خلافة رئيس أوزبكستان المريض.. الحديث في طشقند والقرار من موسكو

خلافة رئيس أوزبكستان المريض.. الحديث في طشقند والقرار من موسكو

طشقند – فاقمت الأنباء التي تتحدث عن وفاة الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف أو عن احتضاره، من الضبابية المشحونة بالخوف في طشقند من تعزز النفوذ الروسي في البلاد، أو انزلاق البلاد في أتون صراع بين مراكز قوى داخلية.

وبدأ الحديث يتردد بقوة في أوزبكستان عن خلافة كريموف البالغ من العمر  78 عاما، الذي حكم البلاد لأكثر من ربع قرن، حيث عانى من أزمات قلبية عديدة في السنوات القليلة الماضية، كان آخرها قبيل انتخابات عام 2015 الرئاسية، حيث غاب الرجل لأسابيع وأثيرت وقتها إشاعات حول صحته ومستقبل كرسي الرئاسة في أوزبكستان.

وبالنظر لافتقار أوزبكستان للمؤسسات الدستورية القوية وإلى التجربة الديموقراطية، فإن مراكز بحثية عدة شرعت تتنبأ باستمرار البلاد على نهج كريموف بعد غيابه المتوقع، بغض النظر عن اسم خليفته، وربما يتم اللجوء إلى مزيد من العنف، بالنظر إلى احتمال وقوع تجاذبات بين أطراف مختلفة، قد ترقى إلى الصراع على السلطة.

سقوط خيار غولنارا ومخاوف الاحتراب الأهلي

يعزز ذلك الطرح بحسب مركز أبحاث قورين بوليسي، الضبابية التي تحيط بأروقة الحكم في طشقند منذ عام 2013، عندما سقط خيار غولنارا كريموفا، ابنة الرئيس الكبرى كخليفة لوالدها، بعد دعاوى من الولايات المتحدة ودول أوروبية رفعت ضدها على خلفية تهم بالفساد وقبول رشى بملايين الدولارات، الأمر الذي تسبب بإزاحتها عن الأضواء قبل وضعها رهن الإقامة الجبرية منذ 2014.

لقد كان لغولنارا نفوذ كبير في البلاد، حيث عملت في السلك الدبلوماسي وتولت زمام أعمال تجارية كبيرة، عدا عن شهرتها في مجالات فنية عديدة، الأمر الذي حذا بالأوساط الأوزبكية إلى التسليم بأنها ستتولى الحكم عقب والدها، الذي حرص على تمكين أفراد من عائلته والمقربين منه من مفاصل البلاد.

من جانبها، تحدثث صحيفة نيويورك تايمز عن احتمال وجود نفوذ وتأثير لزوجة  الرئيس تاتيانا كريموفا في ظل هذا المشهد، في تحديد من يقود البلاد بالفترة المقبلة، إلى جانب روستام إنوياتوف مدير الشرطة السرية، إلا أنها استبعدت ظهورهما الشخصي المباشر.

في سياق مختلف، تنبأت مجلة ”The Diplomat“ الآسيوية، ذات الانتشار الواسع، بحدوث صراع بين أقطاب قوة في النظام الأوزبكي، من قبيل الصراع المحتدم على النفوذ الذي شهدته البلاد بين جهاز الشرطة السرية بقيادة روستام إنوياتوف من جهة، ووزارة الداخلية بقيادة الوزير السابق زوكير ألماتوف، الذي انتهى بإزاحة الأخير عام 2005.

إلا أن امتدادات الصراع المناطقية تنبأ بوجود فتيل قد ينفجر في لحظة ما، فقد مثل إنوياتوف معسكر العاصمة، طشقند، بينما مثل ألماتوف معسكر مدينة سمرقند في المنظومة الحاكمة.

وقد فاقم من الاحتقان لدى رموز معسكر سمرقند، ولدى القاعدة الشعبية التي يمثله، حملة التطهير التي تمت بحقهم في مواقع النفوذ، عقب هزيمتهم في ذلك الصراع.

الدور الروسي المحتمل

قد يشكل غياب كريموف فرصة لروسيا لتحقيق نفوذ أكبر بالمنطقة، في وقت تمتلك فيه العديد من أدوات تحقيق ذلك، وقد تجد موسكو ضالتها في شافكات ميرزيويف، رئيس الوزراء،الذي تقول الـ“نيويورك تايمز“ بأنه ”أقرب الشخصيات الأوزبكية من الكريملين.“

تتحدث أرقامٌ عن ارتباطٍ كبير لاقتصادات جمهوريات وسط آسيا بالجارين العملاقين، الصين وروسيا، وخصوصاً الاقتصاد الأوزبكي، حيث تشير تلك الأرقام إلى وجود قرابة المليوني عامل من أوزبكستان في السوق الروسية، يشكلون أحد الروافد القوية للاقتصاد الأوزبكي، كما تعتمد البلاد على الواردات الروسية والصينية، بنسبة مرتفعة جداً.

يضاف إلى ذلك، تنامي اهتمام موسكو بملف الإرهاب، وتبنيها سياسات واستراتيجيات جديدة في ذلك السياق على مستوى العالم، الأمر الذي قد يضع وادي فرغانة في دائرة الاهتمام الدولي من جديد، حيث يمتد الوادي في ثلاث جمهوريات آسيوية وسطى، هي أوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان، وتعده أطراف عديدة، من بينها موسكو، بؤرة خصبة لتنامي التنظيمات الإرهابية، لقربه من أفغانستان المضطربة منذ عقود، ولضعف القبضة الأمنية فيه وسط اهتمام الجمهوريات التي تقتسمه بالصراع على ترسيم الحدود فيه.

وتنقل الـ“فورين بوليسي“ حديث أوساطٍ روسية عن التحاق أكثر من 2000 مقاتل من تلك الجمهوريات بالقتال في سوريا تحت لواء تنظيم داعش، الأمر الذي تعتبره روسيا خطراً على أمنها القومي، وذريعة للتدخل المباشر في المكان والوقت والشكل المناسب، بحسب موسكو.

إضافة إلى ذلك، ستشكل وفاة كريموف في هذا الوقت بالذات، فرصة سهلة لتحقيق موسكو تقدماً في نفوذها في المنطقة، ما لم تنزلق البلاد في صراعات داخلية، حيث يشهد أداء الولايات المتحدة ضعفاً وترقباً قبيل انتخباتها الرئاسية.

حكم إسلام كريموف، المتهم بالدكتاتورية، إبان الحكم السوفييتي لها ممثلاً للحزب الاشتراكي عامي 1989 و1990، قبل أن يصبح رئيساً لجمهورية أوزبكستان الاشتراكية، ذات الحكم الذاتي داخل الاتحاد السوفييتي، حتى أعلن استقلال البلاد نهائياً عام 1991، حيث دعا إلى انتخابات رئاسية وفاز فيها بنسبة 86%، ليبدأ بذلك فصل جديد من فصول الاستبداد، استمر إلى اليوم، في البلد الذي يعد الأكبر من حيث عدد السكان (31.5 مليون نسمة)، في منطقة وسط آسيا.

ولا تبدو آفاق تداول السلطة في البلاد مبشرة في ظل المشهد الحالي، وقد يثير دخول البلاد في موجة من الصراع على السلطة مخاوف من انتقال ذلك إلى بقية دول المنطقة المتداخلة عرقياً وتاريخياً وجغرافياً.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com