الطريق إلى العنبر 17.. معاناة صحفي غطى أهوال حرب العراق

الطريق إلى العنبر 17.. معاناة صحفي غطى أهوال حرب العراق

عندما شخَّصَ الطبيب النفسي حالتي في نهاية أولى جلساتنا في أوائل مارس/ آذار الماضي وقال إنني مصاب بمتلازمة إجهاد ما بعد الصدمة اضطررت أخيراً إلى تقبل فكرة أنني مريض.  كانت الصور التي تتابع في ذهني من ذكريات الأحداث السابقة والشعور بالقلق وبلادة المشاعر لدي واضطراب نومي سبب انزعاج زوجتي ماري لفترة طويلة. وبعد ذلك بخمسة أشهر أصبحت نزيلاً في عنبر بأحد مستشفيات الأمراض النفسية.

كنت قد عملت على تغطية بعض الأحداث الكبرى باعتباري صحفيًا بوكالة رويترز للأنباء. منها تفجيرات بالي العام 2002 وموجات المد العاتية في بإقليم اتشيه الاندونيسي العام 2004 وسافرت للعمل في العراق ثلاث مرات في عامي 2003 و2004 ثم عُينت رئيسًا لمكتب رويترز في بغداد عامي 2007 و2008. ومن 2010 إلى 2012 أشرفت من مقر عملي في سنغافورة على تغطية أهم الأحداث في مختلف أنحاء آسيا كل يوم.

وحان وقت الاستقرار بعد 20 عامًا من العمل في آسيا والشرق الأوسط. انتقلت بعائلتي في يناير/ كانون الثاني 2013 إلى قرية إيفانديل في جزيرة تسمانيا لأتولى تحرير التقارير لرويترز من البيت. وبدلا من الاسترخاء في تسمانيا – تلك الجزيرة الأسترالية الجميلة التي خرجت فيها زوجتي إلى الدنيا – حدث الانهيار.

وأوجزت ماري مخاوفها للطبيب قبل تلك الجلسة الأولى في رسالة كانت صياغتها مؤلمة لها وهي الصحفية السابقة حيث قالت: “عندما جئنا إلى تسمانيا قبل 3 سنوات كان ذلك تغييرًا حقيقيًا وكان يمضي وقتًا أطول كثيرا مع الأسرة. وسرعان ما بدأت ألاحظ التغيرات وتمثلت في الحساسية من الضوضاء العالية وسرعة الغضب وحدة الطبع ونفاد الصبر وخيّم جو من البؤس والكآبة على البيت.

والحق أن عشرات المشاهد والأصوات والروائح أصبحت محفورة في ذاكرتي. تلك الكف المبتورة التي كدت أدهسها وسط ركام ملهى ساري الليلي في بالي والجثث المنتفخة التي يتجاوز عددها 150 جثة التي أحصيتها بمسجد في باندا اتشيه بعد موجات المد. وذلك العويل الذي مزق هدوء المكتب في بغداد صباح 12 يوليو تموز 2007 عندما بلغ العاملين العراقيين نبأ مقتل المصور الصحفي نمير نور الدين (22 عامًا) والسائق سعيد شماغ (40 عامًا) في هجوم شنته طائرة هليكوبتر أباتشي أمريكية.

هدوء وعقلانية وحسم

تنتج متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة من التعرض لحدث منفرد شديد الوطأة على النفس أو من تراكم تجارب شديدة الإيلام.

وهذا المصطلح نفسه حديث نسبيًا. فقد ظهر أول ما ظهر العام 1980 في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية وهو المرجع الأمريكي للطب النفسي الحديث.

وبالطبع فإن الاضطرابات النفسية الناجمة عن أحداث مزعجة موجودة منذ فترة أطول بكثير. واستخدم مصطلح “صدمة القصف” لوصف حالة الجنود الذين تعرضوا لانهيار خلال حرب الخنادق في الحرب العالمية الأولى.

ويتمتع أغلب الصحفيين بالمرونة رغم تكرار التعرض لأحداث مزعجة لارتباطها بطبيعة عملهم بحسبما يقول مركز دارت للصحافة والصدمات النفسية. غير أن المركز يقول إن أقلية ليست بالهينة معرضة لخطر الإصابة بمشاكل نفسية في الأجل البعيد بما فيها متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة والاكتئاب والإدمان.

