بعد شعارات تنادي بعودة الخلافة.. معارضون يدقون ناقوس الخطر بشأن ”علمانية تركيا“

بعد شعارات تنادي بعودة الخلافة.. معارضون يدقون ناقوس الخطر بشأن ”علمانية تركيا“

المصدر: مهند الحميدي- إرم نيوز

في ظل استمرار الدعاية السياسية والإعلامية الضخمة الداعمة لسياسات حزب ”العدالة والتنمية“ الحاكم في تركيا، باتت نسبة مرتفعة من المواطنين الأتراك تؤيد السياسات الحكومية الهادفة إلى هدم الجدار الفاصل بين الدين والدولة.

يأتي ذلك كله انطلاقًا من دعم قضية المحجبات إلى تأييد قوانين تقيد بيع المشروبات الروحية واستهلاكها، مرورًا بدعم حملات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتكررة ضد الإجهاض.

ويرى معارضون علمانيون أن ”تغير المزاج الشعبي التركي في الأعوام الأخيرة، يأتي انعكاسا لسياسات أردوغان الرامية إلى القيام بخطوات عملية اعتبرها البعض توجهًا لأسلمة الدولة ومرافقها، والحصول على تأييد شعبي في الأوساط المحافظة عبر إذكاء حلم الخلافة في نفوسهم“.

الخروج من عباءة العلمانية

على الرغم من تأكيدات أردوغان على علمانية الدولة، يرى محللون أنه ”لم يأل جهدًا في محاولاته الخروج من عباءة المبادئ العلمانية والتمرد على النهج الكمالي، واللافت أن محاولات أردوغان تلقى آذانًا صاغية لدى شريحة واسعة من الأتراك، الأمر الذي ظهر جليًا في نجاحاته المتكررة في المعارك الانتخابية منذ وصول الحزب الحاكم إلى السلطة عام 2002“.

في ظل انتشار مثل تلك المظاهر، تكثر التساؤلات حول مستقبل الجمهورية التركية وإمكانية تحول تلك التصرفات إلى تيار عام من شأنه ردم الهوة بين الدين والدولة، والانقلاب على العلمانية التي أرسى دعائمها الزعيم التركي الراحل مصطفى كمال أتاتورك في عشرينيات القرن الماضي، وهو من ألغى الخلافة وأعلن قيام الجمهورية بعد قيادته لحرب التحرير الوطنية ضد الحلفاء.

عودة الخلافة

وعاشت إسطنبول قبل أيام تجربة أثارت حفيظة أنصار الجمهورية، في حين استقطبت جمهور المتدينين الأتراك بعد أن عمدت سيارات تابعة للحزب الحاكم منتصف كانون الأول/ ديسمبر الجاري، إلى المناداة عبر مكبرات الصوت ”بعودة الخلافة وتأسيس اتحاد إسلامي واختيار خليفة للمسلمين“، وذلك خلال وقفة تضامنية مع مدينة حلب السورية؛ وفقًا لما ذكرته صحف معارضة.

وأثارت تلك النداءات حفيظة معارضين أتراك اعتبروها مخالفة صريحة لعلمانية الدولة؛ وعلق آيقوت أردوغدو، النائب عن حزب الشعب الجمهوري أكبر الأحزاب المعارضة قائلا إن ”تلك النداءات تعد جريمة تخالف الدستور“.

في حين وجه زميله في الحزب النائب أونرصال أضي جوزل، سؤالًا لوزير الداخلية سليمان صويلو في البرلمان، مطالبًا بتفسير الهدف من تلك النداءات؛ متسائلًا ”هل مثل هذه النداءات موجهة ضد العلمانية والدستور التركي أم ماذا؟“.

استحضار رموز الحقبة العثمانية

خلال فترة تفرد حزب العدالة والتنمية بحكم البلاد، لم تخل خطابات أردوغان ولقاءاته الجماهيرية وحملاته الانتخابية من استحضار رموز الحقبة العثمانية، والتركيز على أمجادها ما تجلى في مظاهر الترف في القصر الرئاسي، وأزياء جنود المراسم الرسمية في القصر، التي تمثل المراحل التي مرت بها الحضارة التركية، وكذلك لوحات الخط العربي الذي يسميه الأتراك ”بالخط العثماني“ التي تعج بها أروقة القصر الرئاسي.

