خط الغاز الروسي التركي لأوروبا يُطيح بالمشروع القطري الأمريكي المنافس

خط الغاز الروسي التركي لأوروبا يُطيح بالمشروع القطري الأمريكي المنافس

وهي تتناوب على استخدام تعبير “اتفاقٌ له ما بعده”، في وصفها للاتفاق الروسي التركي الذي تم التوقيع عليه يوم الاثنين الماضي لتنفيذ المشروع القديم المتضمن مدّ خط الغاز الطبيعي “تورك ستريم/ أو السيل التركي” لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا، اتفقت وجهات النظر في معظم الصحف والمواقع الإخبارية الاقتصادية الدولية، على ثلاث نقاط أساسية:

الأولى: أن هذا الاتفاق فيه جدّية إستراتيجية، مبنية على تنازلات متبادلة بين أنقرة وموسكو، بعضها “موجع”.

الثانية: وهي أن هذا الاتفاق يلغي حلماً قديماً لدولة قطر بأن تكون مصدر الغاز لأوروبا من خلال خط أنابيب يمر بتركيا ويكون (بالاتفاق مع الولايات المتحدة) بديلاً عن الغاز الروسي الذي يشكل سلاحاً سياسياً بيد موسكو في موازين القوى الدولية.

الثالثة: أن أي تسوية سياسية أو عسكرية في سوريا، بعد الآن، لا يمكن إلا أن تتضمن موضوع أنابيب الغاز بشكل أو بآخر.

وإذا كان جُلُّ ذوي الاختصاص اقتنعوا منذ عدة سنوات أن الحرب الدائرة في سوريا هي في كثير من خباياها حرب على الغاز، فإن هذا الموضوع أضحى الآن مكشوفاً بعد أن أظهر المؤتمر الصحفي الختامي بين الرئيسين الروسي والتركي بأن خط الغاز ومآلات الحرب في سوريا، هما وجهان لقضية واحدة، تم الاتفاق على إطارها العام، وإن تفاوتت التفاصيل، وسيكون لهذا الاتفاق “ما بعده من تداعيات”.

Gazprom-Turkish-Stream-Online-in-2016

من يتحكم بأمن الطاقة الأوروبي؟

واحدة من نقاط الضعف المعروفة في موازين واشطن وموسكو، هي أن أوروبا محكومة في أمنها بمجال الطاقة المستمدة من الغاز الروسي، دون إغفال أن موسكو تعيش مرحلة اقتصادية هشة، تعتمد فيها بشكل كبير على  ما تسورده أوروبا من شركة “غازبروم” الروسية.

ويزيد في حرج هذه الفجوة في الموازين الأمريكية الروسية، كون موسكو تستخدم الغاز المصدر لأوروبا كسلاح سياسي، وأنها (روسيا) تعتبر أي تفكير دولي بالحلول محلها في تزويد أوروبا بالغاز، “مقتلاً سياسياً واقتصاديا”. ولذلك ، بحسب مجلة “آرمد فورسز جورنال”، “خاضت حربين في جورجيا وأوكرانيا لمنع وصول بدائل عن غازها لأوروبا، وتخوض الآن حربها الثالثة في سوريا لكسرالمشروع الأمريكي القطري”.

قوة المشروع القطري، كما كانت تتحسب لها موسكو، تأتي من كونه يتمتع بأسعار تنافسية راجحة في أوروبا جعلت روسيا تتحسب له بأي ثمن.

المخابرات الأمريكية وخطوط الغاز

يروي المحامي روبرت كينيدي، ابن شقيق الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي، أن واشنطن وبدءا من العام 2000 اتخذت قرارها بالعمل على مشروع يصبح فيه الغاز القطري بديلاً عن الغاز الروسي الذي يتحكم برقبة أوروبا.

وفي مقال له بمجلة “بوليتيكو”، يستذكر كينيدي كيف أن الإدراة الأمريكية أوكلت مطلع القرن الحالي لوكالة المخابرات المركزية أن تتولى متابعة هذا الموضوع، منتهياً في نفس السياقات إلى أن القرار الأمريكي بعد 10 سنوات خلص إلى ضرورة الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد بعد أن خضع (الأسد) للضغط الروسي لكي يرفض مرور خط الأنابيب القطري في أراضيه. الأمر الذي يفسر أيضاً قرار موسكو بدخول الحرب السورية، ليس دفاعاً عن الأسد وإنما دفاعاً عن أمن روسيا الذي يهدده مشروع الغاز القطري المراد توصيله لأوروبا عبر سوريا وتركيا.

اتفاق قطر وتركيا 

الخط القطري كان مقرراً له أن يعبر السعودية والأردن إلى سوريا ثم إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. مع احتمال مفتوح لأن يرتبط الخط القطري مع خط الغاز المصري الذي يمتد عبر الأردن وسوريا.

