متظاهرو ربيع الديمقراطية في واشنطن
متظاهرو ربيع الديمقراطية في واشنطنغيتي

"فايننشال تايمز": على ديمقراطيات الغرب أخذ الدروس من الآخرين

قالت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية إن عددًا من البلدان الغنية اعتاد على إلقاء المحاضرات حول الديمقراطية على بقية بلدان العالم، لكن يتعين على تلك البلدان، الآن، البدء في تعلم الدروس من الآخرين.

وأضافت الصحيفة في مقال للكاتبة والباحثة البريطانية، إيريكا بينر، الحاصلة على درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة أكسفورد، أنه لطالما قدمت هذه الديمقراطيات في العالم نفسها على أنها "منارات للتقدم البشري".

وتابعت: "في العام 431 قبل الميلاد، أعلن رجل الدولة بريكليس أن ديمقراطية أثينا هي "مدرسة اليونان كلها"، بينما على مدى القرنين الماضيين، كان محاربو الديمقراطية في كل مكان يقيسون نجاح أو فشل بلدانهم بالمقارنة مع النماذج الغربية الأمريكية، والبريطانية، والفرنسية، والسويدية".

واعتبرت كاتبة المقال أنه بات من الصعب على تلك الديمقراطيات ممارسة ذلك الآن، فبينما يتوق ملايين الناس حول العالم إلى التحرر من الحكم الاستبدادي، فإن الكثيرين منهم باتوا يشككون في أن الديمقراطية هي البديل المفضل لديهم، خاصة عندما يسمعون بشكل شبه يومي عن أن "معاقل الليبرالية" في العالم تعاني الآن من التضخم، والإضرابات، وارتفاع معدلات الجريمة، والعنف المسلح، وانتشار الناخبين غير المطلعين الذين لا يهتمون كثيرًا بالحقيقة.

وشددت على أن المشككين بالديمقراطية حول العالم، الذين يشعرون بالعجز تجاه إحداث تغيير إيجابي في السياسة، باتوا يركزون، الآن، على ما يسمونه "التنمية"، التي تقوم على تحسين المعرفة التكنولوجية، والفوز بأسواق جديدة والتغلب على منافسيهم من أجل مصلحتهم ومصلحة بلدانهم.

وتابعت بينر: "مع توجه المزيد من الناخبين حول العالم إلى صناديق الاقتراع، خلال العام 2024، أكثر من أي وقت مضى، بدأ 4 مؤلفين عالميين، هم: مارغريت أتوود، أديتي ميتال، إليف شفق، ولولا شونين، بمشاركة وجهات نظرهم حول الديمقراطية وقيمتها وهشاشتها".

وتقول كاتبة المقال إن المشككين في الديمقراطية ما زالوا يعانون من نتائج التصويت الشعبي المثير للجدل في بريطانيا والولايات المتحدة وخارجها، وأصبحوا يثيرون تساؤلات مفادها: إذا كانت الديمقراطية غير قادرة على تقديم قادة أو سياسات تحظى بثقة واسعة النطاق بين الناس، فكيف يمكن أن تساعدنا في اجتياز المنافسات العالمية الخطيرة، والحروب الوحشية، والكوارث المناخية، والتقنيات الرقمية التي تضلل المواطنين وتقسمهم إلى معسكرات متحاربة؟".

وأردفت: "انتشار التشاؤم العالمي بشأن المزايا العليا للديمقراطية يمكن أن يكون مقلقًا للغاية بالنسبة للأشخاص الذين تشكلت عقلياتهم السياسية خلال الحرب الباردة".

تغذية الأمل

وقالت الكاتبة بينر: "في الوقت الحاضر، كانت الديمقراطية تخوض صراع حياة أو موت ضد الأنظمة الاستبدادية التي كانت تسيطر على معظم دول شرق آسيا، وحتى الحدود الغربية لتشيكوسلوفاكيا والمجر وبولندا، لكن رغم أنه كان من المستحيل تقريبًا تصور كيف يمكن أن يتغير ذلك، إلا أن علامات المقاومة الصغيرة غذت الأمل بالديمقراطية".

ولفتت إلى أن نسبة المشاركة في الانتخابات البولندية مثلًا، بلغت أعلى مستوياتها منذ انهيار الشيوعية، حيث بلغت 70%.

مسيرة بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لأول انتخابات ديمقراطية في بولندا ما بعد الحرب
مسيرة بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لأول انتخابات ديمقراطية في بولندا ما بعد الحربرويترز

وتساءلت كاتبة المقال عن مكاسب التغييرات التي يعيشها الناخبون في دول الاتحاد السوفيتي السابق، والتي حصلوا عليها من "النظام الجديد للديمقراطية الليبرالية"، فيما عدا عضوية تلك الدول في حلف شمال الأطلسي وربما الاتحاد الأوروبي، الذي يوفر لهم الحماية من "روسيا المذلة".

