كيف تسبب تكتيك ”معاداة السامية“ بفضيحة لإسرائيل في سفارتها ببريطانيا؟

كيف تسبب تكتيك ”معاداة السامية“ بفضيحة لإسرائيل في سفارتها ببريطانيا؟

المصدر: حنين الوعري – إرم نيوز

بات التوغل السياسي الإسرائيلي في السياسة البريطانية يشكل سبباً للقلق بين الأوساط القيادية في المملكة المتحدة، التي تعتبر إحدى أهم الممالك على مر التاريخ.

وكشفت تقارير صحفية أن الأفعال التي تورط فيها الدبلوماسي في السفارة الإسرائيلية ببريطانيا شاي ماسوت، تجاوزت ذلك الخط الفاصل بين الدبلوماسية والتدخل غير المشروع في السيادة البريطانية.

وتناول تقرير إعلامي طبيعة الخط الفاصل بين مشاركة السفارة الإسرائيلية في لندن عبر الدبلوماسية الطبيعية، والتدخل غير المقبول في العملية السياسية في المملكة المتحدة، من خلال الإشارة المتواصلة لمعاداة السامية.

وأكد التقرير في تقريره أن من المعروف وما جرت عليه العادة أن السفارات الأجنبية وموظفيها يضطلعون بمهام يمارسون من خلالها الضغط على الدول من أجل تحقيق مصالح البلدان التي يمثلونها، بحسب موقع ”ميدل إيست آي“.

وتشمل واجباتهم الأخرى، تمثيل بلادهم بأفضل صورة ممكنة من خلال الحفاظ على العلاقات الجيدة مع حكومة الدولة المستضيفة لسفارة بلادهم وتطوير العلاقات التجارية، وتسهيل التبادل الثقافي، وحشد الدعم والتفاهم خلال أوقات الأزمات العسكرية والسياسية العنيفة، وتشجيع العلاقات الإيجابية مع البلدان المضيفة التي تحتوي علاقات مع الشتات، سواء كانت قومية أو أثنية أو دينية.

وتحقيق هذه المهام مقبول تماماً، إن تم من خلال تنظيم زيارات متفق عليها من قبل الصحفيين والسياسيين والشخصيات الثقافية الكبرى، خصوصاً وأن الحكومات البريطانية دعمت على مدى 20 عاماً مضت السياسات القومية المتطرفة للحكومات الإسرائيلية اليمينية ضمنياً، وفقاً للتقرير.

وبالنظر إلى أن إسرائيل كانت ولا تزال في خضم صراع عنيف مع جيرانها العرب، ومع سكان الأراضي التي احتلتها منذ عام 1948، وانتهاكها للمعاهدات والمواثيق الدولية طوال الوقت بحق الشعب الفلسطيني، فهي تشكل سبباً للتوتر في أيّ علاقة كانت مع أي دولة حول العالم.

وتعتبر المملكة المتحدة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، غير شرعية، إضافةً إلى تاريخ البلدين الذي شهد سلسلة من العلاقات الصعبة رغم دور بريطانيا التي كانت ضالعة بطرق متناقضة ومثيرة للجدل في إنشاء الدولة الإسرائيلية.

ولاء المملكة المتحدة لإسرائيل

وحسب الموقع، فإن ماسوت الذي ادعى أن  مجموعة مثل ”أصدقاء إسرائيل“ في حزب المحافظين، تحدد في الواقع السياسة البريطانية في الشرق الأوسط، ساهمت بخلق توتر حتى وإن حاولت السفارة الإسرائيلية التقليل من شأن موظفها، الذي تحدث دون موافقة السفير الإسرائيلي مارك ريجيف، الأمر الذي قوبل ببيان وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، بالقول إن الجدل في هذا الشأن ”أغلق ملفه وانتهى“.

بيد أن الواقع يدعو للقلق على نحو أكبر،  نظراً لأن الحكومات التي تعاقبت على مدى 20 عاماً في بريطانيا، اعتبرت أنه من مصلحة بريطانيا دعم السياسيات القومية المتطرفة على نحو متزايد للحكومات الإسرائيلية اليمينية، وتصديق الروايات الإسرائيلية بأن أي مستوى من العداء لإسرائيل هو ”عداء للسامية“، ومن أجل فهم أهمية قضية موسات، يجب فهم السياق الأوسع.

