصريحاته السابقة بهذا الخصوص.

السنغال تحشد

هذا الموقف الغريب والمفاجئ دفع مجموعة ”ايكواس“، التي تضم إلى جانب غامبيا جارتها الكبرى السنغال ودولا أخرى، لتحرك مضاد، قاده الرئيس السنغالي مكي سال، الذي قصد العاصمة الفرنسية باريس مجتمعاً بالرئيس فرانسوا أولاند، ليطالبا معاً الرئيس الغامبي يحيى جامي، ”بالانصياع لما تمخضت عنه الانتخابات، ولنتيجتها التي أقر بها بنفسه قبل التراجع عنها“.

خطوات سبقت دخول الجيش السنغالي إلى الأراضي الغامبية أمس الخميس، في نفس اليوم الذي أدى فيه الرئيس الجديد أداما بارو، اليمين الدستورية في سفارة بلاده بدكار.

قرارات مريبة

ومن القرارات التي ميزت فترة حكم جامي، إعلانه في 11 ديسمبر 2015، وبشكل مفاجئ، غامبيا ”جُمهوريَّة إسلاميَّة“، قائلًا: ”غامبيا .. في يدي الله، وابتداء من اليوم فإنها دولة إسلامية، وسنكون دولة إسلامية تحترم حقوق المواطنين“.

وأضاف، في خطاب تلفزيوني، أنه ”وتمشيًا مع الهوية والقيم الدينية للبلاد، أُعلن غامبيا دولة إسلامية، لأن المسلمين يشكلون 95% من السكان ويمثلون الأكثرية في البلاد، وهو بذلك يقضي على الإرث الاستعماري، متعهدا بمنح غير المسلمين الحرية الكاملة في ممارسة شعائرهم الدينية“.

وسبق جامي ذلك بإصدار قرار عام 2013 بسحب بلاده من رابطة الكومنولث التي تضم 54 دولة من المستعمرات البريطانية السابقة، متهمًا إياها ”بفرض خطط الهيمنة الغربية على جميع دول العالم النامي وبأنها تكريس لاستعمار جديد“.

وعبرت حينها الخارجية البريطانية عن أسفها العميق لهذا القرار.

ثم أعقب ذلك في 2014، بقرار حظر اللغة الإنجليزية التي كانت اللغة الرسمية للبلاد، باعتبارها ”إرثا استعماريا“.

وعلى الصعيد الشخصي، يُعتبر الرئيس جامي نفسه ”خبيرًا في الأعشاب والعلاج بالأدوية الشعبية“، حيث أعلن في 2007، توصله إلى علاج لمرض الإيدز عن طريق الأعشاب، حسب بيان رسمي للقصر الرئاسي، كما يزعم أيضا اكتشافه علاجًا لمرضي الربو والصرع، عن طريق الأعشاب.

جامي، الذي وُلد بعد ثلاثة أشهر فقط على استقلال بلاده عن بريطانيا، في 18 فبراير/شباط 1965، لم يعرف عنه انتظامه في تعليم مدني حتى انخراطه في الجيش الغامبي.

ويُعرف عنه، ”ولعه“ بالأضواء والإعلام، حتى أن بعض المراقبين يرجعون تصرفاته الغريبة لتلك الصفة التي تهدف، حسب تفسيرهم، إلى ”لفت الأنظار وخلق هالة وكاريزما حول نفسه“، وينعكس ذلك حين يظهر في كل المناسبات ”ممتشقًا“ سيفًا بيده لا يفارقه أبدًا في كل المناسبات.

جامي والقذافي

كما يُشبه بعض المحللين سُلوك الرئيس بتصرفات وسُلوك الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، حتى لقبته بعض الصحف بـ“قذافي غامبيا“، من حيث الحرص على رسم صورة لـ“هيبة مصطنعة“ وادعاء الصرامة وتقلب المزاج.

تدخل المجتمع الدولي وبقيادة ”إيكواس“ لمنع يحيى جامي، من البقاء في السلطة بالقوة رغم هزيمته في الانتخابات، يؤرخ لمرحلة جديدة في تاريخ القارة الإفريقية، لن يكون من السهل بعدها على الزعماء المعمرين في الحكم البقاء في السلطة رغمًا عن شعوبهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com