لماذا يتقرب أردوغان إلى بوتين؟

لماذا يتقرب أردوغان إلى بوتين؟

المصدر: شوقي عبدالعزيز– إرم نيوز

تسعى تركيا إلى رأب الصدع مع روسيا، لاحتواء إيران ومحاربة تنظيم ”داعش“ المتطرف، وتحسين مكانتها في الشرق الأوسط. ويعد تحركها للتقرب من روسيا، كما فعلت مؤخرًا مع إسرائيل، جزءًا من حملة أنقرة لتأمين العديد من الصداقات الممكنة في منطقة منشغلة بالحرب الأهلية السورية، وصعود إيران الشيعية.

تحسين العلاقات التركية-الإسرائيلية- الروسية انطلاقة لمشاريع الطاقة

وبحسب تقرير نشرته مجلة ”فورين بوليسي“ الأمريكية، يمثل تحسين علاقة تركيا مع روسيا،  مثلما سبقها في ذلك، مصالحة تركيا مع إسرائيل، انطلاقة لمشاريع الطاقة المتوقفة في تركيا، ومنها خط أنابيب ضخم للغاز الطبيعي لمحطة للطاقة النووية تبلغ قيمتها 20 مليار دولار.

وأشارت المجلة، إلى أن التفجيرات الانتحارية القاتلة، التي وقعت يوم الثلاثاء في مطار أتاتورك بإسطنبول، والذي يحمل الخبراء مسؤولية تنظيم (داعش) المتطرف بارتكابه، والتي أسفرت عن مقتل 44 شخصًا وإصابة المئات، أثبتت حاجة تركيا لإعادة بناء الصداقات المتوترة لتعزيز أمنها الداخلي.

وقال سونر كاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: ”أعتقد أن هجوم إسطنبول يزيد من حاجة تركيا لتطبيع علاقاتها مع روسيا“.

إسقاط الطائرة الروسية أضرت بالاقتصاد التركي

ودخلت العلاقات بين تركيا وروسيا، التي وطدت قبل عامين فقط على المسار الصحيح للتحول إلى ”شراكة استراتيجية“ تغذيها صفقات للطاقة بمليارات الدولارات، في حالة من الجمود العميق في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، عندما أسقطت تركيا طائرة حربية روسية خرقت المجال الجوي التركي بالقرب من الحدود السورية، ومنذ ذلك الحين أضرت القيود التي فرضتها روسيا على التجارة والسفر بالاقتصاد التركي، وتم تجميد مشاريع الطاقة بين البلدين، وأصبح الجيش التركي ممنوعًا من الانخراط بقوة في شمال سوريا، حيث يتواجد تنظيم داعش.

ووفقًا لتقرير مجلة ”فورين بوليسي“ قدم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان هذا الأسبوع، اعتذارًا مكتوبًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن حادث الطائرة الحربية الروسية، وبعد ذلك بيومين ردت روسيا بإلغاء حظر السفر، وهذا الأمر يضع البلدين على طريق تطبيع العلاقات، مثلما فعلت تركيا الأسبوع الماضي بعد خلاف دام ست سنوات مع إسرائيل بسبب مهاجمة الأخيرة أسطول الإغاثة الذي كان متجهًا لقطاع غزة، ووصف أردوغان خطواته تجاه كل من إسرائيل وروسيا بأنها مكسب للجميع.

ويمكن تفسير القوة الدافعة لحملة أنقرة الدبلوماسية، بالوضع الأمني المفكك في شرق البحر المتوسط، وفي المنطقة ككل، والحاجة إلى حشد جهود الدول التي ترغب في تحقيق الاستقرار، والتي يمكن أن تكون شركاء في الحرب ضد المتشددين في المنطقة.

فقد وفرت الحرب الأهلية السورية، الدائرة منذ أكثر من 5 سنوات، ملاذاً آمنًا لهذه الجماعة الإرهابية التي ضربت مرارًا عدة أهداف سهلة في تركيا، وكذلك في مدن أخرى في أوروبا. وتسببت الحرب أيضًا في تدفق مئات الآلاف من النازحين السوريين إلى تركيا وبلدان أخرى في أوروبا والشرق الأوسط.

إيران تسعى لاستعادة هيمنتها الإقليمية في الشرق الأوسط

وفي الوقت نفسه، تخلصت إيران من سنوات من العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية، ويرجع الفضل إلى الاتفاق النووي الذي وقعته مع إدارة أوباما، وتحاول جاهدة استعادة ريادتها الإقليمية من خلال ملاحقة المملكة العربية السعودية حاملة لواء الإسلام السني.

هذا وتساند طهران بقوة نظام بشار الأسد في الحرب السورية، وتدعم مجموعات في اليمن تحارب السعودية، وفي الوقت نفسه تحاول إيران جاهدة إعادة قطاعها النفطي إلى أيام مجده بزيادة الإنتاج والصادرات في تحدي واضح للسعودية التي تقود منظمة أوبك.

ويقول مايكل تانشام، خبير الطاقة والجغرافيا السياسية في المنطقة، إن ”المحرك الرئيسي للمصالحة التركية هو الحاجة الملحة لاحتواء توسع الهيمنة الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط“.

وأضاف أن ”المصالحة مع روسيا هي أحد مكونات الاستراتيجية التركية الأوسع التي تشمل استعادة التعاون مع إسرائيل وتعميق التعاون الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية وقطر“.