ويشير الموقع إلى أنه بالنسبة للأشخاص الذين يملكون اهتماماً تحليلياً في تطور جماعات الضغط الموالية لإسرائيل، من قبل المسؤولين الإسرائيليين والمنظمات المجتمعية اليهودية والأصدقاء غير اليهود للمجموعات الإسرائيلية بأنواعها المختلفة، فإن التطورات الأخيرة لم تكن مفاجئة.

ويشير الكاتب البريطاني أنتوني ليرمان المختص في دراسة معاداة السامية والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، في مقال له نشره موقع ”ميدل إيست آي“، أن خبراته الشخصية من العمل في المجتمع اليهودي كمدير مؤسس لخلية التفكير السياسية وهي ”مؤسسة أبحاث السياسة اليهودية“ JPR والتعامل مع قضايا مثل معاداة السامية وطريقة سعي الجماعات اليهودية وغيرها من الجماعات الدينية والعرقية لمصالحها الجماعية، جعله على اتصال وثيق بهذا المجال.

وذكر ليرمان أنه لاحظ نمطا للسلوك الإسرائيلي، الذي تطور في البداية بطريقة عشوائية متقطعة وغير ممنهجة، لكن قبل 25 عاماً على الأقل، بدأ التدخل الإسرائيلي بالتصاعد بواسطة المنظمات المؤسسة للمجتمع اليهودي.

إسرائيل ومعاداة السامية

وعادت إسرائيل لتتحجج بـ ”معاداة السامية“ وتختبئ خلفها، مع أن العقود الأولى من حياة ”دولة“ إسرائيل، لم تكن تشهد اهتماماً كبيراً من القادة السياسيين بقضية معاداة السامية الحالية.

ولتأكيد ذلك وبغض النظر عن محرقة ”الهولوكوست“، فإن معاداة السامية لم تختفِ يوماً، وبالطبع كان هناك تصعيد لها مع إحياء ذكراها من قبل الجماعات اليمينية المتطرفة في أواخر الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي؛ ما كان من شأنه أن يعكر صفو نجاح رواية الصهيونية التي كان يفترض أن يؤدي إنجازها إلى وضع حد لمعاداة السامية.

وكانت سياسة رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون، هي التأكيد بأن إسرائيل تتحمل مسؤولية رفاهية الجاليات اليهودية في الشتات في جميع أنحاء العالم، إلا أن الوصول لذلك كان يقع على عاتق إسرائيل.

وهكذا، ومع النقص الحاصل في عدد الدول الصديقة، وضع بن غوريون تنمية العلاقات بين إسرائيل ودول أخرى أولوية تعلو على مخاوف الجاليات الإسرائيلية في تلك الدول بشأن الأنشطة المعادية لليهود، سواء أكانت برعاية الدولة أم لا، ومن أبرز الأمثلة على تلك الدول الأرجنتين وجنوب أفريقيا.

إلا أنه بعد حرب عام 1967 تغيرت هذه السياسة بعد تدهور مكانة إسرائيل الدولية ونمو الحركة الوطنية الفلسطينية واكتسابها دعماً دولياً متزايداً، وجاءت الحكومات الصهيونية اليمينية للسيطرة على السياسة الإسرائيلية.

وبحلول أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، سعت إسرائيل لتأمين دعم الشتات الإسرائيلي من خلال لعب دور مهيمن في رصد ومكافحة مشكلة معاداة السامية ونشرها والترويج لها.

وكانت إحدى الوسائل التي استخدمتها إسرائيل، تتمثل في وضع عناصر من الموساد في مناصب تبدو غير مؤذية في السفارات الإسرائيلية مكلفين بإذكاء قلقها بتجدد معاداة السامية بعد عام 1989 في البلدان الشيوعية السابقة، إضافةً إلى تعبئة مجموعات الشباب اليهود حول القضية لتشجيعهم على رؤية إسرائيل والصهيونية والهجرة لإسرائيل حلاً لمشاكلهم.

سرقة جماعات الشتات اليهودي

وعملت نشاطات شاي ماسوت، من أجل إنشاء منظمات يهودية تتعارض مع المصالح الحقيقية لليهود البريطانيين باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من المجتمع البريطاني، إذ عمل أسلافه -أيضاً- من خلال الرغبة بسرقة أولويات المجتمعات اليهودية لخدمة المصالح الإسرائيلية.