ولم يخطر على بالي أنني قد أصاب بالمتلازمة. فقد كنت هادئًا وعقلانيًا وحاسمًا في اتخاذ القرارات. وكنت استمتع بقيادة فرق كبيرة من الصحفيين. وشعرت أن بوسعي الانسلاخ عن المواقف الصعبة عند الضرورة.

غير أنني لم أكن أستطيع النهوض من الفراش في بعض الأحيان خلال العام الماضي. كنت أجلس على مكتبي في حجرة مكتبتي وأحاول أن أعمل وأنا عاجز تقريبًا عن رفع رأسي وعندما كنت أتوتر كان الزمن يعود بي للوراء إلى مكتبنا في بغداد وكأنني لم أغادره قط. وكنت أخبط بكفي على المكتب وأصرخ في الجدران.

كنت شديد الحساسية للضوضاء حتى أن أبنائي في سن المراهقة كانوا يتجمدون رعبًا إذا ما أسقطوا شيئا على الأرض. ولم تكن ماري تستخدم المكنسة الكهربائية أثناء وجودي في الغرفة. وفي عدة مناسبات خلال العام الماضي قالت لي ماري إنني بحاجة للمساعدة بعد أن قرأت عن متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة وتباحثت مع خبير في حالتي.

لكن عندما أذعنت وزرت طبيبا نفسياً في منتصف العام 2015 استبعد الإصابة بالمتلازمة وقال إنني أعاني من أزمة هوية لأنني لم يعد لي وظيفة مرموقة ولأنني انتقلت إلى منطقة ريفية هادئة حيث لا يعرفني أحد. فأكدت لماري أنني غير مصاب بالمتلازمة.

وبعد شهور من حدة الطبع وبلادة الحس والغضب المعتمل في النفس وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها حياتي الزوجية على المحك فوافقت أخيرا في شهر مارس/ آذار الماضي على زيارة الطبيب النفسي الذي شخص إصابتي بالمتلازمة.

 السير بين أحضان الطبيعة ومضادات الاكتئاب

دون أي تردد أعطاني رؤسائي في العمل إجازة 3 أشهر. وبدأت أتعاطى مضادات الاكتئاب. وفي الأسابيع التي أعقبت تشخيص حالتي كنت أشعر في كثير من الأحيان بالإرهاق. وفي أوائل مايو/ أيار أرجأت عودتي للعمل إلى يوليو/ تموز. وشاركت في دورة تأمل للتركيز الذهني استمرت ثمانية أسابيع خلال شهري مايو/ أيار ويونيو/ حزيران على أمل أن يساعدني التأمل العميق على التكيف مع التوتر والقلق.

وكان أفضل علاج حسبما تراءى لي السير بين أحضان الطبيعة. وجدت في الغابات المطيرة في تسمانيا ما كنت أصبو إليه إليه وهو السكينة.

وبما يتفق مع سلوك المجازفة المصاحب لمتلازمة إجهاد ما بعد الصدمة بدأت أخطط للقيام وحدي برحلات يستغرق كل منها عدة أيام في منتصف الشتاء. ولشدة قلق حماي المتمرس على السير في الغابات أعطاني جهازه الخاص للبث اللاسلكي لتحديد المواقع إلكترونيا في حالات الطوارئ. وفي النهاية عملت بنصيحته واقتصرت على الرحلات الأقل خطورة.

وفي الأوقات التي لم أكن أسير فيها في الغابات كنت أشعر بهياج عصبي وقلق وكنت أتوق في كثير من الأحيان للعزلة. وفي أوائل يونيو/ حزيران عندما قالت ماري إنها تسير هي والأولاد على قشر بيض في البيت بسبب حالتي النفسية ثرت عليها ورحت أذرع المكان جيئة وذهابًا وكأنني حيوان محبوس في قفص. وخرجت ماري من الغرفة معتقدة أنني قد أضربها إذا تحدتني.

وفي 27 يونيو/ حزيران كتبت في يومياتي: “بيني وبين ليداكان شعرة واحدة” واستخدمت كلمة ليداكان الاندونيسية التي تعني الانفجار خشية أن تفقد ماري صوابها إذا ما أطلعت على يومياتي.

وفي اليوم التالي أرسلت إلى رؤسائي رسالة بالبريد الالكتروني قلت فيها إنني لن استأنف عملي في تحرير التقارير الصحفية لأني أشعر بضغط نفسي كبير. واتفق طبيبي النفسي معي في الرأي.

