استفتاء بريطانيا.. “قفزة في الظلام” تهدّد بتهشيم المملكة المتحدة

 استفتاء بريطانيا.. “قفزة في الظلام” تهدّد بتهشيم المملكة المتحدة

المصدر: أبو ظبي ـ عمار الجندي

سلّطت نتائج الاستفتاء على طلاق بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الضوء على حقائق كثيرة، كان بعضها خافياً وبعضها الآخر ملموسَا.

والحق أن تباين المواقف تباينا واسعاً بين هذا الجزء وذاك حيال قضية على هذا المستوى من الأهمية، يؤكد أن بريطانيا قد خطت خطوة أولى على طريق التشرذم الطويل وأن وحدتها الهشة لن تصمد أمام الأصوات التي أخذت ترتفع مطالبة بالاستقلال.

فوجئ السياسيون البريطانيون قبل غيرهم بدرجة تذمر مناطق الشمال الانكليزي من الإهمال الذي تعرضت له على امتداد عقود، مما دفعها إلى الانتقام بالتصويت لمصلحة الانسحاب من أوروبا.

ولم يكن متوقعاً أن يصوت ثلاثة ملايين ويلزي لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي بأغلبية 51.7% مقابل 48.3%، ما يجعل الانفصال عن لندن غير مطروح حالياً بالنسبة لهم.

اسكتلندا وحلم الاستقلال

بيد أن أحداً لم يستغرب إسراع نيكولا سترجون، الوزير الأول الاسكتلندي، إلى التأكيد بعيد إعلان نتائج الاستفتاء، بأن دراسة احتمالات تنظيم استفتاء حول انفصال اسكتلندا عن انكلترا، قد بدأت سلفاً وأن “الطلاق” بينهما بات مرجحاً للغاية”.

ولم تكن زعيمة “الحزب الوطني الاسكتلندي” بحاجة ماسة إلى مبرر لإجراء استفتاء ثان بعد حوالي سنتين من خسارتها استفتاء سابقاً حول الانفصال، فقد صوّت 62% من الاسكتلنديين (حوالي 5.5 مليون نسمة) يوم الخميس الماضي لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي، ما يجعل الانفصال عن انكلترا الخارجة منه، مطلباً منطقياً وعادلاً، في رأي سترجون.

لكن لندن تستطيع قانونياً منع الاستفتاء، أو تأخير إجرائه إلى حد كبير. وحتى إذا نجح الاسكتلنديون في تجاوز هذه العقبة، فإن الاتحاد الأوروبي قد يرفض منحهم العضوية، لأنه شدد في الماضي على عدم السماح بانتساب إقليم ينفصل عن دولة عضو فيه.

وربما تضطر إدنبره إلى التفكير بإمكانية البقاء في الاتحاد الأوروبي بمفردها، من دون أن تنفصل عن بريطانيا.

وهذا خيار ممكن لكن عضوية اسكتلندا المزدوجة هذه ستكون بمثابة حقل الألغام لأن الالتزام بقرارات لندن في الدفاع والسياسة الخارجية والاقتصاد لن يكون ممكناً دائماً بالنسبة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي.

ايرلندا والرغبة الصعبة

وخيارات ايرلندا الشمالية التي صوت 55.7% من أبنائها (1.9 مليون نسمة) لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي، ستكون هي الأخرى بالغة التعقيد. يرغب أبناء المقاطعة الكاثوليك، خصيصاً، بالابتعاد عن انكلترا والعودة إلى حضن الوطن الأم، جمهورية إيرلندا.

صحيح أن حزب “شين فين” الكاثوليكي، الذراع السياسي السابق لـ” الجيش الجهوري الايرلندي”، ربما يريد التذرع بالاستفتاء لنيل الاستقلال. وصحيح أيضاً أن خروج بريطانيا من الاتحاد سيجعل الخط الفاصل بين إيرلندا الشمالية وجمهورية ايرلندا، يمثل الحدود الخارجية للمملكة المتحدة مع الاتحاد الاوروبي، وبالتالي لابد من إقامة نقاط الحراسة والجمارك والتفتيش..على هذه الحدود المفتوحة حالياً، مما سيعيق حركة البضائع والاشخاص ويؤذي الشماليين.

وإذ ترفض لندن ودبلن ومعهما مواطنو ايرلندا الشمالية من البروتستانت، عودة الشمال الى جمهورية ايرلندا، ليس من الممكن تخطي رفض هؤلاء الثلاثة، في وقت قريب.

شبه جزيرة جبل طارق

وتواجه شبه جزيرة جبل طارق هي الأخرى وضعاً مستحيلاً: البقاء ضمن المملكة المتحدة والاحتفاظ بعضوية الاتحاد الأوروبي الذي صوّت95% من مواطنيها (30 ألف نسمة) للاستمرار فيه. وما إن أعلنت نتائج الاستفتاء حتى طالبت مدريد بتقاسم السيادة على المقاطعة مع لندن.

ومالم تكن جبل طارق جزءاً من الاتحاد الأوروبي قد تعمد إسبانيا إلى إغلاق منافذ الحياة عليها لإجبارها على الاعتراف بالسيادة الإسبانية، وهو أمر يصر أبناء المقاطعة على رفضه.

هكذا يبدو الطريق مسدوداً أمام جبل طارق، كما هو أمام بريطانيا التي احتلتها قبل 300 عام حين كانت امبراطورية لا تغيب عنها الشمس.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع