”نيبون كايجي“.. حراك سياسي لتعديل الدستور الياباني

”نيبون كايجي“.. حراك سياسي لتعديل الدستور الياباني

المصدر: أحمد عبدالباسط- إرم نيوز

نشرت صحيفة ”ذا ديلي بيست“ الأمريكية تقريرًا عن جماعة ضغط يابانية جديدة تدعى ”نيبون كايجي“، أو ”مؤتمر اليابان“، التي نجحت في جذب العديد من رجال الدولة في اليابان، وعلى رأسهم رئيس الوزراء شينزو آبي، واكتساب شعبية كبيرة في الشارع الياباني.

وتنحدر جذور تلك الجماعة إلى عام 1970، حيث أسسها جماعة من الشينتو الليبراليين، ويديرها بشكل ظاهري الصحفي السابق تاداي تاكوبو، وتضم تلك الجماعة حوالي 38 ألف عضوًا فقط، إلا أنها تتمتع بنفوذ سياسي كبير.

وتعرف ديانة الشينتو بأنها أقدم الأديان اليابانية، وهي عبادة الأسلاف، التي تتجه بالعبادة إلى الحاكمين الأسلاف وهم الآلهة الذين أسسوا الدولة، فكانوا يخاطبون السلف المقدس الأول الذى عنه جاءت سلسلة الأباطرة ضارعين سبع مرات كل عام، فيتوجه إليه الإمبراطور نفسه بالدعاء أو من ينوب عن الإمبراطور، ثم كانوا يؤدون له صلاة خاصة إذا ما همت الأمة بمشروع تراه استثنائيا في قداسته مثل الاستيلاء على ”شانتونج“ في عام 1914.

ومن الأسس التي تقوم عليها الجماعة، الرغبة في إعادة إرساء قيم مثل التناغم الاجتماعي والالتزام بالصالح العام وهو النهج الأخلاقي الذي يقول أنصار الجماعة أنه تقلص بعدما ركزت سلطات الاحتلال الأمريكي الاهتمام على الفردية في محاولة لاستئصال جذور النزعات العسكرية في أعقاب هزيمة اليابان عام 1945.

ويدفع أنصار الجماعة بأن غياب هذه القيم يشجع على العنف والجريمة والفوضى في فصول المدارس والفضائح التي تحدث في المؤسسات، كما تسعى لإعادة كتابة الدستور الياباني الذي صاغته الولايات المتحدة وتريد من المدارس أن تدرج الوطنية في مناهجها، كما تكتسب تأييدًا متزايدًا من ساسة الحزب الحاكم والمعارضة على حد سواء لبرنامجها.

وقالت الصحيفة الأمريكية إنه مع بدء الانتخابات البرلمانية في اليابان، التي تقام اليوم، سيكون أمام تلك الجماعة فرصة ذهبية للهيمنة على السياسة اليابانية، إذا نجح الحزب الحاكم في السيطرة على غالبية المقاعد في البرلمان، وفتح الباب أمام دستور ديمقراطي حديث، وهو الأمر كان بمثابة شيء مقدس منذ عام 1947.

وتكتسب القوة الدافعة لمراجعة الدستور السلمي الذي صاغته الولايات المتحدة زخما داخل الحزب الديمقراطي الحر، والحزب الديمقراطي، أكبر أحزاب المعارضة بهدف تحديد وضع الجيش المبهم في إطار مساعي اليابان للعب دور أكبر أمنيًا على الأصعدة الإقليمية والدولية.

كما طرحت الحكومة مشروع قانون لإدخال تعديل على قانون آخر من عهد الاحتلال يحدد أهداف سياسة التعليم، ويقضي بأن يشمل القانون مبدأ ”حب الوطن“، وهو تعديل يقول منتقدون إنه يعيد للأذهان ذكريات مزعجة عن التعليم خلال الحرب.

وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن تأثير جماعة ”نيوبي كايجي“ لا تفهمه الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن، وضربت مثالا بأنه في حالة فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، وهو ينتمي إلى الطائفة الإنجيلية اليمينية، والتي من الممكن أن نطلق عليها ”مؤتمر الولايات المتحدة“، وقرر الدعوة إلى عودة النظام الملكي، وطرد المهاجرين، وإلغاء حقوق المرأة، فتلك أمور من شأنها أن تقلق الناس، وهو ما يحدث في اليابان في حالة سيطرة تلك الجماعة على النظام السياسي هناك، في ظل تواجد رئيس الوزراء الحالي ”آبي“ وحكومته.

وقالت الصحيفة إن ”آبي“ يعد من الجيل الثالث في اليابان، وهو حفيد نوبوسوكه كيشي، الذي كان وزيرًا لليابان خلال الحرب العالمية الثانية، والقبض عليه كمجرم حرب في عام 1945 قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء في 1950.

ويمتلك ”آبي“ خلفية قومية استرجاعية، كما أن علاقته مع جماعة ”نيوبي كايجي“ تعود إلى فترة التسعينات، وتماشيًا مع زملائه في تلك الجماعة، وحزبه ”الديمقراطي الليبرالي“، يهدف ”آبي“ إلى تعديل الدستور الياباني، وذلك ما أعلنه في حواره مع مجلة ”آسيا نيكي“ في فبراير 2014، وهو الأمر الذي بات قريبًا جدًا، وتنص المادة 96 من الدستور أنه يمكن إجراء تعديل دستوري في حالة موافقة أغلبية ثلثي مجلس البرلمان، وبأغلبية بسيطة في الاستفتاء.

وفي الوقت الحاضر، يمتلك الحزب الديمقراطي الليبرالي وشركائه في التحالف، أغلبية الثلثين في مجلس النواب وبأغلبية بسيطة في مجلس الشيوخ، وهم يأملون في الحصول على أغلبية الثلثين اللازمة في مجلس الشيوخ بعد انتخابات اليوم الأحد.

وقال آبي في برنامج إخباري تلفزيوني: ”سيكون من الصعب جدا على التكتل الحاكم الفوز بمفرده بأغلبية الثلثين. فإلى جانب الحزب الديمقراطي الحر وحزب كوميتو أهدف إلى تكوين أغلبية الثلثين مع الأشخاص الإيجابيين والمسؤولين الذين يفكرون في تعديل الدستور“.

ويرى المؤيدون الدستور كمصدر لسلام وازدهار وديمقراطية اليابان، فيما ينظر كثيرون من أنصار آبي المحافظين إلى الدستور، على أنه وثيقة بالية كتبت على حد وصف أحد التعليقات ”بحقد وانتقام“ لقهر اليابان للأبد.

وسيوضح تغيير اقترحه الحزب الديمقراطي الحر أن لليابان الحق في الاحتفاظ بجيشها ونشره في الداخل والخارج.

وعلى المستوى الاقتصادي، وضع رئيس الوزراء الياباني، الخطوط العريضة لخطة شاملة لإعادة إحياء الاقتصاد الياباني المتداعي.

ويعتزم رئيس الوزراء، شينزو آبي، تقديم إصلاحات تهدف إلى الدفع بمزيد من النساء في سوق العمل، وتشجيع الابتكار الصناعي وإقناع الشركات التي تحتفظ بالأموال بزيادة استثماراتها.

وتشكل الاستراتيجيات التي تم الكشف عنها في خطاب ثالث أكثر المحاور أهمية في برنامجه الاقتصادي ”أبينوميكس“، والذي ركز حتى الآن على ما يسميه ”أول سهمين“ في ترسانته: تخفيف قيود السياسة النقدية وتعزيز الإنفاق العام.

كما وعد بإصلاحات هيكلية لدعم النمو على المدى الطويل مع ارتفاع متوسط عمر اليابانيين وتراجع عددهم.

وقال آبي ”مفتاح استراتيجيتي الاقتصادية النهائية هي إحياء القطاع الخاص“، مشددا على أن الشركات اليابانية ستلعب دورا رئيسيا في انتعاش الاقتصادي العالمي.

