“روسيا اليوم”.. بين الولاء لبوتين والانحياز لـ”المهنية”

“روسيا اليوم”.. بين الولاء لبوتين والانحياز لـ”المهنية”

لم تمض سوى ساعات قليلة على تهديد وزيري خارجية أمريكا جون كيري ونظيره البريطاني بوريس جونسون بفرض عقوبات على أهداف اقتصادية روسية وسورية، حتى تلقى مكتب قناة “روسيا اليوم” في لندن رسالة مقتضبة من مصرف “ناشيونال ويستمنستر” تقول إن القناة لم تعد من زبائن المصرف.

وأثار هذا القرار، الذي فوجئت به القناة، الشكوك حول حيادية هذه الشبكة التي تبث بعدة لغات بينها الإنكليزية والعربية، وتوصف من قبل بعض النقاد الإعلاميين بأنها “الذراع الدعائي” للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

و”روسيا اليوم” هي قناة إخبارية انطلقت في 2005 فيما بدأ البث باللغة العربية في 2007 في إطار مسعى الحكومة الروسية لتلميع صورتها في الخارج.

وتعرف القناة نفسها بأنها “مستقلة غير تجارية”، تتبع مؤسسة “نوفوستي”، لكن قرار اليوم، وتغطية القناة لبعض الملفات في العالم العربي خاصة سوريا، يشيران إلى أن الشبكة لا تخرج عن الخط الرسمي الروسي.

ويشيد بعض العاملين في الحقل الإعلامي بوجود مثل هذه القناة، لأنها تسهل عليهم معرفة الموقف الروسي الرسمي إزاء بعض الملفات التي قد يتعذر الحصول على تصريحات بشأنها من مسؤولين روس.

وتشغل منصب مديرة “روسيا اليوم” مارغريتا سيمونيان وهي موالية لبوتين وكانت في الخامسة والعشرين من عمرها عندما عينها في 2005 وأرفق التعيين بإرسال باقة ورود لها بمناسبة عيد ميلادها.

وقال مصدر إعلامي مطلع إن القناة تأسست بأمر من الكرملين، وأعلن عن إنشائها ميخائيل ليسين وزير الثقافة السابق، وأليكسي غروموف الناطق الرسمي السابق باسم بوتين، وكلاهما من أقرب الموالين له.

ويضيف المصدر الإعلامي أن القناة أنطلقت بموازنة بلغت 30 مليون دولار، ثم رفعت إلى 80 مليون دولار، ثم إلى 380 مليون دولار في 2011 وخفضت إلى 300 مليون في 2012 لكن في نهاية العام ذاته منع بوتين بمرسوم إجراء أي خفض آخر لموازنتها.

ويستنتج المصدر الإعلامي، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن هذه الزيادة الواضحة في رفع ميزانية القناة تبرهن أهمية القناة للحكومة الروسية وللرئيس بوتين نفسه.

وتتضمن برامج القناة الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية إضافة إلى الأفلام الوثائقية والجولات الصحافية والتحقيقات المصورة.

وفي متابعة سريعة للخطاب الإعلامي تتكشف انحياز القناة للموقف الروسي دون اي لبس، وهي بذلك تبدو وكأنها تحيي التقاليد الإعلامية في الاتحاد السوفييتي السابق، عندما كان الإعلام “بوقا صريحا” للتعبير عن سياسات الدولة العظمى.

وتتوزع مكاتب القناة في عدة عواصم، فإضافة إلى لندن، توجد مكاتب للقناة في باريس وبغداد ودمشق وبيروت وغزة والقدس المحتلة والقاهرة ورام الله وفي الولايات المتحدة في كل من واشنطن ونيويورك، ناهيك عن شبكة واسعة من المراسلين.

وتوجد للقناة عدة مراسلين متوزعين في مختلف المدن السورية، وهي من القنوات الأجنبية القليلة التي توفر لها السلطات السورية التسهيلات المطلوبة، وتبدو تقارير القناة نسخة معدلة عن تقارير وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، بحسب متابعين.

وكانت سيمونيان أعلنت في وقت سابق أن لندن جمّدت كل الأرصدة المصرفية التابعة للشبكة في بريطانيا.

وكتبت سيمونيان في تغريدة عبر حسابها على موقع “تويتر” الاثنين: “أغلقوا أرصدتنا كافة في بريطانيا، والقرار غير قابل للمراجعة”، وأنهت تغريدتها بصيحة “تحيا حرية التعبير”، في إشارة من الإعلامية الروسية إلى ضيق الغرب بالحريات الصحافية، وفق رؤيتها.

من جانبها، سارعت ماريا زاخاروفا الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية إلى إدانة القرار وكتبت بسخرية على حسابها في موقع “فيسبوك”: “يبدو أن لندن بخروجها من الاتحاد الأوروبي، تركت في أوروبا كافة التزاماتها بضمان حرية التعبير”.

ولم يوضح المصرف البريطاني ما هو السبب وراء اتخاذ هذا القرار، إذ اكتفى بالقول في رسالة بعث بها إلى مكتب القناة: “إننا قمنا أخيرًا بمراجعة شروط استخدام أرصدتكم، وتوصلنا إلى استنتاج مفاده أننا لن نقدم إليكم هذه الخدمات في المستقبل”.

وجاء قرار المصرف مفاجئًا دون أية إنذارات مسبقة.