من هو الجاسوس الأمريكي الذي ادّعى أنه عربي لسجن العشرات؟

من هو الجاسوس الأمريكي الذي ادّعى أنه عربي لسجن العشرات؟

يعتبر عالم الجاسوسية، عالم مليء بالأسرار والسواد والدم والخيانة والغدر، ولكن مهما طال أمد هذه الأسرار، لا بد أن تنكشف يومًا ولو بعد 50 عامًا.

ففي لقاء حصري مع مجلة “سميثسونيان” الأميركية الشهيرة لعددها المقبل، قرر عميل سابق في أجهزة الاستخبارات الأمريكية، أن يدلو بدلوه من الأسرار بعد حياة طويلة عاشها مدعيًا أنه جاسوس روسي تارة، وعربي تارة أخرى ليصطاد خونة الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى مدى 40 عاما من العمل الجاسوسي، نجح ديميتري دروجنسكي في إيقاع العديد من الجواسيس والإرهابيين في قبضة الأمريكيين، مدعيًا، أنه ضابط في جهاز الاستخبارات الروسي KGB والذي يظهر من العتمة ليشتري أسرارهم ومعلوماتهم مقابل مبالغ طائلة من الأموال.

كان تمثيله في كل مرة يستحق جائزة أوسكار، لكنه كان يعمل بصمت وفعالية وبعيدًا عن العيون ليصبح أسطورة في مكاتب الـ FBI والـ CIA والأمن القومي، وسمي ما شئت من الأجهزة.

اعتقال فواز يونس

في العام 1987 انتحل ديميتري شخصية زير نساء عربي لاستدراج خاطف الطائرة الأردنية اللبناني التابع لحركة أمل فواز يونس، على متن يخت في منتصف البحر المتوسط.

و بالتنسيق مع الطيار الأردني وقتها عمر القاضي، تم تسليم فواز لجهاز الأف بي آي على طبق من فضة، وفق تصريحاته.

عميل عراقي

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1990، كان ديمتري على موعد مع عضو في الجيش الأمريكي، ولكن من أصل كويتي يدعى محمد ورايات.

يقول ديميتري، إن ورايات قرر أن ينظم هجمات إرهابية لدعم العراقيين أثناء حرب الخليج. اتصل ورايات بالوفد العراقي لدى الأمم المتحدة في نيويورك، فالتقطت أجهزة الاستخبارات الأمريكية المكالمة.

 بعدها اتصل ديميتري ورايات منتحلا صفة أمريكي يتحدث العربية ويعمل كوسيط للعراقيين.

 كان ديميتري يضع جهاز تسجيل في حقيبة يده، حاول ورايات تفتيشها، لكن ديميتري أكد له أنه لا يملك ماكينة تسجيل بعدما سحب ورقة وقلم من الحقيبة ليكتب ما وصفه قائمة بالأعمال الإرهابية التي كان ورايات مستعدًا لتنفيذها وهي:

اغتيال الرئيس الأمريكي جورج بوش ومسؤولين آخرين.

تفجير جسر جورج واشنطن.

زرع قنابل في أنفاق مانهاتن ونيوجيرسي.

 بعد أقل من شهر على هذا اللقاء، تم اعتقال ورايات واتهامه بالتخطيط لهجمات إرهابية.

البحث عن الروس

كانت الروسية إحدى اللغات التسعة التي كان يتقنها ديميتري، الأمر الذي ساعده على تحقيق أهداف مرؤوسيه في فترة الحرب الباردة، حين كان العديد يبحثون عن شراء لأسرار الدولة، وكان الشائع وقتها أن الروس يدفعون أكبر الأرقام، فما كان من ديميتري إلا أن ادعى أنه ضابط في الاستخبارات الروسية، مستدرجًا عميلاً تلو الآخر.

و أوضح أن (FBI) كانت تستعين بخدمات عدة منتحلين روس، ولكنه كان الرجل الأهم والخيار الأول لجميع الأجهزة الأمنية بهدف الإيقاع بهذا الهدف أو ذاك.

 وقال ديميتري، إنه انتحل هذه الشخصية نحو 50 مرة ليزج نصف المتورطين خلف القضبان.

البدايات في فلسطين

ولد ديميتري في فلسطين العام 1939 لوالدين مهاجرين من روسيا. كانت عائلته من الأرثوذكس، لذا كانوا دائما يزورون الأماكن المقدسة في القدس وهناك التقى والديه وتزوجا.

 درس ديميتري في مدرسة فرنسية في فلسطين، حيث تعلم اللغات لمدة 12 عامًا من الحضانة حتى الثانوية، على حد قوله. أتقن اللغة الإنكليزية والروسية والعربية والفرنسية، كما كان يتحدث العبرية، بحكم عيشه وسط اليهود. وأتقن قليلاً من اليونانية والأرمينية والإسبانية والإيطالية.

 هاجرت عمته إلى أمريكا، ودعتهم للحاق بها، وبعد 5 سنوات من تقديم طلب الهجرة من خلال السفارة الأمريكية في الأردن، توجه إلى “أرض الاحلام”.

وفي عمر الـ 21 عامًا، انضم ديميتري لقوات المارينز من منطلق امتنانه لقبول أمريكا طلب هجرتهم إليها.

 خدم لمدة 4 سنوات في الجيش وحصل على شهادة جامعية في اللغة الفرنسية والإنكليزية. وبفضل إتقانه جميع هذه اللغات فكر في العمل مع الأمم المتحدة أو وزارة الخارجية، لكن القدر أوقعه على إعلان بإحدى الجرائد حول حاجة الـ FBI لخريجي لغات.

 بعد قبول طلبه وتدريبه، أوكلت إليه أول مهمة بالإيقاع بضابط في الجيش اتصل بالسفارة الروسية ليبيعها معلومات حساسة. اقترح على مدرائه أن يتصل به ويزعم أنه جاسوس روسي. ورغم أن ضابط البحرية رفض لقاءه لكن مدراءه اكتشفوا موهبة ديميتري بالتمثيل وبدأت رحلته.

الغريب أن أحدًا من الذين استدرجهم لشراء أسرارهم، طلب منه إظهار هويته، وكان أكبر عميل أوقع به ضابط في الجيش يدعى جايمس هول كلف أمريكا أضرارًا بقيمة 3 مليارات دولار.

لماذا الآن؟

يوضح كاتب اللقاء دايفيد وايز، إنه بعد سنوات من محاولة لقاء ديميتري تم اللقاء، وعن سبب الموافقة على كشف كل هذه المعلومات، قال ديميتري، إنه تقاعد منذ فترة طويلة والمعلومات التي بحوزته لن تشكل خطرًا على أحد.