وفي يوليو/ تموز تدهورت حالتي. وأصبت باكتئاب حاد. وشعرت كأنني أعيش وسط ضباب ذهني. وازدادت كوابيسي سوءا. وفي أشد الأحلام رعبا كنت أرى نفسي أجري في شوارع بغداد تطاردني مجموعة من المسلحين.

وقالت ماري إن قدمي كانتا تتحركان أثناء النوم في أغلب الليالي وكأنني أجري. ومن أجل النوم كنت أتناول أقراص الباراسيتامول والكودايين. وبدأت أشرب الخمر بكثرة. وفي بعض الأيام كنت أقضي الوقت في الفراش.

وفي الأسبوع الذي سبق الذكرى السنوية التاسعة لمقتل نمير وسعيد بدأت أفكر فيهما تفكيرًا عميقًا وفي تصرفاتي كرئيس للمكتب حينها. ورحت أتفحص رسائل البريد الالكتروني التي احتفظت بها من تلك الفترة وأسأل نفسي إن كنت قد بذلت ما يكفي في تحري ظروف مقتلهما.

 وركزت بصفة خاصة على مقطع الفيديو السري للجيش الأمريكي الذي نشره موقع ويكيليكس العام 2010 بعد 3 أعوام من الهجوم وظهر به تصوير الطائرة الهليكوبتر لواقعة قتلهما مع نحو 10 أشخاص آخرين.

وقع الهجوم في صباح 12 يوليو/ تموز 2007. وكنت جالسًا في المكتب أؤدي مهام رئيس الدورة المسؤول عن كتابة التقرير الرئيس لذلك اليوم. وفجأة -بلا سابق إنذار- علا صوت عويل حاد في الخارج قرب مدخل المبنى المكون من دورين اولذي كان مقراً لمكتبنا.

ومازلت أذكر وجه الزميل الذي اندفع عبر الباب لإبلاغي بما حدث والألم يعتصره. وتولى زميل آخر الترجمة لي: لقد قتل نمير وسعيد.

كان الاثنان قد ذهبا إلى شرق بغداد بعد أن علما بوقوع غارة جوية أمريكية على مبنى فجر ذلك اليوم. وأثناء سيرهما في الشارع وجدا نفسهما وسط عدد آخر من الناس وبدا أن بعضهم مسلح. وفتحت طائرة الهليكوبتر الأباتشي الأمريكية النار بمدفع عيار 30 ملليمتر اعتقاداً ممن كانوا على متنها فيما يبدو أن نمير وسعيد من المسلحين.

وأوضح المقطع المصور مقتل نمير في الموجة الأولى بينما قتل سعيد في موجة هجوم ثانية. وكان المزاح بين طياري الطائرة الهليكوبتر مروعاً إذ يتردد صوت طيار وهو يقول “آه. أنظر إلى أولئك الأوغاد القتلى.” ويرد زميل له قائلاً :”عظيم”.

خارجياً احتفظت بهدوئي وركزت على محاولة معرفة الظروف التي أدت إلى الهجوم فتعاملت مع الجيش الأمريكي وواسيت زملاءنا المحزونين. ومما فاقم الحزن في المكتب أن مترجماً عراقياً يعمل لدى رويترز قتل برصاص مسلحين في اليوم السابق على مقتل نمير وسعيد. لم نعلم بالأمر إلا بعد مضي يومين عندما لم يأت في موعده للعمل. (طلب والداه عدم الكشف عن اسمه).

وبعد أيام من مقتل نمير وسعيد كدت أصاب بانهيار عصبي في مكتبي. وقدّرت وأنا أبكي أن أفضل شيء يمكن أن أفعله هو تقديم استقالتي. وكان من الضروري أن يتولى إدارة الأمور شخص أقوى مني. لكنني تحاملت على نفسي وواصلت العمل.

كنت في إجازة في تسمانيا عندما نشر مقطع الفيديو في الخامس من إبريل/ نيسان العام 2010 لكنني شعرت بالجبن لأنني تركت آخرين في “رويترز” يتعاملون مع حدث عالمي رئيس. كان عنوان مقطع الفيديو “قتل غير مقصود” وشاهده الملايين.

ومع استنزاف كل ذلك لي بعد أكثر من 6 سنوات تواصلت مع زملاء عملت معهم في بغداد من العراقيين والأجانب وسألتهم رأيهم. فقالوا جميعاً إنني فعلت ما استطعت. لكن الإحساس بالذنب والخزي ظلا يلازماني.