وقالت بينر: "لقد خسرت الشيوعية الحرب الباردة، وتلوثت دولها بالنماذج الاستبدادية، لكن هل أثبت ذلك أن الرأسمالية على حق؟".

وأردفت: "كان التحول الديمقراطي يعني استبدال دولة الحزب الواحد بنظام تمثيلي تعددي ومتعدد الأحزاب؛ وإعادة توزيع السلطة بين المدن الكبرى وريف بولندا المستقل بقوة، وإرساء سيادة القانون، وحرية التعبير والصحافة، والكنيسة والدولة منفصلتان، لكنهما محترمان بشكل متبادل".

وأعربت الكاتبة عن أن الحديث عن الرأسمالية والشيوعية، كان "حديثًا يشوبه الحذر من الانجرار مرة أخرى إلى طرق التفكير القديمة في السياسة، والتي تقوم على الخير مقابل الشر، والتي هيمنت على حياتنا الأصغر".

وتابعت: "لقد خسرت الشيوعية القائمة على الدولة الحرب الباردة، وربما ظلت ملوثة إلى الأبد بنماذجها الاستبدادية"، متسائلة: "هل أثبت ذلك صحة الرأسمالية؟".

وفي هذا الصدد تقول الكاتبة إن "هدف الديمقراطية هو حماية الحريات الفردية، وبما أن الرأسمالية تركت للناس حرية الانخراط في التجارة والصناعة من أجل الربح، فهي بالطبع تدعم الديمقراطية مثل أي نظام اقتصادي آخر".

واعتبرت الكاتبة بينر أن أغلب الناس "يفكرون في الخصخصة على أنها تكافئ في نهاية المطاف المجتهدين والفاضلين، حتى لو لم نرَ أي دليل على أنها تفعل ذلك".

وتابعت: "لقد جعلت الخصخصة الشيوعيين السابقين والمهاجرين الأجانب الذين يتمتعون بعلاقات جيدة، يصبحون أثرياء بشكل هائل بين عشية وضحاها"، لافتة إلى أن "البعض أعربوا عن قلقهم من أن تؤدي الفجوة بين الفائزين والخاسرين في رهانات الخصخصة إلى تهديد العمل الدقيق لعملية التحول الديمقراطي".

وأشارت بينر إلى أنه "عندما كنت أعود إلى الغرب، وأبلغ الناس في المملكة المتحدة أو فرنسا أو ألمانيا عن هذه النقاشات، أذهلني مدى سرعة تجاهل البعض لهذه المخاوف".

وتابعت: "لقد وجدت اهتمامًا أقل بالتساؤل عن الكيفية التي تثير بها عمليات التحول الديمقراطي والخصخصة الموجهة غربيًا المخاوف بشأن الهوية الوطنية والسيطرة المحلية".

وأشارت الكاتبة إلى جملة مبتذلة تردد صداها كثيرًا من قبل الغربيين حول أن "الديمقراطيات "الغربية" لديها ما يسمى بالهويات الوطنية "المدنية"، والمشبعة بالقيم العقلانية والفردية والمنفتحة على العالم، في حين أن الشعوب "الشرقية" لديها "هويات وطنية" القومية العرقية، وهي من بقايا النزعة الإقليمية القديمة التي كان الليبراليون العالميون منهمكين في التخلص منها".

واعتبرت أن الغرب "اعتاد على مقارنة عقلياتنا التي نتملق بها والعالم الحر، مع عقليات أقل استنارة في أماكن أخرى، لدرجة أن الكثيرين فشلوا في رؤية مدى التشابه بيننا جميعًا، خاصة في توجهاتنا التقدمية".

ورأت الكاتبة أن "الشعبوية" ازدهرت بعد الانهيار الاقتصادي العالمي في العام 2008، ثم انتشرت غربًا حيث وجدت ترحيبًا حارًا في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وهولندا، ودول أخرى في جميع أنحاء العالم.

واعتبرت أن ذلك جاء بمثابة صدمة لكثير من الناس في الغرب الديمقراطي الليبرالي، حيث قبل معظم الناس الفجوات في الثروة والنفوذ السياسي كأمر طبيعي.

ورأت الكاتبة أن "التفسير السهل للشعبوية غير الليبرالية في الديمقراطيات الليبرالية هو النظر إليها باعتبارها بدأت "من الأعلى إلى الأسفل"، وهي نتاج عمل المتلاعبين السياسيين الناجحين بشكل مذهل، والذين يشوهون الواقع بدلًا من عكسه".

وأوضحت أن الشعبوية تتعلق جزئيًا "بالسرديات التي يقتنع بها الناس عندما يدعمون السياسات غير الليبرالية، وتتلخص إحدى الحيل الشعبوية المميزة في إلقاء اللوم على "الجناة الزائفين"، وهم عادة المهاجرون والأقليات العرقية وتقديم علاجات غير واقعية للناخبين".

