ماذا تنتظر إسرائيل من سياسات ترامب الخارجية؟

ماذا تنتظر إسرائيل من سياسات ترامب الخارجية؟

المصدر: ربيع يحيى - إرم نيوز

انشغلت المعاهد البحثية ومراكز دعم صناعة القرار في إسرائيل، مؤخرا، بوضع تصورات بشأن اتجاهات السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، واعتمدت في ذلك على مواقف وتصريحات صدرت عن ترامب ومستشاريه، فضلا عن دراسة توجهات الشخصيات التي رشحها للعمل إلى جواره، ولا سيما ريكس تيلرسون المرشح لمنصب وزير الخارجية.

وتعول تلك الجهات على القراءة العميقة لتلك التوجهات لاستخلاص سيناريوهات شبه مؤكدة تتعلق بالخط العام الذي ستتبعه إدارة ترامب عقب دخولها رسميا إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/ يناير 2017.

ويحمل كل تصريح أو موقف صادر عن ترامب أو الطاقم الانتقالي الذي يعمل إلى جواره حاليا، فضلا عن كل ترشيح أو لقاء يعقده مع إحدى الشخصيات التي قد تعمل ضمن فريقه مستقبلا، دلالات محددة بالنسبة للخبراء والباحثين الإسرائيليين، والذين يبدو أنهم كلفوا برسم صورة دقيقة تتعلق بملف السياسة الخارجية الأمريكية خلال السنوات المقبلة.

خطان أساسيان

وعكس بنحاس عينبري، كبير باحثي ملف الشرق الأوسط بمركز القدس للشؤون العامة (JCPA) مدى الاهتمام الإسرائيلي بالقراءة المبكرة لاتجاهات السياسة الخارجية التي من المتوقع أن يتبعها ترامب وإدارته، وأشار اليوم الأحد إلى أن بعض المواقف والتصريحات توضح كيف يمكن أن تسير تلك السياسة.

ويفضل  الباحث الإسرائيلي المخضرم عدم التعويل على مسألة نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس المحتلة، على الرغم من نظره إلى هذه الخطوة المحتملة من منظور دولي شامل، معتبرا أن الخطوة، حال حدثت، ستغير وضع ما أسماها عاصمة إسرائيل، من مدينة ذات طابع دولي بناء على قرارات الأمم المتحدة، إلى مدينة سيادية إسرائيلية معترف بها.

ويشير الباحث إلى أن السياسات الخارجية المتوقعة للإدارة الأمريكية الجديدة تتضح شيئا فشيئا، محددا خطين أساسيين أصبحا واضحين بالنسبة إليه في هذا الصدد، أولهما أن ترامب عازم على التوجه صوب موسكو، وبناء منظومة علاقات قوية معها على حساب محور الإخوان المسلمين.

وتبدو مقارنة عينبري بين موسكو والإخوان المسلمين غريبة إلى حد ما، لكنها تنبع على ما يبدو من التدقيق في سياسات إدارة الرئيس باراك أوباما، والتي بنت رؤيتها الخارجية بالكامل على دعم هذا التنظيم، والذي فشل في النهاية في تحقيق أي من أهداف هذه الإدارة، وتسبب سقوطه السريع من رأس السلطة في مصر في إرباك حسابات أوباما وإدارته.

حقبة الصفقات

ويعتمد الخط الأساسي الثاني لإدارة ترامب على تقديم لغة المصالح، ويبدو واضحا بالنسبة للباحث الإسرائيلي أن الحقبة القادمة ستكون حقبة الصفقات والتفاهمات الاقتصادية التي قد يخرج الجميع رابحا منها.

ويعتقد عينبري أن السلطة الفلسطينية كمثال، لن تتمكن من التعاطي مع هذا الوضع، لأن أسلوب إبرام الصفقات الذي سيتبعه ترامب لإدارة سياساته الخارجية لا يتناسب مع أسلوب السلطة التي تطالب دوما بالضغط على إسرائيل من جانب المجتمع الدولي، مضيفا أن استخدام الفلسطينيين للغة ”الحقوق المسلوبة“ والمطالبة بإعادتها عبر ممارسة ضغوط دولية على إسرائيل ربما لن تحقق الأهداف المرجوة.

ومع ذلك، لا يستبعد الباحث الإسرائيلي احتمالات مواءمة سياسات ترامب مع متطلبات السلطة الفلسطينية، لو وضعت بالاعتبار لغة الصفقات، وأنه لو كان ترامب على قناعة بأن كل الملفات يمكن إدارتها عبر صفقة، فربما ينطبق الأمر على الملف الفلسطيني.

الجولان وتعهد فورد

وبنفس المنطق، يخشى الباحث أن يؤثر سخاء ترامب تجاه إسرائيل بشأن نقل السفارة إلى القدس وما سيترتب عليه، على الملف السوري، بمعنى أن إبرام الرئيس المنتخب صفقة محتملة مع موسكو حول سوريا، سيلقي بظلاله على إسرائيل لو وضعت مسألة الجولان في الاعتبار.

ويتوقع أن يشمل الاتفاق الأمريكي – الروسي المحتمل حديث عن سلام سوري – إسرائيلي، وهنا سيتم طرح مسألة الجولان مجددا للتفاوض، معربا عن خشيته من أن يكون لسان حال ترامب في هذا الصدد هو ”وقفت إلى جوار إسرائيل بشأن القدس، عليها إذن أن تعمل على إنجاح خطواتي في سوريا“.