وفي يوليو/ تموز قلت لماري إني بحاجة شديدة للسكينة بأي وسيلة. وقالت لي إنني بحاجة للعلاج في مستشفى للطب النفسي وبسرعة. قالت: “لقد وصلت إلى أسوأ حالة ممكنة.”

 في العنبر رقم 17

بعد أسبوعين كنت أقف أمام الباب الزجاجي للعنبر رقم 17 بوحدة مرضى متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة في مستشفى هايدلبرج ريباترييشن في ملبورن. شعرت وكأن القلق يشلني. كنت على شفا منعطف سينقلني إلى عنبر للأمراض النفسية.

كنت قد كتبت قبل أن استقل الطائرة صباح ذلك اليوم إلى ملبورن :”هل سأخرج منها في حالة صحيفة أفضل؟ أكثر حصافة؟ أكثر إمساكًا بزمام الأمور؟ لابد لي من ذلك من أجل عائلتي” وكتبت كلمة لابد بحروف كبيرة.

قادتني ممرضة إلى حجرتي وطلبت مني فحص حقائبي بحثاً عن أي مشروبات روحية. وصادرت ما كان معي من أدوية وقالت إن العاملين يجرون في بعض الأحيان فحصًا عشوائياً لاكتشاف تناول أي مشروبات كحولية. وقلت لنفسي لا مزيد من مشروب الروم.

في العنبر 17 توجد 20 غرفة بنيت حول فناءين. وللعنبر تاريخ طويل في علاج الجنود الأستراليين. وخلال الأسابيع الخمسة التي قضيتها فيه كان من بين رفاقي من المرضى النزلاء بعض قدامى المحاربين من حروب فيتنام والعراق وأفغانستان والصراع في تيمور الشرقية.

 ورغم أن المستشفى لم يكن منشأة مغلقة كان من الضروري إخطار المسؤولين قبل الخروج إلى أي مكان لفترة وجيزة. وكان من المسموح قضاء الإجازات الأسبوعية خارج المستشفى.

وفي اليوم التالي أمضيت ساعتين مع الطبيبة النفسية المكلفة بعلاجي. قلت إن أكثر ما يزعجني هو الإحساس بالذنب لمقتل نمير وسعيد. وقلت إنني بصفتي رئيسا للمكتب في العراق كنت مسؤولاً عن سلامتهما. وأشعر بالخزي لأنني لم أتدخل وأوجه تغطيتنا للفيديو الذي نشرته ويكيليكس.

وقرب نهاية الجلسة قالت الطبيبة إنني أبالغ في تحليل العقلاني لاضطرابي النفسي ولا أعبر عن مشاعري بما يكفي. وقالت إنني رويت تلك الأحداث وكأنني أصف شخصاً آخر. وقالت إن التجارب النفسية الصعبة السابقة مثل تغطية تفجيرات بالي وموجات المد العملاقة أصابتني بالتبلد. وأكدت تشخيص إصابتي بالمتلازمة وقالت إنني أعاني من تراكم التجارب شديدة الوطأة ومصاب بالاكتئاب أيضاً.

وغيرت الطبيبة النفسية أدوية علاج الاكتئاب التي كنت أتناولها ووصفت لي دواء برازوسين الذي يستخدم لتقليل الكوابيس. كما وصفت لي دواء الفاليوم لعلاج شعوري بالقلق وكذلك أقراصاً للنوم.

وخلال إقامتي كان أخصائي اجتماعي يقضي وقتًا معي بانتظام ويركز على تبلدي العاطفي وكيف أضر بزواجي وعلاقتي بأولادي. كنت قد كتبت في وثائق دخول المستشفى أن من أهدافي “أن أجد الزوج القديم والأب الذي اعتدت أن أكونه.”

 العلاج بالارتكاس و”جيسون بورن”

غطت جلسات العلاج الجماعية الأساسيات الخاصة بالمتلازمة وكيفية التعامل مع الاكتئاب والقلق والغضب والتكيف مع العبء الحسي. وتم تنظيم فصول تغطي الجوانب الروحية والتأمل والتدليك بالضغط على نقاط معينة في اليدين والقدمين تقابل أعضاء داخلية لتخفيف التوتر (علم الارتكاس) والعلاج بالفن بل والطهي.

تعلمت الكثير من المرضى الذين ترددوا على العنبر رقم 17 عدة مرات. وسرعان ما سقطت الحواجز رغم أنني كنت صحفياً. فالمهم أنني كنت زميلاً في الإصابة بالمتلازمة.