ويشير الكاتب ليرمان إلى أن خلية التفكير التي أنشأها سعت لتقييم معاداة السامية بموضوعية وبعيداً عن التأثيرات السياسية إلى حد ما.

وشعرت خليته بالصدمة من مدى استغلال إسرائيل لمعاداة السامية وحاولت محاربته بقدر الإمكان. ولفترة من الزمن خلال اتفاقات أوسلو لم يعد يناسب إسرائيل التعامل مع يهود الشتات بهذه الطريقة.

إلا أنه في أعقاب عام 2000، ومع عدم نجاح ما يسمى ”عملية السلام“، تصاعدت المعارضة اليمينية الإسرائيلية لتطلعات الشعب الفلسطيني الوطنية وأصبحت نظرية جديدة ”لمعاداة السامية“ ، وهي فكرة أن إسرائيل هي ”اليهود المنتشرون بين الدول“ وبالتالي أي عداء لها يعد مرادفاً لمعاداة السامية، وهي العقيدة الجديدة، فاستغلت إسرائيل مجدداً الخوف من الاتهام بمعاداة السامية كأداة سياسية فعالة ولم تنظر للوراء منذ ذلك الحين.

الخلط بين المفاهيم

ويرى التقرير أنه يتبين من المواد الإعلامية المنشورة شعور يعكس كيف أن معاداة السامية جزء لا يتجزأ من خطابات أولئك الذين يضغطون من أجل مصلحة إسرائيل، من بينها تصريحات السفير ريجيف التي تشير إلى أن النشطاء اليساريين المؤيدين لفلسطين يرجح أنهم معادون للسامية.

وطريقة نواب حزب العمال في دعم إسرائيل تظهر تلقائياً بأنها تفترض بأن نشطاء اليساريين في مؤتمر حزب العمال عام 2016 يشككون في الصهيونية ويعبرون عن معاداة السامية؛ والتورط المزعوم لضابط البرلمان التابع لمجموعة ”أصدقاء إسرائيل“ في حزب العمال مايكل روبين في محاولة للإطاحة بماليا بواتيا التي تعارض ما وصفته بـ“ السياسة الصهيونية“، من منصبها كرئيسة للاتحاد الوطني للطلبة.

لكن ذلك يظهر بشكل صارخ في الحملة المنسقة لوصف نشاط المجتمع المدني الفلسطيني للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل بالمعاداة للسامية، وهي حملة غير عنيفة بشكل أساس تناضل من أجل حقوق الفلسطينيين وتحظى بدعم من جامعة سنغافورة الوطنية.

وبغض النظر عن تأثيرها الحقيقي على إسرائيل، أدى النمو الكبير في النشاط السياسي المؤيد للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات وتحديداً في الجامعات إلى إفزاع الحكومة الإسرائيلية والمنظمات اليهودية المنشأة في أنحاء الجاليات اليهودية.

واتخذت حكومة نتنياهو قراراً إستراتيجياً بتكريس موارد ضخمة لمحاربة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات على إسرائيل باستخدام اتهامات بمعاداة السامية.

وفي أمريكا، تعاونت جهات مانحة رئيسة لقضايا اليهود مثل ”شيلدون أليسون“ و“هايم شعبان“ لإنشاء صندوق بقيمة 50 مليون دولار لمواجهة حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات باستخدام تعريف وزارة الخارجية لمعاداة السامية في المحاكم والمجالس التشريعية للولايات المتحدة جنباً إلى جنب مع وسائل أخرى من أجل تحريم اعتماد سياسات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات في الجامعات.

أما في المملكة المتحدة، فيتمثل تركيز أكثر المجموعات مثل ”BICOM“ ومجلس نواب اليهود البريطانيين والمنظمات المناهضة لمعاداة السامية والجماعات الصهيونية، على تشويه صورة حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل.

وجميع الهيئات المذكورة شجعت إلى حد كبير من خلال اعتماد تعريف لمعاداة السامية في أيار/ مايو 2016 خلال الرابطة الدولية لذكرى ”المحرقة“ المكونة من 31 دولة، والتي تقدم أمثلة من الحديث عن إسرائيل يمكن أن تعتبر معادية للسامية ويمكن أن تمتد لتشمل حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، وخلال الشهر الماضي، أعلنت الحكومة البريطانية أنها تبنت تعريف الرابطة لمعاداة السامية ضمن سياساتها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com