تركيا.. الإجماع المناهض للانقلاب يهدد علمانية الدولة – إرم نيوز‬‎

تركيا.. الإجماع المناهض للانقلاب يهدد علمانية الدولة

تركيا.. الإجماع المناهض للانقلاب يهدد علمانية الدولة

المصدر: مدني قصري– إرم نيوز

لم تكن حالة القمع المفرط التي تمارسها السلطات التركية منذ الانقلاب الفاشل، قبل أسبوعين مفاجئة، إذ  صرح رئيس بلدية اسطنبول أن القمع سيضرب حتى أولئك الذين لقوا حتفهم، معلناً عزمه إنشاء ”مقبرة الخونة“، ”حتى يتسنى للشعب أن يأتي ليلعنهم بملء إرادته“.

وعليه فإن حالة التطهير التي تشهدها تركيا هذه الأيام، لم يسبق لها مثيل، حيث شملت العديد من المؤسسات الرئيسة للدولة.

إجماع غير صحي

ويقول جان ماركو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة غرونوبل الفرنسية، في مقال نشرته لوموند الفرنسية: ”لا شك أنه في أقل من أسبوع، تحولت البلاد فجأة إلى عهد سياسي جديد، لقد أجبر الانقلاب الجميع على أن يعلنوا بصوت عالٍ تمسكهم  بالنظام الدستوري، وهكذا فقد استولى إجماع غير صحي على المجتمع التركي بأكمله“.

أيام الدستور معدودة

ويضيف محلل لوموند أن سيادة القانون والديمقراطية أصبحتا مهددتين بمشروع سياسي شامل، تسارعت وتيرة تنفيذه في الأيام الأخيرة.

ويقول ماكرو إنه في ظل المناخ الحالي: ”يمكننا أن نفكر، بالفعل، أن أيام الدستور التركي الحالي (المنبثق من أعقاب انقلاب 1980 ) قد أصبحت معدودة.

تحالفات جديدة

ويبدو أن الإجماع السياسي والمجتمعي ضد الانقلاب، والذي أدى بحزب العدالة والتنمية إلى الإشادة بولاء أحزاب المعارضة، قد يساعد على إقامة تحالفات جديدة، من شأنها إزالة العقبات القانونية التي لا تزال تعيق وضع دستور جديد.

ويخشى أيضا أن يجد البرلمان صعوبة في الحفاظ على نفوذ حقيقي في هذا النظام، وأن يتعرض الحزب الكردي (HDP)، التشكيلة الثالثة من حيث العدد في غرفة البرلمان، إلى التهميش تدريجيا.

أما السلطة القضائية التي شهدت إصلاحات عدة في السنوات الأخيرة، فهي تتعامل بعناء كبير مع التغيرات المطروحة.

فعملية التطهير الأخيرة طالت اثنين من قضاة المحكمة الدستورية، وعدة عشرات من قضاة مجلس الدولة ومحكمة النقض.

أما بالنسبة لوسائل الإعلام، فلم تعد أمامها فرصة تُذكر لكي تلعب دور السلطة الرابعة، ومن المثير للدهشة، في الأيام الأخيرة، ما تشهده صحف المعارضة من انقياد وانصياع.

ويجب ألا ننسى أن المشهد الإعلامي التركي في الآونة الأخيرة انقلب رأسا على عقب، نتيجة ترهيب الصحفيين واستعادة السيطرة على وسائل الإعلام التي كانت تنتمي إلى حركة فتح الله غولن.

علمانية الدولة على الطريقة ”التركية“

على المستوى المجتمعي، قد تضطر السلطة الدينية، العائدة بقوة إلى الفضاء العام منذ وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، إلى دعم مؤسسات السلطة، فمديرية الشؤون الدينية (ديانت)، التي كانت حتى وقت قريب جهازا بيروقراطيا بحتا مكلفة بإدارة الإسلام التركي، أخذت اليوم بعدا روحيا حازما على نحو متزايد، حيث أصبحت تتحدث في القضايا الاجتماعية، وتصدر الفتاوى بانتظام.

مستقبل العلمانية

ويقول المحلل إن الكثيرين يخشون مما سيؤول إليه مستقبل مبدأ العلمانية، المنصوص عليها في النظام الدستوري التركي، حيث بدأ في الآونة الأخيرة، وتحديدا من قبل رئيس البرلمان، طرح فكرة إعادة النظر فيها، وهي الفكرة التي طرحت أيضا خلال شهر رمضان الماضي.

الشوفينية العثمانية

وبحسب المحلل، فإن تركيا رجب طيب أردوغان ستصبح قطعا دولة قومية، لتمجيد العظمة العثمانية على حساب التاريخ الجمهوري.

ويشير ماكرو إلى أن الاحتفال الفخم بالذكرى السنوية لسقوط القسطنطينية، في العامين الماضيين، يعطي دلالة منذرة لأهداف هذه الشوفينية العثمانية من حيث الدعاية وحشد  الجماهير.

ويرى محلل لوموند أن هذا يمكن أن يتجسد بصورة ملموسة من خلال تحول عميق للجيش بعد إفراغه تدريجيا من الكوادر الكمالية.

دور العسكر في المرحلة القادمة

وسوف يخدم الجيش الجديد المدعوم بصناعة الأسلحة المزدهرة، طموحات النظام على الساحتين الإقليمية والدولية، ولكن عليه الآن يبقى بعيدا عن الشؤون العامة، بحسب ماكرو.

تمجيد السلطة  

كما أن  تمجيد السلطة سيؤدي أيضا إلى الاستمرار في مشاريع النظام الكبرى (الجسر الثالث، المطار الثالث، الطرق السريعة، خطوط القطار فائق السرعة، أنفاق تحت مضيق البوسفور والقرن الذهبي، وعمليات إعادة تطوير المناطق الحضرية) التي شكلت تحولا في مشهد تركيا المعاصرة والتي لم تتمكن مظاهرات جيزي العام 2013 من عرقلته.

فهذه المشاريع، من نواحي كثيرة ليست فقط فخرا للرئيس، ولكن أيضا فخر الطبقة الوسطى الحضرية الجديدة التي أوصلت حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وحافظت عليه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com