مظاهر التشدد في مدن جنوب تركيا تهدد إرث “أتاتورك” العلماني

مظاهر التشدد في مدن جنوب تركيا تهدد إرث “أتاتورك” العلماني

رغم نفي الحكومة التركية، انتشار الفكر الأصولي في المدن الجنوبية، يستمر معارضون أتراك في كيل الاتهامات لها بالتغاضي عن وجود أحياءٍ في مدينة غازي عنتاب جنوب البلاد خاضعة لعناصر تنظيم داعش.

وذكرت صحيفة “اليسار” التركية على موقعها الإلكتروني، أن حي كارشي كايا الفقير، هو إحدى مناطق المدينة التي يتركز فيها تنظيم داعش بكثافة، حيث تفتتح عناصره محال تجارية ويؤسسون جمعيات ويواصلون  تجنيد الشباب داخل المساجد، وعلى الرغم من دراية جميع سكان المنطقة بالأحداث، لم يصدر عن المسؤولين أي رد فعل تجاه الأمر.

وقالت الصحيفة، إن التنظيم قام بتوظيف الشباب ومن ثم اقتيادهم إلى الجمعية وتجنيدهم هناك، مشيرة إلى أن هناك من يقول إنهم رأوا علم التنظيم، بشكل علني، ومنهم من رغب في التقدم بشكوى للسلطات ومن ثم تراجع عن الأمر بسبب الخوف من العناصر.

وكان جوكهان جونايدن، النائب البرلماني عن حزب الشعب الجمهوري، أكبر الأحزاب المعارضة؛ أشار في وقت سابق إلى وجود أحياء داعشية في عنتاب ما أثار غضب رئيسة بلدية عنتاب، فاطمة شاهين التي نفت تلك الادعاءات، معتبرة أنها تضر بقطاع السياحة.

وشهدت المدينة الحدودية مع سوريا في أغسطس الماضي، تفجيرًا انتحاريًا استهدف حفل زفاف في أحد شوارعها، أسفر عن مصرع 56 شخصًا وإصابة 94 آخرين.

وبحسب معهد السياسة والاستراتيجية العالمية، والذي مقره في أنقرة، فإن أكثر من 2000 مواطن تركي عبروا الحدود إلى الأراضي السورية، للقتال في صفوف تنظيم داعش.

تطرف الديني

وشهد المجتمع التركي، خلال الأعوام الأخيرة ارتفاعًا في حدّة التطرف الديني، بدأ واضحًا عبر سلسلة من التصرفات العنيفة، منها إقدام شاب تركي، في أغسطس الماضي، على ضرب فتاة تركية بحجة ارتدائها ملابس قصيرة (شورت) في حافلة نقل عام باسطنبول، التي بقيت لعقود طويلة كأبرز مدن العلمانية والانفتاح في تركيا، مبررًا فعلته  بعد إلقاء القبض عليه بأن الدولة لا تعاقب هؤلاء الفتيات المتبرجات.

وسبق أن شهدت تركيا، حوادث تشير إلى ارتفاع حدة التطرف الديني، وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي في يوليو الماضي، مقطع فيديو مثيرا للجدل يظهر تهجُّم مجموعة من الشبان الإسلاميين الأتراك، على عدد من زوار متجر موسيقي في اسطنبول أثناء تناولهم مشروبات روحية احتفالًا بإصدار ألبوم جديد لفرقتهم المفضلة خلال شهر رمضان.

ويرى معارضون علمانيون، أن تغيّر المزاج الشعبي التركي في الأعوام الأخيرة، يأتي كانعكاس لسياسات حكومة حزب العدالة والتنمية، ذي الجذور الإسلامية، الذي قام بخطوات عملية اعتبرها البعض توجهًا لأسلمة الدولة ومرافقها.

ومع استمرار الدعاية السياسية والإعلامية الضخمة الداعمة لسياسات الحزب الحاكم، باتت نسبة مرتفعة من المواطنين الأتراك تؤيّد السياسات الحكومية الهادفة إلى هدم الجدار الفاصل بين الدين والدولة؛ انطلاقًا من دعم قضية المحجبات، إلى تأييد قوانين تقيّد بيع المشروبات الروحية واستهلاكها، مروراً بدعم حملات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتكررة ضد الإجهاض.

مكافحة الإرث العلماني

وعلى الرغم من تأكيدات أردوغان، على علمانية الدولة، يرى محللون أنه لم يألُ جهداً في محاولاته الخروج من عباءة المبادئ العلمانية، والتمرد على النهج الكمالي، واللافت أن محاولات أردوغان تلقى آذانًا صاغية لدى شريحة واسعة من الأتراك، الأمر الذي ظهر جليًا في نجاحاته المتكررة في المعارك الانتخابية، منذ وصول الحزب الحاكم إلى السلطة العام 2002.

ولم تَسلم المؤسسة العسكرية التركية، آخر قلاع العلمانية في تركيا من التأثير الديني، إذ بدأت في الأعوام القليلة الأخيرة بوادر توجّه إسلامي بات ينشط في صفوفها.

وسمحت الحكومة ببناء المساجد في القطع العسكرية، وزيارة المحجبات لأزواجهن من العسكريين والمشاركة بمراسيمهم بعد عقود من الحظر، كل ذلك بدعم من وسائل الإعلام المقرَّبة من الحكومة التي تصر على إظهار الجنود الأتراك بمظهر المتدينين، فتارة يرددون هتافات إسلامية، وتارة أخرى يقبّلون المصاحف في الجوامع.

وتعيش المدارس الدينية في تركيا عصرها الذهبي منذ العام 2002، ووصلت نسبة الطلاب الأتراك الذين يدرسون في مدارس الأئمة والخطباء (المدارس الدينية)  نحو 10% من طلبة تركيا، بعد أن كانت بحدود الـ 5% قبيل العام 2002.

وخرّجت تلك المدارس شريحة لا يستهان بها من الساسة الأتراك، ممن أخذوا على عاتقهم التصدي للتيارات العلمانية في الحكومة؛ ويأتي على رأسهم الرئيس أردوغان نفسه، كما تضم الحكومة الـ65 لتركيا، التي شُكِّلت يوم 24 أيار/مايو الماضي، 10 وزراء من أصل 27 وزيرًا، تلقّوا تعليمهم في مدارس دينية، ما يعكس توجّه الحزب الحاكم للمزج بين الدين والسياسة والتعليم.

وسبق أن دعا أردوغان، مطلع العام 2014، إلى تغيير المناهج الدراسية، إذ اعتبر أن فئة الشباب، لا يعرفون شيئًا عن علماء ومفكري الإسلام، سعيًا منه لترسيخ صورة الإسلام لديهم.

وفي ظل انتشار مثل تلك المظاهر، تكثر التساؤلات حول مستقبل الجمهورية التركية، وإمكانية تحول تلك التصرفات إلى تيار عام من شأنه ردم الهوة بين الدين والدولة، والانقلاب على العلمانية التي أرسى دعائمها الزعيم التركي الراحل مصطفى كمال (أتاتورك) في عشرينيات القرن الماضي.