هل يعفو أوباما عن “مانديلا بورتوريكو” أقدم سجين سياسي في العالم؟

هل يعفو أوباما عن “مانديلا بورتوريكو” أقدم سجين سياسي في العالم؟

أوشكت الفراشات الملكية على القيام بهجرتها من كندا إلى المكسيك، وهي واحدة من عجائب العالم، حيث تحلق تلك الحشرات التي تمتد أجنحتها ذات اللون البرتقالي والأسود وطولها أربع بوصات، فوق التيارات الحرارية التي تصل إلى 3000 ميل للبحث عن مكان دافئ لقضاء فصل الشتاء.

وقد أذهلت تلك الظاهرة أوسكار لوبيز ريفيرا، منذ أيام طفولته في ريف بورتوريكو، ويقول إنه “إذا حصل على الفرصة، فإن طموحه هو تتبع مسار الفراشات الملكية، على طول الطريق من الحدود الكندية، عبر سهول الولايات المتحدة الكبرى إلى شمال المكسيك”.

وأضاف أوسكار، “الفراشات الملكية تذهلني بطول رحلتها، وماذا تفعل من أجل البقاء وكيف يمكن لحشرة صغيرة كتلك أن تعبر كل هذه المسافة؟”.

وبحسب صحيفة “الغارديان” البريطانية، يعد هذا السؤال قويًا ومؤلمًا عند الأخذ في الاعتبار الشخص الذي طرحه، حيث فقد ريفيرا حريته على مدار السنوات الـ35 الماضية، بعدما احتُجز في المؤسسات الفيدرالية الأمريكية لمدة 12 سنة بمفرده داخل زنزانة إسمنتية ليس بها منفذ يطل على السماء، وآخر مرة رأى فيها فراشة حية، ناهيك عن الفراشات الملكية، كانت عام 1981.

 لوبيز ريفيرا (73 عامًا)، هو أحد أقدم السجناء السياسيين في الولايات المتحدة والعالم، وقضى أكثر من نصف حياته خلف القضبان، رغم عدم إدانته بقتل أو إيذاء أحد، وكانت جريمته التآمر لإحداث فتنة والتآمر ضد الولايات المتحدة لتعزيز استقلال بورتوريكو.

أوباما 2

وقال إنه لايزال يؤمن بما يسميه القضية النبيلة، وهي السيادة الكاملة لمسقط رأسه في منطقة بحر الكاريبي، التي تصنف على أنها أراضي الولايات المتحدة.

ولكن وجهات نظره بشأن كيفية تحقيق هذا الهدف تغيرت، فقبل عقدين من الزمن هو وزملاؤه مقاتلو استقلال بورتوريكو، قاموا بنبذ العنف واعتنقوا الإصلاح السياسي السلمي، وكان آخر عام قامت به جماعتة المقاتلة بأعمال العنف هو 1983.

ولكنه ما زال قابعًا في زنزانته، يقرأ ويرسم، وهو آخر دفعته من المعتقلين، وقد وصل به الضعف لدرجة إطلاق السجناء عليه اسم الفيخو (العجوز).

تغير العالم ومعه لوبيز ريفيرا، ولكن لا تزال حكومة الولايات المتحدة تراه من خلال منظور العصر الماضى، وما لم يتدخل أحد للإفراج عنه، سيبقى في السجن حتى الـ 26 من يونيو/ حزيران 2023، بعد 5 أشهر من عيد ميلاده الـ80.

ولحسن حظ لوبيز ريفيرا، من يملك سلطة العفو هذه هو باراك أوباما، فبينما يستعد رئيس الولايات المتحدة لمغادرة البيت الأبيض، يستعد لوضع قائمته النهائية للعفو.

وهناك الكثير من المؤيدين البارزين لهذا العفو، وهم يشكلون قائمة مبهرة تضم رئيس الأساقفة ديزموند توتو، وحاكم بورتوريكو أليخاندرو غارسيا باديلا، والتجمع الإسباني للأمريكي الأسبق جيمي كارتر، والمرشح الديمقراطي في انتخابات نائب الرئاسة الأميركية بيرني ساندرز، وصانعة المسرحية الموسيقية هاملتون في  برودواي  لين مانويل ميراندا، التي واجهت أوباما عن لوبيز ريفيرا وجهًا لوجه خلال زيارتها للبيت الأبيض أخيرًا.

وفي الـ 9 من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، تجمع الآلاف من المؤيدين خارج البيت الأبيض حاملين لافتات للسجين لوبيز ريفيرا، ويطلبون من أوباما إطلاق سراحه، على أمل أن يسمعهم الرئيس الأمريكي أثناء عمله في المكتب البيضاوي.

ورغم هذا العدد الكبير من المؤيدين، فإن إطلاق سراح لوبيز ريفيرا ليس مضمونًا.

أوباما 3

وقال ريفيرا، “أنا لا أمارس التفكير بالتمني، حيث يصعب عليَّ جدَا قراءة الرئيس أوباما، فالطريقة التي عومل بها، والعقبات التي واجهها في البيت الأبيض، تجعله يخشى اتخاذ القرارات  قليلاً”.

