عام على ”اتفاق السلام“ بجنوب السودان.. ما الذي تغير؟

عام على ”اتفاق السلام“ بجنوب السودان.. ما الذي تغير؟

المصدر: جوبا – إرم نيوز

في هذا التوقيت من العام الماضي استبشر مواطنو جنوب السودان خيرًا، بعد توقيع اتفاق السلام بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه في ذاك الوقت ريك مشار، وسط ضغوط دولية.

إلا أنه بعد مرور عام، لم تكن الحال أفضل مما مضى، إذ لم يتحقق أي تقدم يذكر في تنفيذ جوانب هذه الاتفاقية، بل أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، بحسب خبراء.

هؤلاء الخبراء استندوا في ذلك إلى انتكاسات واجهت تلك الاتفاقية، وكان أبرزها معاودة القوات الموالية لكل من سلفاكير ومشار للاقتتال في جوبا الشهر الماضي؛ الذي خلّف نحو300 قتيل في هذه الفترة الزمنية مع نزوح عشرات الآلاف.

،وعلى إثر المعارك غادر ”مشار“ جوبا إلى جهة لم يكشف عنها حتى أعلنت الأمم المتحدة  أخيرًا وصوله الكونغو الديمقراطية بمساعدة بعثتها هناك والتي أجلته من نقطة حدودية بين البلدين، ثم أعلن السودان بعدها استضافته لأسباب ”إنسانية“.

وكان ”مشار“ تقلد منصب النائب الأول لسفاكير ضمن حكومة انتقالية أقرها اتفاق السلام وهو  المنصب نفسه الذي كان يشغله قبيل النزاع المسلح الذي حصل في ديسمبر/ كانون الأول 2013، بعد أشهر من إقالته، وسط تنافس الرجلين على النفوذ في الدولة الناشئة.

وأخذ الصراع -الذي خلف إجمالاً آلافا من القتلى وشرّد نحو مليوني شخص- طابعًا عرقيًا بين قبيلة ”الدينكا“ التي ينتمي لها ”سلفاكير“ وقبيلة ”النوير“ التي ينتمي لها ”مشار“، وهما أكبر قبيلتين في البلاد التي تلعب فيها القبلية دورًا محوريًا في الحياة السياسية.

ولم يكن الاقتتال الأخير الشهر الماضي هو الانتكاسة الوحيدة لهذا الاتفاق ”الهش“، فقد شهد العام الذي مضي من عمر تطبيق الاتفاقية، بُطئًا شديدًا في ترتيبات الانتقال السلمي بين الحكومة في جنوب السودان، وحركة التمرد التي يتزعمها مشار، بسبب انعدام الثقة وشعور الحكومة بأن مجرد التوقيع عليه يعد انتصارًا للمعسكر الآخر.

أيضًا، بعد التوقيع على اتفاق السلام بدأ جدل كبير بين الحكومة ومتمردي المعارضة المسلحة، وذلك إثر قيام سلفاكير بإصدار قرار يقضي بزيادة عدد الولايات في جنوب السودان من 10 إلي 28 ولاية جديدة؛ ما اعتبره مشار ”تنصلاً“ من بنود اتفاقية السلام التي نصت على تقاسم للسلطة، وفق نسب محددة بين الطرفين علي أساس التقسيم القديم.

ورأى أن قيام الولايات الجديدة يقسم موارد النفط على أساس ”إثني“ استأثرت فيه قبيلة ”الدينكا“  بأغلب حقول النفط في إقليم أعالي النيل (شمالا) وولاية الوحدة (غربا).

إلى جانب أزمة الثقة بين الطرفين، طفا خلاف سياسي داخل المعارضة المسلحة إلى السطح بين مشار وتعبان دينق، رئيس الوفد التفاوضي للمعارضة المسلحة، انتهي باستقالة الأخير من منصبه كرئيس للوفد، قبل أن يعينه سلفاكير لاحقا نائبًا له عوضًا عن مشار.

