المساجد المحروقة في فرنسا.. رماد التعتيم يُطفئ لهيب الجُرم

المساجد المحروقة في فرنسا.. رماد التعتيم يُطفئ لهيب الجُرم

المصدر: باريس – إرم نيوز

جرى استهداف نحو 60 مسجداً في مختلف أرجاء فرنسا منذ 2015، وفق ”الجمعية الفرنسية لمناهضة الإسلاموفوبيا“، أي بمعدّل 3 مساجد في الشهر على مدى عامين.

استهدافٌ شمل، وإضرام النار في العديد من مساجد مسلمي فرنسا، وذلك ضمن حوادث صنّفتها السلطات ذات طابع ”جنائي“، ومع ذلك يُمارس عليها تعتيم إعلامي لافت يُدعّم بردود فعل سياسية شبه منعدمة.

تعتيم إعلامي وسياسي تجلّى عقب الحريق المُتعمّد الذي استهدف الأسبوع الماضي، مسجد ”باتيس سانت مارتن“ في بلدية ”شاتو تييري“ شمال شرقي البلاد، من قبل مجهولين.

ورغم الصبغة الجنائية للحادث، إلا أنه لم يلق ردودا سوى من قبل اثنين من السياسيين في فرنسا، ما يدعم نظرية ”التبسيط“ حدّ ”التهميش“ المتعمّد لظاهرة استهداف المساجد والمسلمين في البلاد، بحسب خبراء.

عقوبة السجن

وتنصّ المادة 322 من القانون الجنائي الفرنسي على عقوبة تصل إلى السجن لمدة عامين، ودفع غرامة مالية قدرها 30 ألف يورو، بحق أي شخص ينتهك مكانا يستخدم من قبل ديانة معيّنة.

سندٌ قانوني لم يفض حتى الآن تقريبا إلى أيّ إدانة لمرتكبي الهجمات ضد المساجد في فرنسا، تماما كما لم يتم الإعلان عن هوية مرتكبيها.

والحريق الذي استهدف مسجد ”شاتو تييري“، نهاية الأسبوع الماضي، يعتبر خير مثال على الأعمال المعادية للمسلمين في هذا البلد، التي لا تنال ما تستحقّه إعلاميا، تماما كما تكابد من أجل الحصول على ردود فعل من الطبقة السياسية، قبل أن تنضمّ إلى أرشيف النسيان.

فحتى الآن، لم يُكشف عن طبيعة المعطيات حول الحريق الذي استهدف قاعة الصلاة المخصصة للنساء في المسجد، كما لم يقع التعرّف أيضا على هوية مرتكبه والأسباب الكامنة وراء الاستهداف.

ضمان سلامة أماكن العبادة

ومع أنه كان من المفترض أن تلقى الحادثة استنكارا محليا واسعا، على الأقل باعتبارها الأولى من نوعها في بلدية ”شاتو تييري“ التي يقطنها نحو 20 ألف ساكن، إلا أن كل ما حظيت به هو إدانة فاترة من قبل وزير الداخلية برونو لو رو.

لو رو اكتفى بالإشارة، في بيان له، إلى أن الجمهورية ”تضمن لجميع المواطنين سلامة أماكن العبادة“.

ومن خارج الحكومة، كان وزير الاقتصاد السابق إيمانويل ماكرون، الوحيد الذي أدان هذا الفعل الذي قال إنه ”لا يغتفر“.

ماكرون يعتبر أيضا المرشّح الوحيد للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقرّرة ربيع 2017، الذي استنكر استهداف المسجد.

وقال ماكرون في شريط فيديو نشره عبر حسابه على موقع ”تويتر“: ”أريد ليس فقد إدانة ما جرى، وإنما أجدّد قولي مرة أخرى إن مشروعنا الذي يعتبر قلب مشروع الجمهورية، يُعنى بضمان حرية المعتقد لكل واحد“.

وأضاف: ”أود أن أعرب، في هذا الإطار عن تضامني مع جميع ضحايا هذا العمل الإجرامي“.

إدانة فاترة

إدانةٌ فاترة تؤكّد مساعي لإفقاد موضوع استهداف المساجد والمسلمين في فرنسا أهمّيته، وتبسيطه إلى درجة يُضحى معها غير مؤهّل للحصول على انتشار إعلامي أو إدانات سياسية واسعة، في توجّه قد يكون خيارا من قبل الساسة في بلد يهتز على وقع تداعيات الهجمات الإرهابية التي استهدفت عاصمته باريس في 2015.

مدير ”الجمعية الفرنسية لمناهضة الإسلاموفوبيا“ مروان محمد، اعتبر أن ”رجال السياسة الفرنسيين لا يتفاعلون بالشكل الكافي مع مثل هذه الأعمال العنصرية، من منطلق السعي إلى تبسيطها“.

ورأى محمد أن ”ردود الفعل اقتصرت على المستوى المحلي، خاصة من قبل البلديات والجمعيات، في حين لم نشهد أي ردّ على الصعيد الوطني“.

وتطرق محمد إلى مسألة ”العلاقات الدولية التي تدفع على وجه الخصوص كلا من اليمين واليمين المتطرّف، التيارين اللذين لم يحرّكا ساكنا حيال استهداف المسلمين، إلى التحرّك بقوة حين يتعلق الأمر بحالات أخرى، من ذلك اغتيال السفير الروسي في أنقرة أو استهداف مسيحيي الشرق“.

خطاب معادٍ للإسلام

كما سلط محمد الضوء على ”حقيقة أن تبنّي خطاب معاد للإسلام، كفيل بأن ينزل بثقله انتخابيا“، تماما كما هو الحال بالنسبة لفوز الجمهوري دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة.

أما مروان زكي المسؤول بمنظمة ”أس أو أس عنصرية“ التي تُعنى بمكافحة العنصرية بفرنسا، فرأى من جانبه أن ”هذا النوع من الأعمال التي تستهدف أماكن عبادة المسلمين يندرج ضمن سياق العنصرية، رغم أن هذه الأفعال غالبا ما تغيب عن الخطابات السياسية والمناهضة للعنصرية“.

وأشار زكي إلى أن ”المناخ الاجتماعي في فرنسا متوتّر للغاية في الوقت الراهن“، في إشارة منه إلى الهجمات الإرهابية التي استهدفت البلاد وغيرها من الدول الأوروبية منذ 2015. توتّر خلص إلى أنه ”أدرج الإسلام منذ ذلك الحين ضمن سياق الكراهية“، وفقا لزكي.

سطحية ولامبالاة

من جهتها، اعتبرت مقرّرة منظمة ”العنصرية والإسلاموفوبيا ووتش“ كيسفير ديليك، أنه كان الأحرى برجال السياسة أن يندّدوا بحرق المسجد بدل فعل ذلك بطريقة سطحية“.

ولفتت ديليك إلى أن ”غياب ردود الفعل لا يفعل شيئا سوى تمرير رسالة إلى المسلمين مفادها أنه لا نأخذكم على محمل الجدّ“.

وتابعت ديليك مازحة أن ”الساسة الفرنسيين لا يفكرون حتى في مجرّد الوقوف إلى جانب المسلمين، من أجل استقطاب استراتيجي للناخبين المسلمين“. واختتمت ديليك مستنكرة ”المفارقة التي تطرحها اللامبالاة حيال الأعمال المعادية للمسلمين في فرنسا“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com