ومن اليوم الأول في العنبر رقم 17 كنت أقرأ بنهم عن متلازمة إجهاد ما بعد الصدمة وعن الحرب وأثرها على الجنود والصحفيين والمدنيين. وانتظمت في كتابة يومياتي كل يوم.

وبمرور الأسابيع شعرت بأنني أحرز تقدماً.

وفي 28 أغسطس/ آب كتبت ملحوظة للفريق المعالج لي قلت فيها “كنت جباناً عندما نشرت ويكيليكس ذلك الفيديو. كنت مذهولاً. شعرت بالصدمة لكني أردت أن يتعامل شخص آخر مع الأمر. وكانت مشكلة تخص شخصًا آخر لكن كان من واجبي أن أجعلها مشكلتي. وهذا ما يتعين علي أن أتعايش معه.”

وفي أوائل سبتمبر/ أيلول في الأسبوع السابق على خروجي من المستشفى طلبت مني طبيبتي أن أكتب ما أنجزته في العنبر رقم 17. وتضمنت قائمتي انفراجة في صراحتي مع ماري والبدء في تقبل أفعالي فيما يتعلق بمقتل نمير وسعيد وتعلم أساليب السيطرة على القلق والتوتر.

أما أهدافي عند الخروج من المستشفى فتمثلت في أن تكون التوقعات واقعية في الأيام والأسابيع الأولى بعد العودة للبيت ومراقبة مستويات التوتر والعودة للعمل تدريجيا والابتعاد عن المشروبات الكحولية. وعلي أيضا أن أبدأ جلسات أسبوعية للعلاج النفسي.

كانت العودة للبيت في 16 سبتمبر/ أيلول رائعة. وكنت قد عزمت على إعادة التواصل مع عائلتي.

خطوة للوراء

قبل مغادرة العنبر رقم 17 قال فريق المعالجين إن شفائي سيأخذ خطوتين للأمام وخطوة للوراء.وكان يوم 23 سبتمبر/ أيلول “خطوة للوراء”.

كنت في بلدة لونسستون القريبة في انتظار ماري لكي تقلني عندما انطلق صوت إنذار عال بالقرب من المكتبة العامة. وانطلق صوت مسجل يقول “حالة طارئة. اخلوا المكان”. كان هذا ما خطر على بالي. ولم يكن معي سماعات الرأس. واستمر صوت الإنذار عشر دقائق. حافظ على هدوئك. وتنفس.

عندما وصلت إلى البيت عدت إلى الفراش. وأنهيت قراءة كتاب “رسائل” وهو مذكرات مايكل هير الذي غطى بعض الأحداث الكبرى في حرب فيتنام. جعلني ما فعله هؤلاء الصحفيون في فيتنام أفكر في الوقت الذي قضيته في العراق. كنت شخصاً ضعيفاً جباناً بالمقارنة بهم.

انتشلت نفسي من الفراش لكي أقلَّ ابنتي من رحلة مدرسية وبعد العودة وجدت أن كلبنا تبرّز على الأرض  وبدأت أشعر بأنني أترنح من جديد.كان ذلك عذرا جيدا للعودة إلى الفراش.

ثم وصل بستاني لجز العشب في حديقتنا. ولم يكن أحد قد جزه منذ ستة أسابيع ولذلك كانت الحشائش طويلة. وبدلا من استخدام آلة جز العشب استعمل آلة قاطعة ذات شفرة ثلاثية من المعدن. وذكرني الضجيج الذي أحدثته بطائرة الاستطلاع الهليكوبتر الصغيرة كيووا التي كانت تحلق فوق أسطح المباني في بغداد. وتسبب ذلك في إصابتي بالصداع.

كان أسبوع قد مر على خروجي من العنبر 17. وسألت نفسي هل انتهى شهر العسل؟ عرفت أنني بدأت أعزل نفسي من جديد. وقلت لماري إنني أمر بيوم من أيام “الخطوة للوراء”.

وفي اليوم التالي كنت ما أزال أشعر بالبؤس فذهبت إلى معبد بوذي للتأمل. وبعد الجلوس بوضع زهرة اللوتس لنحو 45 دقيقة نهضت وأنا مندهش لشعوري باستعادة طاقتي.

ثم اندمجت في كتابة هذا المقال. كان للكتابة مفعول التطهير. وفي أسابيعي الأولى في العنبر 17 كانت ساقاي تنقران على الأرض بلا توقف خلال العلاج فيما يعكس إحساسي بالقلق. وأثناء الكتابة كان النقر لا يزال مستمرًا.