أردوغان يتطلع لأن يكون زعيمًا وطنيًا قويًا

وبحسب تقرير مجلة ”فورين بوليسي“ يوجد لدى تركيا أيضًا بعض الأسباب المحلية لإصلاح العلاقات مع موسكو، حيث كافح أردوغان، الذي يتطلع لأن يكون زعيمًا وطنيًا قويًا، لتجاوز نسبة الـ 50 % في الانتخابات الوطنية، ويتطلب تأكيد مكانته كرجل قوي، هزيمة الجماعات الإرهابية المحلية والدولية التي أشاعت الفوضى في تركيا خلال السنوات الأخيرة، وهي بالتحديد تنظيم ”داعش“ والمقاتلين الأكراد التابعين لحزب العمال الكردستاني.

وتفاقمت المشكلة الكردية، الموجودة منذ عقود، بسبب الحرب الأهلية السورية والخلاف الأخير مع روسيا الذي دام لــ 7 أشهر، حيث تقوم موسكو بتسليح بعض الجماعات المسلحة الكردية التي تقاتل في سوريا، ويشعر الكثيرون في تركيا بأن حزب العمال الكردستاني، الذي كان له أصول ماركسية، قد ينتهي به المطاف لأن يصبح وكيلاً لروسيا، الأمر الذي سيجعل من الصعب جدًا القضاء عليه في الداخل.

وقال كاغابتاي: “ أرادت تركيا فك الارتباط بين الأكراد وروسيا، وللقيام بذلك كانوا بحاجة للتجمل مع روسيا“.

والآن أصبح تنظيم ”داعش“ أولوية كبيرة بالنسبة لتركيا بعد سنوات من الجهود التركية الفاترة لمكافحة هذه الجماعة، حيث شن الإرهابيون أكثر من 10 هجمات في تركيا، وكان آخرها التفجير الانتحاري الثلاثي الذي وقع الأسبوع الماضي في المطار الرئيسي في إسطنبول، والذي قال مسئولون أتراك إن الذي نفذه أشخاص من روسيا وأوزبكستان وقيرغيزستان. ولدى تنظيم ”داعش“ آلاف الأعضاء من روسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق، ويشير الخبراء في مجال الإرهاب إلى ما يسمى ”الكتيبة الأوزبكية“ بأنها واحدة من أشد المجموعات التابعة للتنظيم.

هزيمة تنظيم ”داعش“ المتطرف تتطلب موافقة روسيا

والمشكلة هي أنه منذ نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بعد إسقاط الطائرة الحربية الروسية، أصبحت تركيا ممنوعة من القيام بعمليات عسكرية في شمال سوريا مما يجعل من الصعب على أنقرة مواجهة تنظيم ”داعش“ في عقر داره.

وأضاف كاغابتاي: ”إذا كان أردوغان يريد ملاحقة البنية التحتية لتنظيم داعش في سوريا، فإنه يحتاج إلى مباركة روسيا، وهذا ما يجعل المصالحة التركية-الروسية أكثر إلحاحاً ”.

المصالحة التركية- الإسرائيلية تسوّق الغاز الإسرائيلي

والسؤال هو ما إذا كانت العلاقات الدافئة بين أنقرة وموسكو ستكون كافية لإحياء صفقات الطاقة الضخمة التي كانت محور الشراكة الاستراتيجية التي أعلن عنها الطرفان في أواخر العام 2014، ويشمل هذا خط أنابيب كبير لتصدير الغاز الطبيعي، يطلق عليه اسم “ التيار التركي“ من روسيا عبر البحر الأسود إلى تركيا. ويجري أيضاً إنشاء محطة للطاقة النووية تبنيها روسيا في تركيا، تقدر بقيمة 20 مليار دولار، والتي يمكن أن تساعد في تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء.

وقال تانشام إن ”روسيا بحاجة لإنهاء بناء محطة الطاقة أكيويو بوصفها دليلا للحفاظ على حصتها في السوق العالمية في مجال التكنولوجيا النووية المدنية من المنافسة القوية الصينية“.

ووقعت شركة الطاقة النووية الروسية المملوكة للدولة، روساتوم، عشرات الصفقات في جميع أنحاء العالم، من المجر إلى الأردن إلى فيتنام، ولكنها كافحت من أجل بناء محطات لتوليد الطاقة عالية التكلفة. وفي الوقت نفسه تقوم الصين ببناء المزيد من المفاعلات النووية في الداخل أكثر من أي بلد آخر. وتتطلع بقوة لأسواق التصدير.

ويُعتبر مستقبل التعاون الروسي-التركي في مجال الغاز معقدًا إلى حد ما، حيث يبدو أن مشروع ”التيار التركي“ متجهًا لتغذية السوق التركي فقط، وليس للعمل، على النحو الذي كانت تأمله موسكو، كقناة تصدير إلى السوق الأوروبية الأوسع، ولكن تركيا حاولت أيضًا الحد من اعتمادها الكبير على الطاقة الروسية وخاصة الغاز الطبيعي.

وهذا هو أحد الأسباب في أن التقارب مع إسرائيل، رفع الآمال في أنحاء المنطقة، حيث تبحث إسرائيل عن مشترين للغاز من حقولها البحرية الكبيرة للغاز الطبيعي. حيث أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الدور الذي يمكن أن تلعبه صادرات الطاقة الإسرائيلية في ترسيخ السلام في المنطقة وخاصة مع تركيا.

وقال كاغابتاي: ”أعتقد أن تركيا تعلمت درسًا بشأن الإفراط في الاعتماد على الطاقة الروسية“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com