عمليات التطهير في تركيا تدّر المليارات على مناصري أردوغان.. “نهب رهيب” للثروات الخاصة

عمليات التطهير في تركيا تدّر المليارات على مناصري أردوغان.. “نهب رهيب” للثروات الخاصة

هرب غالب أوزترك البالغ من العمر 51 عامًا وهو مؤسس شركة ” مترو القابضة” من تركيا قبل عامين، لتجنب عقوبة سجن مدى الحياة أوقعه في شراكها أتباع فتح الله غولن الداعية الإسلامي المنعزل الذي يختبئ في مجمع سكني ريفي في ولاية بنسلفانيا الأمريكية منذ العام 1999، بحسب قوله.

ومنح أوزترك محاكمة جديدة فعاد إلى تركيا الشهر الماضي بعد حملة تطهير أردوغان للدولة ومؤسساتها من أكثر من 110 آلاف موظف من ضمنهم قاضٍ ومدعٍ عام في قضيته.

إلا أن مقدّم الشاي سابقًا يتطلع لأكثر من مجرد تبرئة اسمه. فهو بين قبضة مجموعة من رجال الأعمال “العصاميين” المعادين لغولن والموالين بعمق لأردوغان، ممن يتسابقون للحصول على بعض من الـ10 مليارات دولار في الأصول، التي تمت مصادرتها ممن يشتبه بأنهم أعضاء الحركة الدينية التي أسسها غولن والتي صنفت على أنها منظمة إرهابية.

وفي هذا السياق، أشار سيف الدين جورسيل الخبير الاقتصادي المشارك في تأليف كتاب ” النمو والقضايا الهيكيلة في الاقتصاد التركي” متحدّثًا لوكالة “بلومبيرغ” عبر الهاتف من اسطنبول “نحن نشهد حملة نهب رهيبة شبيهة بتلك التي قادت لنشأة (الأوليغارشية الروسية)، إلا أنها هذه المرة تتضمن أصولا خاصة، وليست أصولا مملوكة من الدولة، سيتم نقلها لرجال الأعمال المقربين من الحكومة. ولا يوجد منطق اقتصادي في ذلك”.

ذعر أصحاب المليارات

ثورة أردوغان منذ الانقلاب الفاشل في تموز/ يوليو الماضي، وصلت إلى جميع أركان المجتمع التركي. فتشير وزارة العدل إلى أن قرابة 36 ألف مشتبه بأنه تابع لحركة غولن اعتقل من ضمنهم أعداد كبيرة من المدراء التنفيذيين، مما بعث موجات من الخوف في أنحاء مكاتب وقاعات التجارة.

ومع بقاء تركيا في ظل حالة الطوارئ الممتدة التي تسمح بإصدار مراسيم تشريعية تمتلك قوة القوانين ذاتها، وهذه المراسيم لا تخضع لمراجعة السلطات القضائية، يعمل الكثير من أثرى أغنياء البلد الذين لا يعرفون من سيكون صاحب الأصول المستهدفة القادم بالاختباء أو السفر إلى خارج البلاد أو الحياد عن طريقهم بإظهار الولاء.

فبدأ أيدين دوغان وهو ملياردير علماني بتقليل التغطيات الإخبارية في ممتلكاته الواسعة في المجال الإعلامي والتي تتضمن صحيفة “حرييت” اليومية وقناة “سي إن إن” التركية لتجنب إغلاقهما أو الاستيلاء عليهما كما حدث مع أكثر من 130 منفذا إعلاميا آخر. وبدأ حتى برعاية مؤتمرات لمكافحة الإسلاموفوبيا في أوروبا والولايات المتحدة.

أما عملاق الخدمات اللاسلكية ” Turkcell Iletisim Hizmetleri AS” محمد أمين كرم أحمد، فقد كان في السابق رمزاً ثقافياً للشباب الغربي من خلال حملته الإعلانية التي لاقت قبولاً واسعاً “الفتاة الحرة” وينادي خلالها بالفردية فقد أصبح الآن يدعو لتعزيز التربية الإسلامية من خلال تمويل الطلبة المشاركين في مؤسسة أنصار.

وشوهد رئيس شركة “دوغوس القابضة” الملياردير فيريت ساهنك آخر مرة في العلن قبل شهر تقريبًا خلال افتتاح كلية التربية الإسلامية في جامعة رجب طيب أردوغان حيث دفع قرابة 20 مليون دولار للبناء في مسقط رأس الرئيس؛ مدينة ريزا  شمال شرقي البلاد.

وتملأ هذه الاستثمارات الخيرية فجوة تركها أشخاص مثل أكيد إيبيك مؤسس شركة ” كوزا إيبيك القابضة” والذي بنى جامعة في أنقرة قبل الهروب من البلاد في العام الماضي وسط حملة على أعضاء حركة “غولن” المزعومين.

في أيلول/ سبتمر الماضي، استولت الحكومة على 18 شركة تابعة لشركات إيبيك، من ضمنها ثلاث وحدات للتداول في مجال التعدين والطاقة كانت قيمتها السوقية المشتركة تبلغ قرابة 6 مليارات دولار.

إيبيك البالغ من العمر 53 عاماً والمقيم في لندن الآن قال إنه أسس مجموعة شركات بأصول قيمتها 20 مليار دولار باتباع نص القانون التركي وأنه سيقاضي تركيا في المحكمة الدولية إن بيعت مجموعة شركاته.

وذكر إيبيك عبر الإيميل “إن أثبتوا وجود دولار واحد فقط غير قانوني في أي من شركاتي فسأعطيهم كل شيء بالمجان. أما إن لم يثبتوا ذلك، سأكون مجبراً على استخدام حقي في التحكيم الدولي—وذلك سيكون مزعجاً للجميع”.

أسود الأناضول

بالنسبة لأوزترك عملاق حافلات النقل في تركيا، يعد هذا التطهير جزءا من إعادة توزيع للثروات والسلطات محتاجة منذ وقت طويل، من شأنها ترجيح كفة ميزان القوة والثروة بعيداً عن “الأتراك البيض”- كما يشار لنخبة الجمهوريين في المناطق الحضرية- ونحو ” أسود الأناضول” ممن هم أكثر ورعاً وقوميةً وليسوا من أصحاب النزعة العالمية.

وقال أوزترك في مكتبه بالحي المالي في اسطنبول “لا يستطيع الأتراك البيض القيام بما قمت به” واصفاً انتقاله للمدينة عندما كان يبلغ من العمر 13 عاماً لإعالة أسرته في قريته وانتهى به الأمر بإنشاء خط حافلات يحمل الآن 20 مليون مسافر في العام الواحد. ويضيف: “هم لا يعرفون سوى كيف يحولون الأموال إلى حسابات سرية في الخارج. هم الأعداء الحقيقيون لهذا البلد”.

وقال نائب رئيس الوزراء نورالدين كانيكلي الأسبوع الماضي، إنه تم تحويل حصص قرابة 600 شركة، إلى صندوق التأمين للادخار والإيداع التركي بتهمة مساعدة الإرهاب.

وأخبر البرلمان التركي أن مصير هذه الأسهم سيعتمد على التحقيقات الجنائية الجارية حولها. وإذا تبين وجود صلة بالإرهاب سيتم بيعها، عدا عن ذلك سيتم إعادتها لملاكها الأصليين.

وقدر مسؤول في صندوق التأمين للادخار والإيداع التركي أن قيمة الأصول المصادرة تقدر بنحو 30 مليار ليرة ( 10 مليارات دولار) وقال إن الوكالة لا تزال تعمل على آليات للتخلص من كل ما تنتهي به.