التقارب التركي الإيراني.. مناورة ”تكتيكية“ أم تحول استراتيجي؟ – إرم نيوز‬‎

التقارب التركي الإيراني.. مناورة ”تكتيكية“ أم تحول استراتيجي؟

التقارب التركي الإيراني.. مناورة ”تكتيكية“ أم تحول استراتيجي؟

المصدر: إرم نيوز- حنين الوعري

عقد المسؤولون الأتراك والإيرانيون في الآونة الأخيرة لقاءات رفيعة المستوى الأمر الذي يشير إلى أن البلدين يقتربان من بعضهما مرة أخرى بعد فترة من الخلافات الجدية حول العراق وسوريا، الأمر الذي يثير تساؤلات، حول دوافع هذا التحرك، ومدى استدامته.

وازدهرت العلاقات التركية الإيرانية خلال العقد الماضي في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية، بينما نظرت الحكومة  التركية السابقة إلى إيران بنظرة قاتمة متشائمة، في الوقت الذي سعى فيه حزب العدالة والتنمية ذو الجذور الإسلامية إلى بناء العلاقة بين البلدين بعد الوصول للسلطة عام 2002.

وتلا ذلك زيارات رفيعة المستوى وعقد صفقات تجارية، إلا أن العلاقات بين أنقرة وطهران بدأت تتدهور بعد اندلاع انتفاضات الربيع العربي في العام 2011.

سوريا بمثابة حاجز

وكانت الدولتان على خلاف حادة بسبب الحرب في سوريا، حيث أظهرت تركيا دعمها للمتمردين بينما وقفت إيران سريعاً إلى جانب حليفها لوقت طويل؛ نظام الرئيس بشار الأسد.

نتيجة لذلك، أصبحت إيران وتركيا تخوضان حرباً بالوكالة في سوريا، إذ عملت أنقرة على تسليح وحماية الفصائل المعارضة، بينما مولت طهران جيش الأسد وأرسلت قوات إيرانية للمحاربة بجانبه، كما أصدرت الدولتان على حد سواء انتقادات عامة شرسة حول موقف الأخرى في سوريا.

ونشأت خلافات أيضاً بين الدولتين حول العراق، حيث أثارت علاقات تركيا الدافئة مع الحكومة الإقليمية الكردستانية غضب الحكومة الشيعية في العراق وحليفتها في طهران.

وعلاوة على ذلك، اتخذت بغداد من زحف تركيا بالمنطقة الشمالية في العراق ذات الأغلبية العربية السنية موقفاً سلبيا، حيث طلبت بدعم إيراني من تركيا إخلاء قاعدة في بعشيقة قرب الموصل التي أقامت فيها أنقرة وجوداً عسكرياً في السنوات الأخيرة.

تخفيف التوتر

في الأسابيع القليلة الماضية، أبدت كل من أنقرة وطهران أنهما يحاولان وضع خلافاتهما جانبا، فسافر وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو إلى طهران في 18 آب/أغسطس في أعقاب زيارة نظيره الإيراني محمد جواد ظريف إلى أنقرة في 12 آب/ أغسطس، ويبدو أن السبب الرئيس لإعادة تحسين العلاقات هو سوريا.

فالتوغل التركي في سوريا الذي جرى في 24 آب/أغسطس بمباركة ضمنية من روسيا ودعم عسكري أمريكي مباشر لكن محدود، يظهر تطوراً في العلاقة بين البلدين.

فهو يدل على أن الحرب تتطور إلى مجموعة من الصراعات المصغرة، إذ باستطاعة الخصوم في إحدى جبهات تركيا ضد روسيا في حلب، التعاون في جبهة أخرى هي جرابلس، لكن يظهر أيضاً أن الأطراف الفاعلة تستعد لليوم الذي يلي تنظيم داعش فيحولون أولوياتهم بناء على ذلك.

فعلى سبيل المثال، لم تعد تركيا مشغولة تمامً بالإطاحة بنظام بشار الأسد، بدلاً من ذلك تتوسط للسلام الضمني مع روسيا وإيران.

بذلك، تتصرف الحكومة التركية بشكل استباقي للسيطرة على مناطق إن لم تسيطر عليها ستقع تحت سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، حيث سيطرت المجموعة الكردية على جزء كبير من المنطقة الحدودية الشمالية، وهي مجموعة ستعد من أبرز خصوم تركيا في سوريا بعد عهد داعش.

مصير الأسد

من المؤكد أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكبار مساعديه في وزارة الخارجية واصلوا التحدث علناً عن رفضهم للأسد منذ توغلهم الأخير، وهذا يثير تساؤلات حول ما إذا كان من الممكن أن تتخلى تركيا حقاً عن سياستها في الإطاحة به.

وتدرك  أنقرة حقيقة أن النظام الحالي وربما حتى الأسد نفسه باقيين لبعض الوقت، وهذا يفسر سبب طلبها من قواتها بالوكالة في سوريا بتركيز الجهود المبذولة لمنع تقدم حزب الاتحاد الديمقراطي.

ولا يبدو اقتراب النظام الحاكم في تركيا من إيران تحولاً استراتيجيا وستستمر أنقرة في الاختلاف مع أهداف إيران الرئيسة في سوريا.