وبات الأتراك يحتفلون بإنجازات الحقبة العثمانية، كالاحتفال بانتصارات الجيوش والبحرية العثمانية، التي يستحضرها أردوغان ويروج لها الإعلام المقرب من الحكومة.

ويشير محللون إلى أن أردوغان في الكثير من خطاباته الجماهيرية، يتجاهل الحديث عن معاهدة لوزان (عام 1923) التي رسمت حدود تركيا الحالية، بل يتعمد الإشارة إلى ما يطلق عليه الأتراك اسم ”الميثاق الوطني“ (ملي ميساك) الذي أقره البرلمان العثماني عام 1920.

الميثاق الوطني

ويعد الميثاق الوطني وثيقة رمزية داخلية غير ملزمة دوليًا، ولا تحظى باعتراف خارجي، وتنص على أن حدود الدولة العثمانية تمتد من غرب إيران وتضم الموصل وحلب وصولًا إلى مناطق في اليونان الحالية.

في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ارتفعت حدة الجدل في الأوساط الداخلية التركية حول أحقية تركيا بالمطالبة بالموصل العراقية وحلب السورية، عقب التصريحات المثيرة للجدل من قبل أردوغان، التي جسد فيها الحلم القديم للقوميين الأتراك بضم المدينتَين التاريخيتَين لخريطة الدولة التركية الحديثة.

وجاءت تصريحات أردوغان بعد أن تناقلت وسائل إعلام مقربة من الحكومة، صورًا تظهر خريطة تركيا المتوسعة في محافظات سورية وعراقية.

ويثير التدخل العسكري التركي في مناطق ريف حلب الكثير من التساؤلات حول أهدافه، فعلى الرغم من تأكيدات الحكومة التركية على أن عملية ”درع الفرات“ التي أطلقتها بالتنسيق مع فصائل سورية معارضة تدين بالولاء لها، تهدف إلى تأمين حدودها الجنوبية وضرب معاقل تنظيم داعش والمقاتلين الأكراد، إلا أن سوريين يجدون فيها تعبيرًا عن مطامع قديمة بضم حلب كولاية تركية.

وسبق أن صدرت تصريحات من أعضاء برلمانيين عن الحزب الحاكم، تفيد ”بأحقية استرجاع حلب، في حال حدث تقسيم في سوريا“.

اتهام تركيا بتدمير حلب

ويتهم سوريون أنقرة بالضلوع في ”تدمير البنية التحتية لحلب، العاصمة الاقتصادية لسوريا، لغايات عدة؛ منها إنعاش مناطق جنوب تركيا التي كانت مهملة لعقود، إذ برزت عنتاب جنوب تركيا، بعد دمار حلب، كمركز إقليمي بالغ الأهمية تجاريًا وصناعيًا، بعد انتقال الكثير من المعامل والورشات ورؤوس الأموال الحلبية إليها، إضافة إلى رغبة شركات تركية بالمساهمة في إعادة إعمار حلب حين تحين الفرصة، تمهيدًا لضمها إلى الخريطة التركية“.

وعلى الرغم من الخلاف بين بغداد وأنقرة حول معركة الموصل، التي انطلقت في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تصر تركيا على المشاركة في التحالف الدولي لتحرير الموصل، ذات الأهمية التجارية، من قبضة تنظيم داعش الذي يسيطر على المدينة، الواقعة شمال العراق منذ حزيران/يونيو 2014.

ونشطت الدعاية السياسية التركية، مستندة إلى الماكينة الإعلامية الضخمة لأردوغان، إذ افتتحت تركيا منذ العام 2011، الكثير من المواقع الناطقة بالعربية إضافة إلى عشرات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وقائمة طويلة من الكتاب الأتراك الناطقين بالعربية، للترويج للتوجهات السياسية والاقتصادية التركية، ما جعل بعض أهالي المناطق الشمالية في العراق وسوريا ينجرون وراء تلك الدعاية، ويضمرون أو يعلنون التأييد لتوجهات أردوغان وطموحاته.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com