لماذا أغلقت إيران قاعدة همدان فجأة أمام المقاتلات الروسية؟

لماذا أغلقت إيران قاعدة همدان فجأة أمام المقاتلات الروسية؟

المصدر: إرم نيوز ـ إبراهيم حاج عبدي ولؤي بحران

أثار إعلان إيران المفاجئ إغلاق قاعدة نوجة العسكرية في همدان، غرب البلاد، أمام المقاتلات الروسية التي كانت تقصف منها مواقع بسوريا، أسئلة حول الدافع وراء هذه الخطوة، وفتح الباب أمام سيناريوهات شتى، خصوصا وأنه جاء بعدما وصفت طهران، موسكو بـ“التهور“.

واعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي الأردني فايز الدويري أن إيران سعت من خلال سماحها للطائرات الروسية بالانطلاق من قاعدة همدان إلى حشد أي طاقة ممكنة لحسم معركة حلب التي تعول عليها كثيرا لإخراج المعارضة مما أسماه بـ ”المناطق المفيدة“.

وأضاف الدويري في تصريحات خاصة لـ ”إرم نيوز“ أن الحشد الذي أقدم عليه النظام السوري وحلفاؤه في حلب لم يمنع المعارضة من تحقيق تقدم، فكان الرهان على الطائرات الاستراتيجية الروسية التي اضطرت إلى استخدام قاعدة همدان لتوفير نحو 60 % من وقت الرحلة إلى سوريا، فيما لو انطلقت من قاعدة أوسيتيا الشمالية، جنوب روسيا.

وكان أحد الأساب التي أجبرت روسيا على استخدام قاعدة همدان، بحسب خبراء عسكريين، هو اختصار وقت الطيران للمقاتلات الروسية في طريقها إلى سوريا، على اعتبار أن قاعدة حميميم الروسية في سوريا ليست صالحة لمثل تلك الطائرات العملاقة التي كانت تنطلق من قاعدة همدان.

ورأى الدويري أن ”الإعلان الروسي عن استخدام القاعدة فضح النوايا الإيرانية، وخلق أزمة بين البرلمان والحرس الثوري حول الدستور الذي يمنع فتح القواعد الجوية أمام قوات أجنبية، وهو ما أجبر إيران على التراجع والقول إن القاعدة ستسعمل، فقط، كوسيط للتزود بالوقود“.

وجاء إعلان إيران عن انتهاء عمل الروس في القاعدة، بعد ساعات من تصريحات لوزير الدفاع الايراني العميد حسين دهقان انتقد فيها، في موقف نادر، روسيا لانها كشفت عن استخدام قاعدة نوجة لشن ضربات في سوريا، ووصف ذلك بانه فعل ”استعراضي وينم عن التهور“.

خلافات خلف الكواليس

المحلل السياسي السوري خورشيد دَلّي شرح الأمر من هذه الزواية، إذ وضع الخطوة الإيرانية في سياق خلاف وراء الكواليس بين موسكو وطهران بشأن مستقبل سوريا.

وأعرب دلي في اتصال هاتفي مع ”إرم نيوز“ عن اعتقاده أن الإعلان الإيراني مرتبط، كذلك، بالتقارب الروسي التركي، فاتفاق البلدين حول تسوية ما في سوريا قد تكون على حساب طهران، التي دفعت فاتورة باهظة في الحرب السورية، ومن الصعب أن تقبل الخروج من المعادلة دون نصيب من ”الكعكة“.

وأوضح دلي أن التقارب الروسي التركي ستكون له ”جدوى عسكرية“، كذلك، إذ ستجعل أنقرة توافق على تحليق المقاتلات الروسية فوق الأجواء التركية انطلاقا من قاعدة أوسيتيا الروسية جنوب البلاد، وصولا الى سوريا، وهو ما كان متعذرا أثناء الخلاف المحتدم بين البلدين“.

من جانبه رأى هادي الطرفي الخبير في الشأن الإيراني أن ”روسيا فاجأت طهران حين أعلنت على الملأ استخدامها للقاعدة، مبينا أن الاتفاق بين الطرفين قضى بعدم الافصاح عن هذا التعاون لأنه يخالف الدستور الإيراني“.

وأوضح الطرفي في اتصال هاتفي مع ”إرم نيوز“ أن التصريح الروسي حول موضوع ذي حساسية عالية أحرج إيران التي اضطرت الى إغلاق القاعدة في وجه روسيا.

واتفق المحلل السياسي الإيراني صادق ملكي مع هذا التصور، إذ قال إن ”إيران كانت قد سمحت للقوات الروسية باستخدام قاعدة نوجه الجوية بشكل سري، لكنها فوجئت بكشف روسيا للأمر“.

واعتبر ملكي في اتصال هاتفي مع ”إرم نيوز“ أن ”روسيا، وإن كانت حليفة لإيران، لكنها تقدم مصالحها على كل الاتفاقيات، وهذا ما أثار حفيظة مجموعة من أعضاء البرلمان الايراني الذين عارضوا استخدام روسيا للقواعد الإيرانية“.

وقال الخبير السياسي الإيراني، إن ”روسيا تحاول حصر ملف وحل الأزمة السورية بيدها، لكن طهران لن تسمح بذلك“، مرجحاً أن تستخدم روسيا، مستقبلا، قاعدة إنجرليك التركية، القريبة من الحدود السورية، في ضوء التقارب بين موسكو وأنقرة.