واستشهد عينبري على مخاوفه بحقبة الرئيس الأمريكي غيرالد فورد، والذي قبع داخل البيت الأبيض في الفترة ”1974- 1977″، ووقتها حصلت إسرائيل على تعهد منه بإبقاء الجولان تحت سيطرة إسرائيل في أية تسوية مستقبلية، في وقت كانت إسرائيل منشغلة بالتفاوض مع دمشق تحت شعار سوري هو ”السلام مقابل الجولان“، داعيا صانع القرار الإسرائيلي لإخراج صيغة التعهد الخاص بالرئيس الأسبق فورد، والتلويح بها كورقة إسرائيلية تعبر عن موقف تل أبيب الرسمي.

قراءة مبكرة

ولا تعد هذه هي المرة الأولى التي يضع فيها خبراء إسرائيليون تصورا بشأن اتجاهات السياسة الخارجية المتوقعة للرئيس الأمريكي المنتخب، وطوال شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ظهرت العديد من التحليلات والمقالات والوثائق التي تطرقت لهذا الملف.

واستهدفت محاولة قراءة اتجاهات ترامب، المواءمة بين الأفكار والمبادئ التي يتبناها مع تلك التي يحملها وزراء الحكومة اليمينية الحالية، في محاولة لمنع حدوث تضارب أو سوء فهم مع الإدارة الأمريكية الجديدة.

وأصدر مركز بحوث السياسات (مماد)، الذراع الاستخباراتي لوزارة الخارجية الإسرائيلية، في 11 من الشهر الماضي وثيقة، كانت قد حملت تقديرا للموقف بشأن اتجاهات السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي المنتخب، قدرت أن ترامب لا يولي اهتماما أساسيا بالسياسة الخارجية، بقدر ما يضع السياسة الداخلية كأولوية قصوى.

ووضعت الوثيقة أمام صانع القرار الإسرائيلي نظرة أولية حول توجهات ترامب، بعد تحليل كم هائل من المعلومات والتقارير والتصريحات التي نشرتها وسائل الإعلام حول العالم وغيرها من المصادر المفتوحة، فضلا عن المعلومات التي تم جمعها عبر لقاءات واجتماعات مع شخصيات مقربة من الرئيس الأمريكي الجديد، وبالتالي تم استخلاص النقاط التي يعتقد أنها الأقرب للواقع.

وأكدت الوثيقة وقتها أن بعض التصريحات التي أطلقها ترامب خلال الشهور الأخيرة شابها التناقض، ودللوا على ذلك بأنه كان قد أكد على أن إسرائيل مُلزمة بدفع ثمن محدد جراء المساعدات العسكرية التي تحصل عليها من الولايات المتحدة الأمريكية، وفي مناسبة أخرى أشار إلى أن المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية لإسرائيل تعد ”استثمارا ممتازا“.

ورأى معدو الوثيقة أن الرئيس الأمريكي الجديد سيسعى لتغيير منظومة العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة في أنحاء العالم، وأنه سيحرص على ”حصد ثمن“ الحماية الأمريكية التي توفرها بلاده لحلفائها في الخليج العربي وآسيا، ولا يتردد في إعادة بحث مسألة وجود القوات الأمريكية العسكرية في دول مثل اليابان أو كوريا الجنوبية، ويطالب بإعادة دراسة مسألة عضوية الولايات المتحدة في حلف ”الناتو“، من منطلق رؤيته أن الولايات المتحدة تدفع الثمن مقابل أزمات لا تخصها.

ترجمة على أرض الواقع

وتسببت قراءة إسرائيل المبكرة لتوجهات ترامب الأولية في نجاحها، على سبيل المثال، في تقويض الجهود الفرنسية لإحياء السلام، وعولت على ما فهمته لتمارس ضغوطا على باريس، واستغلت عدم رغبة ترامب في اتباع المسارات القديمة التقليدية، لتروج لإلغاء المبادرة الفرنسية حتى قبل أن تعلن باريس هذا الأمر.

ولم تتعارض حالة التفاؤل الإسرائيلي بشأن توجهات ترامب مع غالبية الترشيحات التي طرحها أو الشخصيات التي اختارها لتولي مناصب وزارية أو استخباراتية أو عسكرية في إدارته، وبالتالي تمت ترجمة حالة التفاؤل الإسرائيلي النابعة عن القراءة المبكرة للتوجهات، إلى واقع عملي.

وتمثل هذا الواقع حتى الآن، على سبيل المثال، في إعلان إسرائيل ارتياحها إزاء تكليف الجنرال المتقاعد مايكل فلين، بمنصب مستشار الأمن القومي، وعضو مجلس النواب الجمهوري المحافظ مايك بومبيو، بمنصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، والمحامي اليهودي اليميني ديفيد فريدمان بمنصب سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، والعديد من الأسماء الأخرى، منها ستيفين منشوينا، الذي تم اختياره لمنصب وزير الخزانة، قبل أن يتبين أنه شريك الملياردير الأسترالي جيمس باكر، صديق وخازن أسرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

مواد مقترحة