ويعود الخلاف بين مشار ودينق إلى شهر أبريل/ نيسان الماضي بعد أن تم إبعاد الأخير من وزارة النفط التي كان يطمح في تقلدها، فشرع في التفكير في عدة خيارات، كان آخرها الإطاحة بمشار نفسه، دفعت الأخير إلى مغادرة جوبا خوفًا على حياته، ليحل دينق مكانه في تحالف جديد بينه والرئيس الجنوب السوداني، وتعهدًا معه بالتنفيذ المخلص لاتفاقية السلام وإزالة عثراتها.

إلا أن ظهور مشار مجددًا وهو الذي يسيطر علي مفاصل القوة العسكرية في المعارضة علي عكس خلفه دينق، أصبح تحديًا جديدًا يواجه اتفاق السلام لا سيما بعد تلويحه بالعمل العسكري؛ ما يهدد بشكل كبير مستقبل العملية السلمية والاستقرار في جنوب السودان.

مصطفي سري، الصحفي بيومية الشرق الأوسط اللندنية، والمختص في الشأن الجنوب السوداني، قال في حديث للأناضول إنه ”رغم مرور عام على اتفاق السلام، إلا أنه لم يتحقق السلام في جنوب السودان، ولا تزال البلاد مهددة بالانهيار لعدة أسباب“.

وأوضح سري  أن ”الاتفاقية نفسها كانت تعبر عن مصالح دول الإقليم أكثر من كونها تعبر عن مصالح شعب جنوب السودان، لذا رأينا في المفاوضات أن القضية السياسية في تقاسم السلطة كان مقدمًا على الترتيبات الأمنية، وحتى وقف العدائيات فشل بسبب أن الوسطاء لم تكن لهم الجدية الكافية في نشر فرق المراقبة وقتها والتي يحاولون الآن نشرها بأربعة آلاف جندي“.

والشهر الماضي، اعتمد مجلس الأمن الدولي، قرارًا بتشكيل قوة حماية أممية قوامها 4 آلاف عسكري، يتم إلحاقها بأفراد البعثة الأممية في جنوب السودان المعروفة اختصارًا باسم ”يونميس“.

وأضاف أيضًا أن ”المجتمع الإقليمي والدولي لم يمارسا ضغوطًا كافية على الطرفين في تنفيذ وقف العدائيات وركّزا على فرض العقوبات والتهديدات على الأطراف، وهذا أمر لا يقود إلى تحقيق سلام حقيقي“.

وبحسب سانتو بربر، كاتب صحفي ومحلل من صحيفة ”الموقف العربية“ الصادرة بجوبا (مستقلة)، فإن ”العام الذي مضى من اتفاق السلام لم يحقق أي شعور لدى المواطن العادي بوجود نقلة سياسية، وإنما ارتفعت حدة المعاناة وزاد الشعور بالخوف وعدم الأمن، كما أن المواجهات الأخيرة التي شهدتها العاصمة جوبا الشهر الماضي أعادت المشهد السياسي إلى مرحلة الحرب وتجدد القتال“.

وطالب بربر الحكومة ”بإجراء إصلاحات حقيقية تتطلب في المقام الأول والأخير توطين السلام بشكل حقيقي وبعيدًا عن المناورات السياسية ”.

وأضاف أنه ”خلال العام الماضي من عمر تنفيذ اتفاقية السلام، لم تشهد الأوضاع المعيشية والاقتصادية لمواطني دولة جنوب السودان أي تحسن كبير يذكر، نسبة للارتفاع المتلاحق في سعر الدولار الأمريكي الذي تعتمد عليه الدولة في وارداتها الاستهلاكية؛ ما أثر على الحياة اليومية للسكان“.

دانيال موسس، محلل سياسي وكاتب صحفي بصحيفة ”جوبا مونتر الإنجليزية“، قال: ”مرّ عام على اتفاق السلام دون تحقيق أي تقدم يذكر في تنفيذ الجوانب المتعلقة بالترتيبات الأمنية ودمج الجيش، وإصلاح القطاع الاقتصادي والأمني، والبدء في عملية المحاسبة والمساءلة للمتورطين في جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان، وذلك بسبب انشغال الحكومة والمعارضة بالمكايدات السياسية وإعادة تفسير الاتفاق وبنوده بحسب ما يراه كل جانب، بالإضافة لضعف آلية الرقابة التابعة للوساطة الأفريقية“.