وشددت على أن "توجيه أصابع الاتهام إلى "الفئات الأكثر ضعفًا" في المجتمع، يعطي المؤيدين القلقين وهم القوة من خلال وضعهم في نفس معسكر "نحن عظماء للغاية"، مثل رجال الأعمال الناجحين والنخب الغنية في البلاد".

واعتبرت الكاتبة أن التلاعب بالناخبين ليس سوى "القشرة الخارجية" من قصة أكثر تعقيدًا من انعدام الأمن المادي والنفسي الذي يغذيه ضعف التنظيم واتساع الفجوات الاجتماعية.

وأردف المقال: "لم تعد بحاجة إلى أن تكون يساريًا متشددًا لتتحدث عن الضغوط التنافسية الشديدة التي تفرضها الأسواق الضعيفة التنظيم، وكيف أنتجت حفنة من الأفراد فاحشي الثراء، الذين اكتسبوا نفوذًا سياسيًا غير متناسب، من خلال ملكية وسائل الإعلام وتمويل الحملات الانتخابية".

مئات من أنصار ترامب يتجمعون قرب مبنى الكابيتول للمشاركة في مسيرة أوقفوا السرقة في جورجيا
مئات من أنصار ترامب يتجمعون قرب مبنى الكابيتول للمشاركة في مسيرة أوقفوا السرقة في جورجياغيتي

وتابعت الكاتبة بينر: "في الولايات المتحدة، أصبحت الأسر الأكثر ثراء على هذا الشكل فقط بعد بدء الركود الكبير في العام 2007، ومنذ ذلك الحين وحتى العام 2016، ارتفع متوسط صافي ثروة أغنى 20% من الأثرياء في الولايات المتحدة بنسبة 13%، في حين انخفض صافي ثروة الأسر الأقل ثراء بأكثر من 20% بين عامي 2007 و2016".

وأشارت إلى أنه أصبح واضحًا بشكل متزايد أن نسبة صغيرة من المواطنين في العديد من الديمقراطيات الليبرالية لديهم إمكانية وصول أسهل بكثير إلى المتطلبات الأساسية للعيش الآمن والسكن والتعليم والغذاء والرعاية الصحية، بينما تكمن المنافسة بين الأثرياء على رفع تكاليف هذه السلع إلى عنان السماء بالنسبة للبقية.

واعتبرت أن الأشخاص الذين يكافحون من أجل إنشاء أو إنقاذ ديمقراطيات جديدة ليسوا واثقين من ذلك.

وقالت إنه "على مدار قرنين ونصف القرن من الزمان، كان الناس في عدد من البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية وأوروبا الغربية يخبرون بقية العالم كيفية تطبيق الديمقراطية الليبرالية، لكننا نحتاج، الآن، إلى هؤلاء الناس في الديمقراطيات الجديدة المكافحة ليقولوا لنا ألا نفعل ذلك".

ورأى مقال "فايننشال تايمز" أنه على الرغم من أن الناس باتت على دراية بالمزايا العظيمة التي تتمتع بها الديمقراطية، إلا أنهم أيضًا باتوا يشعرون بشكل أكثر وضوحًا بالعقبات التي يمكن أن تنشأ عن الديمقراطية، والتي تضعف حتى المؤسسات الجيدة الصياغة، ناهيك عن التفاوتات المادية، والصدامات بين التقدمية المفرطة والتقاليد، والفجوات بين النخب الحاكمة وبقية الناس.

ورأت الكاتبة أنه لتحفيز الناس على مواصلة الكفاح من أجل الديمقراطية، يتعين أن نسير خلف الأيديولوجيات الحديثة، وأن نستعيد بعض المخاوف الأساسية التي من المفترض أن تعالجها الديمقراطيات.

وحذرت من مدى صعوبة تطبيق الديمقراطية بشكل صحيح، لكن في المقابل، سهولة تخريبها إذا لم تكن الشعوب يقظة.

وشددت على أنه غالبًا ما يرى الناس في الديمقراطيات الحديثة، بشكل أكثر وضوحًا، كيف أن اختلال توازن القوى والمخاوف من فقدان الفرص في عالم سيئ التنظيم، ومفرط في المنافسة، يمكن أن يضعف احترام المؤسسات التي من المفترض أن توجه وتحمي القوة الشعبية المتمثلة بالتصويت، والأحزاب التقليدية ووسائل الإعلام، والأنظمة القضائية، والهيئات التمثيلية والجمعيات.

وختمت بالقول إن الملايين حول العالم يخرجون إلى الشوارع للنضال من أجل هذه النعم المتواضعة، معرضين أنفسهم لخطر السجن والتعذيب وحتى حياتهم، مشددة على أن النظرة الواقعية إلى ما يجعل الديمقراطية أفضل من البدائل الأخرى، ستساعدنا على رؤية أفضل السبل للديمقراطية.

أخبار ذات صلة
"لأجل الديمقراطية".. بايدن يطلق حملته الانتخابية بالتصويب على ترامب

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com