بعد مخاض سياسي.. بوادر لعودة المياه إلى مجاريها بين أنقرة وبرلين

بعد مخاض سياسي.. بوادر لعودة المياه إلى مجاريها بين أنقرة وبرلين

بعد أشهر من التوتر السياسي بين أنقرة وبرلين، تأتي زيارة وزير الخارجية الألماني فرانك والتر شتاينماير، إلى أنقرة، الثلاثاء، لتعطي مؤشرات حول إنهاء التوتر وإمكانية عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها.

ومن المقرر أن يتضمن جدول أعمال اجتماع شتاينماير بنظيره التركي مولود جاووش أوغلو، مناقشة آخر التطورات السياسية المتعلقة باعتقال عدد من أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي؛ من بينهم زعيم الحزب صلاح الدين دمير طاش، على خلفية اتهامهم بتقديم الدعم لحزب العمال الكردستاني المحظور.

الإبادة الأرمنية

وسبق أن توترت العلاقات بين الدولتَين، على خلفية اعتراف البرلمان الألماني في حزيران/يونيو الماضي “بالإبادة الجماعية للأرمن شرق تركيا على يد العثمانيين الأتراك إبان الحرب العالمية الأولى”؛ ما أثار غضب الحكومة التركية الرافضة للاعتراف “بالإبادة”.

وتسبب الاعتراف بـ”الإبادة الأرمنية” بخيبة أمل أنقرة، التي كثيرًا ما عوّلت على علاقاتها الطيبة مع برلين، لدعم الاتفاق حول ملف اللاجئين، الذي وُقِّع بين أنقرة وبروكسيل، في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، وأسفر عن التزام أنقرة بوقف تدفق اللاجئين مقابل منحها 3 مليارات يورو، ووعود بمنحها 3 مليارات أخرى، وتفعيل المفاوضات بشأن الانضمام للاتحاد الأوروبي، وإلغاء شرط تأشيرة الدخول لأوربا للمواطنين الأتراك.

حزب الشعوب الديمقراطي

وفي معرض مسلسل التوترات بين الجانبين، كانت ألمانيا أعربت عن استيائها من عمليات توقيف أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي في تركيا؛ معتبرة أن “هذه العمليات قد تؤثر سلبًا على سير محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي”.

وتُعدّ ألمانيا من الدول الأوربية التي ينشط فيها أنصار حزب العمال الكردستاني، إذ سبق واحتضنت مدن ألمانية فعاليات ومظاهرات نظمها أكراد تأييدا لحزب العمال الكردستاني، الذي يخوض حربًا مع القوات الحكومية التركية منذ تموز/يوليو 2015.

وتضم ألمانيا أكبر الجاليات التركية في العالم، كما تعتبر الجالية التركية أكبر الجاليات الأجنبية المقيمة في البلاد، إذ يصل تعداد أفرادها إلى نحو 3 ملايين نسمة.

وتعوّل ألمانيا وكذلك الاتحاد الأوربي على تركيا بالدرجة الأولى، للحد من تدفق اللاجئين إلى القارة العجوز.

قرارت تركية مزعجة

وفي صور التوتر المتبادل بين الجانبين، كانت أنقرة اتخذت بعد أيام قليلة من قرار البرلمان الألماني، سلسلة من القرارات المزعجة لبرلين؛ أبرزها إلغاء زيارة صحافيين متعاونين مع وزارة الدفاع الألمانية إلى قاعدة “إنجرليك” الحساسة واستدعاء سفيرها لدى برلين، واصفة القرار بـ”الخاطئ”.

كما حظرت أنقرة في حزيران/يونيو الماضي على نوابٍ في البرلمان الألماني، زيارة قاعدة “إنجرليك” القريبة من الحدود مع سوريا، في حين هدد نواب ألمان بسحب الجنود الألمان من القاعدة، ليعرِّض التوتر الدبلوماسي، استمرار الوجود الألماني في القاعدة للخطر، إلى أن انحاز الجانبان للتهدئة وسمحت أنقرة بزيارة وفد ألماني إلى القاعدة في الـ5 من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

وتستضيف قاعدة “إنجرليك” التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) 250 جنديًا ألمانيًا، وست طائرات استطلاع ألمانية وطائرة تعبئة وقود ألمانية، ويُساهم الجنود الألمان في عمليات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش المتشدد في سوريا والعراق.

توجه جديد

لكن التوجه العام لساسة البلدَين في الآونة الأخيرة، اتخذ منحى جديدًا يميل للتهدئة؛ وسبق أن عبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن تفاؤلها بإحراز تقدم فيما يتعلق بالخلاف بشأن قاعدة “إنجرليك”، وذلك عقب لقائها بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان مطلع أيلول/سبتمبر الماضي.

وتسببت الانتقادات التي يطلقها بين الحين والآخر مسؤولون ألمان وأوربيون لحملة تطهير يشنها أردوغان على معارضيه عقب انقلاب تركيا الفاشل، الذي كاد يطيح بالحكومة منتصف تموز/يوليو الماضي، بارتفاع حدة التوتر.

وتسببت حملة التطهير باعتقال وفصل ونقل مئات الآلاف من القضاة والعسكريين والموظفين والإعلاميين، كما صادرت أنقرة عددًا من المؤسسات الإعلامية المعارضة.

ورغم محاولات التهدئة بين الجانبَين، يبقى الكثير من نقاط الخلاف عالقا بين برلين وأنقرة، غير أن محللين أتراكا يرون في ألمانيا، واحدة من أكثر الدول الأوربية تقاربًا مع تركيا، وبشكل خاص عبر العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري، ما يحتم على الدولتَين نبذ الخلافات وإعادة العلاقات إلى طبيعتها.