ومن جانبها، تنظر طهران إلى هذا التقارب على أنه فرصة لكسب ود أنقرة وتخفيف اعتراض تركيا على بقاء نظام الأسد. وربما يكون القادة الإيرانيون قد طلبوا من الأسد أمر جيشه بقصف مواقع حزب الاتحاد الديمقراطي في محافظة الحسكة باعتبارها وسيلة لكسب أنقرة.

جبهة التعاون الاقتصادي

وشكل ضغط مواجهة عدوين قويين في سوريا دافعاً لتركيا لعقد سلام اقتصادي مع طهران قبل بدء التعاون العسكري والدبلوماسي بينهما، وساعد هذا في حصول إيران على تخفيف العقوبات الدولية، فردت طهران الجميل بدعوة الشركات التركية إلى داخل الجمهورية الإسلامية.

وبذل الطرفان جهودا كبيرة لتعميق علاقاتهما الاقتصادية ففي 29 شباط/ فبراير من هذا العام عقدت طهران أول منتدى لسوق رأس المال تركي إيراني لتسهيل الإدراج المزدوج لتبادل سوق الأوراق المالية بين البلدين.

في الخامس من آذار/مارس الماضي، نادى رئيس الوزراء آنذاك أحمد داود أوغلو لإزالة المعوقات البيروقراطية في التجارة للاستفادة من الاقتصاد والمناطق الجغرافية المكملان لبعضهما بين الدولتين، مشيرًا إلى أن هذا باستطاعته أن يساعد في مضاعفة التجارة السنوية بثلاثة مرات من 9 مليارات دولار لتصل 30 مليار دولار.

وفي 9 نيسان/إبريل الماضي، وقعت غرف التجارة الإيرانية والتركية ثلاث وثائق لتقوية التعاون الاقتصادي والعلاقات المصرفية في أعقاب الدورة الـ25 للجنة الاقتصادية المشتركة في أنقرة.

في ضوء ذلك، يمكن أن يفتح تحسين العلاقات مع إيران فرصاً لتركيا في العراق. وتملك تركيا علاقات معمقة مع حكومة إقليم كردستان، إلا أن وجود علاقة أقوى مع الحكومة المركزية  قد يعود بفوائد دبلوماسية إضافية، إضافة لفوائد في قطاع التجارة والطاقة.

التقسيم المستقبلي والمخاطر

 ونظراً للمجموعة المتنوعة من المصالح المشتركة والمتباينة، يرجح أن تقرر تركيا وإيران تقسيم علاقاتهما على جبهات مختلفة، فعلى سبيل المثال، بالرغم من أن الدولتين ستستمران في الاختلاف على بعض جوانب السياسة السورية، مثل مستقبل الأسد ومعركة حلب، إلا أن كلاهما سيعترضان على أي سيناريو يتضمن استقلال الأكراد السوريين أو حكمهم الذاتي.

ويرجح أن تتوصل العراق لتسوية مع الأكراد، وتملك أنقرة القدرة على التأثير على إحدى الفصائل الرئيسية المتناحرة في حكومة إقليم كردستان وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني، في حين تؤكد طهران سيطرتها على الحزب الآخر وهو الاتحاد الوطني الكردستاني.

 إشارة تحذير روسية

وبالرغم مما سبق إلا أن العلاقات التركية الروسية أكدت أن أي نهج للتقسيم يتضمن مخاطر محتملة، وحتى أواخر العام الماضي كانت أنقرة وموسكو قادرتين على تطوير روابط عميقة في مجال الطاقة والتجارة  بالرغم من اختلافهما على سوريا.

إلا أن تركيا أطلقت النار في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 على  طائرة روسية دخلت مجالها الجوي لفترة وجيزة، الأمر الذي دفع الكرملين لقطع جميع تلك الروابط تقريباً، وقد تنشأ مشاكل مماثلة بين تركيا وإيران إن حصل اشتباك عسكري بين الطرفين عن طريق الخطأ في سوريا.

مستقبل الأسد

توجد تحديات أخرى تواجه المفاوضات الجارية لتسوية سلمية في سوريا، منها أنه إذا تم التوصل لاتفاق يحافظ على وجود نظام الأسد، يرجح أن تتظاهر تركيا  بعدم الالتزام تماماً بجميع أحكام الاتفاق.

وسيجد أردوغان أنه من الصعب إنهاء دعم تركيا للمقاتلين المعارضين المناهضين للأسد، من غيرداعش ، وبذلك تغضب طهران وموسكو.

 في النهاية، يعد أردوغان نفسه إلى جانب العديد من نخبة حزب العدالة والتنمية أنهم إسلاميين سياسيين ويعتبرون دعم المقاتلين الإسلاميين هو المسار الصحيح.

على المدى القصير، فإن استدامة العلاقات الدافئة بين تركيا وإيران ستعتمد على مدى قدرة الطرفين على تجنب سيناريو شبيه بإسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر/تشرين الثاني، وستعتمد أيضاً على قدرة أنقرة على الصمود أمام المطالبات بزيادة دعم المعارضة السورية بالسلاح.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com