وكانت قطر قبل ذلك تدرس خياراً بنقل غازها إلى تركيا عبر شمال السعودية مروراً بالكويت والعراق إلى تركيا. لكن وقوع العراق تحت الهيمنة الإيرانية ألغى هذا الخيار.

وفي كل الخيارات تلك، كانت قطر تتصرف بموجب أن مخزونها الهائل من الغاز وبأسعار تنافسية، سيجعل الدوحة بديلاً عن موسكو في امبراطورية الغاز الدولية التي تتحكم بالطاقة الأوروبية، وتحرر دول حلف الأطلسي من التحكم الروسي.

nabucco_gas_pipeline-en_0

خط إيران العراق – سوريا

أيامها، ورداً على مشروع خط قطر- تركيا – أوروبا، بادرت إيران (وبتشجيع من موسكو) لعقد اتفاق مع العراق وسوريا لمد خط أنابيب ينقل الغاز الإيراني إلى ميناء اللاذقية السوري على البحر المتوسط. وقد تم التوقيع على الخط في تموز 2011 على أمل أن ينتهي بناؤه في 2016.

وكانت قناعات روسيا أن إيران أقرب لها من قطر لعقد تفاهمات بحيث لا يكون الغاز الإيراني بديلاً مطلقاً عن الغاز الروسي بالنسبة لأوروبا.

في هذه الأثناء، وتحديداً العام 2009 تم اكتشاف حقول الغاز في شرق البحر المتوسط، الممتدة عبر المياه الإقليمية لمصر وغزة وإسرائيل وقبرص ولبنان وسوريا. وتوزعت رخص التنقيب والاستثمار في هذه الدول ما بين الشركات الأمريكية والأوروبية.

وأظهرت الوثائق في أوقات لاحقة، أن بعضاً من الترتيبات المكتومة لاستثمار هذه الحقول الضخمة الممتدة من شواطئ مصر إلى تركيا، كانت أحد أسباب تشجيع الولايات المتحدة الأمريكية لموجات “الربيع العربي”، على أمل أن يصل الإخوان المسلمون إلى الحكم في سوريا ويصبحوا حكام القاهرة وغزة ودمشق، وهو ما سيسهّل الاتفاق الأمريكي والأوروبي معهم ومع إسرائيل على استراتيجية استثمار غاز شرق المتوسط وتوصيله أيضاً إلى أوروبا ليدعم خط قطر- تركيا، في الحلول محل الغاز الروسي الذي يتحكم بأوروبا.

ولعل هذا الاعتبار،-كما أشارت وثائق مسربة في وقت لاحق – يفسر جانباً من الدعم القطري والتركي للإخوان المسلمين الذين كان يفترض أن يصبحوا شركاء مع إسرائيل وتركيا وقطر في ترتيبات إقليمية تتضمن شبكة أنابيب تبدأ من مصر إلى غزة مروراً بتركيا وتنتهي في أوروبا.

روسيا والحقول البحرية السورية

بهذه المعطيات، كان المشهد السوري جاهزاً للحرب التي دخلتها تدريجياً كل الأطراف المعنّية مباشرة بالغاز وأنابيبه. وكان الدخول الروسي فيها أكثر من مجرد “فزعة” لنظام صديق. فأي تغيير لنظام الرئيس بشار الأسد، سيعني مجازفة انتظار نظام جديد سيجري تصنيعه بحيث لن يعارض مشروع خط الغاز القطري- بحسب ما يقول البروفيسور ميشيل اورنيشتاين من مركز دراسات روسيا في جامعة هارفرد- كما لن يعارض النظام الجديد في سوريا الترتيبات الإقليمية المطلوبة لتجميع ناتج غاز سواحل شرق المتوسط، على نحو تتوافر فيه كميات تكفي الحاجة الأوروبية وتكون بديلاً عن الغاز الروسي الذي تستخدمه موسكو ورقة قوة دولية من الدرجة الأولى.

اتفاق له ما بعده

ضمن هذه السياقات والخلفيات، توسعت الصحف والنشرات الاقتصادية الدولية المتخصصة، خلال اليومين الماضيين، في عرض وجهات نظر أغدقت أوصاف الأهمية والجدية على الاتفاق الروسي التركي الأخير بشأن خط أنابيب للغاز، واصفة إياه بأنه من سوّية الاتفاقات التي سيكون لها “ما بعدها”، سواء بخصوص ما قالت إنه “إطاحة أحلام بإمبراطورية للغاز القطري”، أو فيما يتعلق بمجريات الحرب السورية التي عدّلت فيها تركيا موقفها ورضخت لبعض الشروط الروسية التي ترفضها أكثر من دولة خليجية.

gasovod