‫‫الشباب من أجل مستقبل أفضل.. رهان الجمعيات في أفريقيا الوسطى‬‬‎

‫‫الشباب من أجل مستقبل أفضل.. رهان الجمعيات في أفريقيا الوسطى‬‬‎

المصدر: بانغي – إرم نيوز

أنامل نحيلة لكنها بدت مصمّمة على متابعة تطريز قطعة قماش ناصعة البياض.. كانت حرارة الغرفة مرتفعة، ومع ذلك لم تتمكن من النيل من عزيمة بريدنس ”نغانادوكا“، وهي تتابع حركة أصابعها على إيقاع منتظم خالٍ من الانفعال.

”بريدنس“، شابة من أفريقيا الوسطى، أكملت مؤخراً عامها الـ 18، وهي مع ذلك أم لرضيع لم يتجاوز العامين من عمره.. التقيناها في ركنها المعتاد، وهي منكبّة على التطريز بذات الحماس والإصرار المتناقضين مع ملامحها المنقبضة.

وبنبرة حزينة، لم تتردّد الشابة في استعراض تفاصيلها الخاصة.. ”تعرّضت للاعتداء من قبل ميليشيات أنتي بالاكا (المسيحية)“، تضيف دون أن ترفع عينيها عن قطعة القماش المنسابة بين أصابعها ”كما قتلت عناصر من السيليكا (إئتلاف سياسي وعسكري مسلم) والدي عندما كنت في الـ 15 من عمري (أي خلال الأزمة الطائفية التي هزت البلاد أواخر 2013)“.

ماضٍ مؤلم تحاول الشابة تجاوزه بفضل الرعاية التي تحصل عليها من جمعية ”العمل والتنمية في الدائرة الرابعة“ في العاصمة بانغي، في بادرة نسجت على منوالها نحو 50 جمعية أخرى أنشئت في أفريقيا الوسطى بهدف تعزيز الأنشطة التنموية لإعادة إدماج الشباب، وإعادة إعمار البلاد عقب أكثر من عامين من الصراع الطائفي.

 ”عندما لجأت إلى هذه الجمعية في مايو/أيار 2015″ تتابع “ لم أكن قادرة على فعل أيّ شيء، لكن سلسلة الدورات التدريبية التي خضعت لها في هذه المنظمة، علمتني الكثير، وجعلتني أدرك بأنه بإمكاني المضي قدمًا في حياتي، والاستفادة من التدريب الذي حصلت عليه، وهذا ما مكنني من تطريز مجموعة متكاملة من المآزر“.

نشاط أضفى مسحة من ”البهجة“ على حياة شابة قالت إنها ضحية نزاع طائفي مقيت انتزع منها ومن الكثيرين من أبناء بلادها الابتسامة وحب الحياة. مآسٍ انسانية لا تبدو مسقطة على واقع كان حتى وقت قريب منفتح على جميع سيناريوهات العنف والكراهية والقتل.

ورغم الألم، تحاول ”بريدنس“ ضخ شحنة من الأمل في نفسها قائلة: ”أصبحت متصالحة مع ماضيّ ومقتنعة بأن الحياة لا تقدم لنا ما نريد دوما، فقط أحمد الله على النعم التي وهبني إياها، بما في ذلك ابني بغض النظر عن كل ما تعرّضت إليه“.

7 أمهات شابات أخريات من أمثال ”بريدنس“ انتشلتهم الجمعية التي تضع هدف ”إعادة إدماج الشباب في إفريقيا الوسطى بمختلف عقائدهم“، إحدى أهم أولوياتها.

وفي بانغي، تعمل جمعية ”العمل والتنمية في الدائرة الرابعة“ بالاشتراك مع عدد من الجمعيات الأخرى على ضخ الحياة في المدينة، وإزاحة  شبح أكثر من عامين من صراع طائفي أودى بحياة المئات من الأشخاص، وشرّد عشرات الآلاف الآخرين بين لاجئين ونازحين، وفق الأمم المتحدة.

وعلاوة على ما تقدّم، تشارك نحو 50 جمعية بينها ”العمل والتنمية بالدائرة الرابعة“، في إنجاز مشروع يحمل اسم ”أحياء المستقبل“، بمبادرة من السفارة الفرنسية في أفريقيا الوسطى، يعنى بـ“تمويل الجمعيات الصغيرة الهادفة إلى تعزيز الأنشطة التنموية“، بحسب ”إريك فورس“، صاحب المبادرة.

وقال ”فورس“ إنه ”في الوقت الذي تشهد فيه العاصمة بانغي نوعًا من الاستقرار، تزداد الحاجة إلى الدعم أكثر من أي وقت مضى، للعمل المشترك وتوحيد جهودها (الجمعيات) وتسهيل التماسك بين السكان“ باختلاف معتقداتهم الدينية.

 ”بريدنس“ عقّبت على المبادرة بالقول إنها ”نعمة إلهية بالنسبة لنا، ولقد ساعدتنا على الحصول على التمويل اللازم وعلى معدّات ذات جودة عالية، لنزيد العمل بما يمكننا من كسب ما يكفي لإعالة أطفالنا“.

من جانبه، أعرب ”إميل جروس ريمون ناكمبو“، رئيس بلدية بانغي، عن اهتمامه بإعادة إدماج الشباب في المجتمع وخصوصا الفتيات، ممن قال إنهن غالباً ما يكنّ في حاجة أكبر للمرافقة والإحاطة، إذ أنّ ”وضعية الفتيات الشابات تشغل بالنا بشكل خاص“.

وأردف بقوله: ”لذلك أعتبرهن من أولوياتي ضمن الأنشطة الاجتماعية للبلدية، وألتزم قدر المستطاع بمساعدتهن على شقّ طريقهن في الحياة“.

مشاريع كثيرة أُطلقت بغرض مساعدة الشباب في أفريقيا الوسطى على تجاوز واقع صعب فرضته الأزمة، والقطع مع ماضي بتفاصيل قاتمة. مبادرات قال ”ناكمبو“ إنّ أجمل ما فيها أنها ”لا تفرّق بين مسيحي ومسلم“، وإنما تشمل الجميع على نفس القدر من المساواة، في خطوة ترمي إلى إرساء أسس المصالحة والتعايش السلمي بين سكان البلاد.

أما ”شارل مالينا“، سفير فرنسا في أفريقيا الوسطى فأعرب من جهته، عن دعمه لمختلف الجمعيات شريطة أن تساعد ”الشباب على تثبيت أقدامهم في طريق التكوين المهني وكسب المال والابتعاد عن الأنشطة المسلحة“.

وبفضل جهود الجمعيات، تمكنت ”بريدنس“ وغيرها من شباب أفريقيا الوسطى من الظفر بمستقبل ”واعد“، على حدّ تعبيرها، أساسه العمل وطموح لا ينضب. ”في قرارة نفسي“، تقول في ختام حديثها، وهي تضمّ رضيعها إلى صدرها، ”أردد دوما بأنني سأتمكن ذات يوم من إنشاء ورشة خياطة خاصة بي، وسيكون بإمكاني حينها مساعدة غيري من الفتيات اللواتي مررن بنفس تجربتي المرّة، لأننا بالفعل نستحق مستقبلاً أفضل“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com