وقال محللون اقتصاديون إنه دون إجراء إصلاح شامل للبيروقراطية اليابانية وسياساتها الزراعية والصناعية والعمالية، فإن السياسة الاقتصادية الجديدة التي تحمل اسم ”أبينوميكس“ أي ”اقتصاد آبي“ لن تقدم سوى تعزيز مؤقت للنمو بينما ستزيد من أعباء الدين العام للبلاد.

ويشير كويتشي ناكانو أستاذ وخبير في السياسة اليابانية في جامعة صوفيا، إلى أن ”أبينوميكس“ مجرد وسيلة لإعادة التعبئة القومية، وشيء مثير من قبل ”آبي“ حتى ينجح في العودة للسلطة من جديد.

وأضاف: ”آبي يلعب بكارت الاقتصاد كما فعل من قبل في انتخابات 2012، ثم يمضي قدمًا بما كان يخطط إليه على المستوى السياسي“.

ويقول الخبير الدستوري الياباني، سيتسو كوباياشي، الذي هو أيضًا عضو سابق في ”نيبون كايجي“، عن المجموعة: ”لديهم صعوبة في قبول حقيقة أن اليابان خسرت الحرب“، وأنها ترغب في استعادة دستور عصر ميجي، وأشار ”كوباياشي“ إلى أن غالبية أعضاء الجماعة هم من نسل أشخاص خاضوا الحرب.

وأصبح ”كوباياشي“ في علاقة شائكة مع إخوانه السابقين في الجماعة، وذلك منذ أن أسس في مايو السابق حزب جديد، ودعا لتعزيز وحماية الحقوق الدستورية، الأمر الذي أغضب كوكومين إيكاري، الملقب بصوت ”الشعب الغاضب“ في الجماعة، حيث وصف ”كوباياشي“ بأنه ”خائن“.

وقالت المنظمة في بيان الشهر الماضي: ”إن حكومة آبي تسعى لتغيير طفيف في الدستور، ونحن نعارض محاولات تغيير المادة 9 من الدستور، والتي تعد رمزًا السلام“.

يتضمن الباب الثاني من دستور اليابان 1947 والذي يسمى ”نبذ الحرب“ مادة واحدة فقط هي المادة التاسعة والتي تقول نصا: ”نطمح إلى السلام الدولي القائم على العدل، الشعب الياباني ينبذ الحرب كحق سيادي والتهديد أو استخدام القوة كوسيلة لتسوية الخلافات الدولية“.

وتتابع المادة: ”ومن أجل تحقيق هذا الهدف في الفقرة السابقة فإن القوات البرية والبحرية والجوية وسائل الحرب المحتملة لن تدام ولا يعترف بحق الدولة في إعلان حالة الحرب“.

هذه المادة منعت اليابان من إرسال جيشها إلى الخارج للمشاركة في أي عمل عسكري وأصبح لدى اليابان جيش دفاعي مجرد لحماية الأرض اليابانية فحسب بمساعدة القواعد الأمريكية.

رغم وجود هذه المادة في الدستور الياباني إلا أن الجيش الياباني خرج لأول مرة خارج أرضه بعد اعتداءات 11 سبتمبر من عام 2001، حيث أرسل للمساعدة في حرب أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 وغيرها من المهمات.

لكن حتى دور الجيش الياباني في تلك الفترة اقتصر على تقديم الدعم اللوجيستي والوقود وغيرها من المهام غير القتالية.

واعتبر هذا التغير حينها نقلة كبرى بالنسبة للجيش الياباني، إلا أنه لاقى انتقادات كبيرة داخل اليابان لاعتباره مخالفًا للقوانين اليابانية في عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية.

مع هذا الحادث وسعي رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي، إلى تغيير تلك المادة فإن الجيش الياباني قد لا تقتصر مهمته خلال الفترة القادمة على الدور اللوجيستي فقط، ولكن قد يمتد إلى المشاركة في الأعمال العسكرية.

وأشارت الصحيفة الأمريكية، إلى أن جماعة ”نيوبي كياجي“ والحزب الديمقراطي الليبرالي يمتلكان نفس الأجندة، والتي ستهدف إلى عودة اليابان إلى عصر النظام الإقطاعي العسكري، حيث سيصبح المجتمع لا يمتلك أي حق في حياته سوى ”حق الصمت“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com