وفي سياق المحادثة الهاتفية التي دامت لساعتين، لأن سجن تير هوت الفيدرالي في  إنديانا رفض السماح للصحيفة بزيارته شخصيًا، أصبح من الواضح أن أسلوبه ليس حيلة فلهجته المثقفة حقيقية.

وأضاف، أنه يستمد بعض التفاؤل من تعبيرات أوباما المتكررة من الإعجاب بنيلسون مانديلا، وتابع، “أعترف أن مانديلا رجل عظيم، وبرأيي ما فعله مانديلا كان مهمًا في جميع أنحاء العالم، وبالرغم من كون مقارنتي بمانديلا تبدو بعيدة المنال بالنسبة لرجل غير معروف نسبيًا مثلي في الولايات المتحدة، إلا أن لوبيز ريفيرا يلقب في وطنه باسم مانديلا بورتوريكو”.

يذكر أن مانديلا قضى 27 عامًا في سجون جنوب أفريقيا لقيادته النضال من أجل التحرر من الاستعمار، الذي استخدم العنف الانتقائي كأداة سياسية، فيما قضى لوبيز ريفيرا بالفعل مدة أطول من مانديلا بـ8 سنوات لفعل  الشيء نفسه. كما رفض مانديلا نبذ العنف من زنزانته في السجن، بينما فعل لوبيز ريفيرا ذلك منذ نحو 20 عامًا.

وعلى الرغم من خروجه من الحبس الانفرادي، لا يزال يعاني مع الحرمان الاجتماعي. ففي البداية كان واحدًا من 24 مناضلاً لأجل حرية بورتوريكو في السجون الفيدرالية، والآن هو آخر واحد.

وعلى مر السنين، شاهد رفاقه يخرجون من السجن، والذين قل عددهم تدريجيًا، حتى أصبح الوحيد المتبقي في عام 2010.

وأشار ريفيرا إلى أنه متفائل بشأن ذلك أيضًا، حيث لم يسبق أن شعر بأنهم تخلوا عنه، أو أنه وحيد، ولا يوجد ندم داخل قلبه.

علاوةً على ذلك، فإن عدم الشعور بالندم على ما آلت إليه الأمور معه هو أمر غير عادي، حيث كان سيتم إخلاء سبيله عام 2009.

وفي أغسطس 1999، قام الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلينتون، بما يطلبه مؤيدو لوبيز ريفيرا من أوباما الآن، حيث استخدم أيامه الأخيرة في الحكم لمنح عفو رئاسي عن 11 من مقاتلي استقلال بورتوريكو.

ومُنح لوبيز ريفيرا صفقة أقل لإطلاق سراحه بعد عقد من الزمن، ولكنه رفضها، وقال إنه غير واثق في التزام حكومة الولايات المتحدة بجانبها من الصفقة، وكان غير راضٍ عن عدم منح اثنين من زملائه المقاتلين أي تخفيف للعقوبة على الإطلاق، وقال، “عندما كنت في حرب فيتنام  لم أتخل عن أي شخص، فهذا ليس أسلوبي، وأنا لا أستطيع أن أفعل ذلك”.

وعندما سألته الصحيفة عما إذا كان مر بلحظات في السنوات السبع الماضية، شك فيها في رفضه لاتفاق من شأنه أن يطلق سراحه؟، وكان رده مذهلاً، حيث قال، “على الإطلاق، أنا مؤمن بمبادئي، وبالنسبة لي، كان هذا هو القرار الوحيد اللازم”.

وتساءلت الصحيفة عن احتمالات اتباع أوباما خطى كلينتون وإطلاق سراحه؟، وأوضحت أنه سيكون أحد العوامل في اعتبار أوباما هو إثارة العفو الذي أصدره كلينتون المعارضة في الكونغرس ووسائل الإعلام.

ولا يزال عفو كلينتون فزاعة للحزب اليميني حتى  يومنا هذا، على الرغم من تجاهل ذلك النقد اللاذع لحقيقة عدم ارتكاب أي من المساجين المعفى عنهم أي جرائم في السنوات الـ16 الماضية بعد خروجهم.

وربما يفسر رد الفعل الذي تلقاه كلينتون تردد أوباما الواضح في هذا الشأن، حيث قال لـ”لين مانويل ميراندا”، إن عريضة العفو الخاصة بلوبيز ريفيرا على مكتبه.

من جانبه،  قال النائب لويس غوتيريز، ذو الأصل البورتوريكي، والمؤيد للعفو، إنه عندما سأل أوباما حول الأمر، رد عليه الرئيس بشدة، قائلاً، “يجب اتباع الإجراءات المعمول بها”.

ويرى مانديلا بويرتوريكو، أن “هذا ليس جيدًا بالنسبة له”، لكنه أجاب عن الرسائل المختلطة الصادرة عن البيت الأبيض بثبات، قائلاً، “ليس لدي خيار سوى أن أكون متفائلاً”، وقال في ظل أوامر حراس السجن بإنهاء المكالمة، “الأمل، هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن أبدًا أن نخسره”.