تجنبا للتصعيد مع واشنطن

الكاتب والمحلل السياسي راكان السعايدة اعتبر، بدوره، أن القضية لها بعدان، إضافة للبعد العسكري، الأول إعلامي والآخر سياسي، حيث كسبت روسيا الموقف الإعلامي بظهورها كدولة عظمي تستخدم قواعد عسكرية لحلفائها متى شاءت في رسالة للولايات المتحدة التي عبرت عن قلقها إزاء ذلك.

وأضاف السعايدة في حديث لـ“إرم نيوز“ أن البعد الآخر السياسي، ظهر من خلال حرص روسيا وإيران على  تأكيد أن العلاقات بينهما استراتيجية رغم الاختلافات التكتيكية في الملف السوري“.

ورأى السعايدة أن خطوة إغلاق القاعدة جاءت لعدة عوامل، أبرزها الخلاف الإيراني الداخلي بعد الإعلان الروسي عن الموضوع، والعامل الآخر يتمثل بعدم الرغبة لدى روسيا بالتصعيد مع أمريكا في الوقت الذي يعلن فيه الطرفان عن تقارب في الملف السوري.

وكانت الضربات الجوية الروسية المنطلقة من قاعدة همدان الروسية لاقت انتقادات واسعة من البيت الابيض.

وقال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، الاثنين، إن محادثات بشأن التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وروسيا في سوريا تقترب من نهايتها وإن الفرق الفنية ستجتمع هذا الأسبوع لمناقشة التفاصيل.

وأضاف في مؤتمر صحفي خلال زيارة لكينيا ”نجري حاليا حوارات وأملي أن نصل إلى نهاية هذه المناقشات بطريقة أو أخرى“، لافتا إلى أنه من المرجح أن يجتمع هذا الاسبوع مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

وقال كيري إن ”المعضلة السورية“ استمرت فترة طويلة للغاية وينبغي للقوى الداعمة للنظام السوري وهي روسيا وإيران وأيضا الدول الداعمة للمعارضة أن تتفق لإنهاء القتال.

هوة واسعة بين القول والفعل

وتتسم السياسة الإيرانية بالإزدواجية، فهي تفعل شيئا في السر، وتروج لشيء آخر في العلن، كما رأى خبراء، ومن هذه الزاوية يمكن مقاربة الخطوة الإيرانية، إضافة الى ما سبق من تحليلات.

ورجح الخبراء أن روسيا تستخدم قاعدة همدان منذ فترة طويلة، لكن طهران اضطرت إلى إغلاقها أمام روسيا بعدما أفشت الأخيرة السر الذي دفع نوابا ايرانيين إلى الاعتراض على مثل هذا التعاون.

وجاء رد وزير الدفاع الإيراني على اعتراض نواب البرلمان، سريعا، إذ قال ”إن هذا القرار، قرار النظام، ولا علاقة له بالبرلمان، ويعتبر تعاونا لمكافحة داعش الإرهابي، وبموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي“، وهو ما يظهر طبيعة النظام الايراني المرتبط بالكامل بالمرشد الأعلى خامنئي وبالدائرة المقربة منه.

وهذا دأب السياسة الإيرانية، بحسب خبراء، فهي تتحدث عن رغبتها في علاقات حسن الجوار مع الخليج العربي، لكنها في السر تؤجج النزعات الطائفية، وتدعو، كذلك، إلى الحل السياسي في سوريا لكنها ترسل ميليشيات للقتال إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد، وهي تتحدث عن نواياها الصادقة في اليمن لكنها تدعم الانقلابيين الحوثيين.

وقالت الإعلامية وجد وقفي في تغريدة على حسابها في تويتر: طلعوا الإيرانيين حردانين لان الروس أفشوا سر استخدام قاعدتهم العسكرية..متوقع من دولة سرية مثل ايران كل عملها بالخفاء… تبجح الروس أغضب ايران“.

أما التفسير الروسي الرسمي، فجاء بعيدا عن كل هذه التحليلات، إذ قال اللواء إيغور كوناشينكوف الناطق باسم وزارة الدفاع الروسية، الاثنين، إن انهاء العمل في قاعدة همدان جاء إثر نجاحها في تنفيذ المهام القتالية المطروحة أمامها، مضيفا أن روسيا ستستخدم القاعدة الإيرانية في المستقبل وفقا للاتفاقات الثنائية مع طهران، وعلى ضوء تطورات الوضع الميداني بسوريا.

بدوره قال السفير الروسي لدى طهران ليفان جاغاريان، الاثنين، تعليقا على إغلاق القاعدة: ”ليس هناك ما يدعو للقلق“.

وتعتبر روسيا وإيران حليفتين رئيسيتين للنظام السوري، لكن إيران حذرة في الإعلان عن حجم تدخلها في النزاع، كما أنها حساسة بشأن أي تلميح إلى السماح لقوى أجنبية بالتمركز في أراضيها.

وكانت وزارة الدفاع الروسية أعلنت الاسبوع الماضي عن توجيه ضربات مكثفة انطلاقا من قاعدة همدان شمال غرب إيران إلى مواقع جماعات سورية معارضة، وشاركت في العملية قاذفات استراتيجية روسية  بعيدة المدى.

ويشرف عسكريون إيرانيون على آلاف المقاتلين المشاركين في المعارك إلى جانب القوات السورية في حين توفر روسيا الغطاء الجوي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com