الصفقة السرية التي أدت إلى فوضى العالم العربي‎

الصفقة السرية التي أدت إلى فوضى العالم العربي‎

المصدر: ياسمين عماد - إرم نيوز

أكدت مجلة ”ذي تايمز“ البريطانية، اتفاقية ”سايكس- بيكو“ هي السبب وراء ما يشهده العالم العربي الآن من حالة الفوضى والحروب الأهلية المشتعلة عبر جميع أنحاء المنطقة.

وسلط تقرير للمجلة الضوء على اتفاقية سايكس- بيكو التي تمت في سرية بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية، لتقسيم أراضي الدولة العثمانية، المعروفة في ذلك الوقت باسم رجل أوروبا المريض.

وأشار التقرير إلى أن من خطط لتقسيم الأراضي العربية التابعة للدولة العثمانية بموجب اتفاقية سايكس- بيكو عن الجانبين البريطاني والفرنسي لايمتلك الوعي السياسي والديني والقبلي للقضايا التي تبعت اتفاقية التقسيم.

وأكد أن تقسيم أراضي الدولة العثمانية الذي جاء في اعقاب انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، قد تمت مناقشته في سرية منذ 100 عام من قبل دبلوماسيين لا يملكون الوعي السياسي ولا الديني ولا القبلي للقضايا التي تبعت هذا التقسيم.

وأوضح أن السير مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، هما من خططا لتقسيم الأراضي العربية التابعة للدولة العثمانية عن الجانبين البريطاني والفرنسي، باعتبارهما رجلان وطنيان تقودهما الطموحات الاستعمارية البريطانية والفرنسية في منطقة الشرق الأوسط وخارجها، لكن نظرتهما للظروف المحيطة بالأراضي التي رسما حدودها فيما بعد كانت ضعيفة.

وظلت الدولة العثمانية ”رجل أوروبا المريض“، وظن القليل أن انتصار الحلفاء سيسمح للأتراك بحكم الأراضي الممتدة من منطقة البحر الأبيض المتوسط حتى الخليج العربي وسفوح البحر الأحمر.

وجرت المفاوضات بينهما لتقطيع أوصال تلك الأراضي على مدى شتاء عامي 1915-1916، مع الأخذ في الاعتبار مصالح روسيا القيصرية، التي كانت في ذلك الوقت لا تزال بجانب الحلفاء.

 وطالما كان بعد نظر وزارة الخارجية وتنبؤها بالمستقبل هو المحرك الرئيسي، لكن حماس النائب عن هال الوسطى والخبير في شؤون الشرق الأوسط، سايكس، قد وصل إليها. وكان سايكس يكثر من السفر إلى منطقة الشرق الأوسط قبل الحرب، وكان دائم التحدث حول الموضوعات ذات الصلة في مجلس العموم حتى حصل على لقب ”الملا المجنون“. وبعد عامين من التصديق على الاتفاق من قبل بريطانيا وفرنسا، قابله تي اي لورنس ووصفه بـ“مجموعة من الأحكام المسبقة والحدس“.

كان فرانسوا جورج- بيكو محاميًا ودبلوماسيًا، وبعد أن عمل في محكمة الاستئناف بباريس، التحق بيكو بالسلك الدبلوماسي الفرنسي في العام 1895، وخدم في كوبنهاغن وبكين قبل تعيينه كقنصل عام في بيروت، وبالرغم من مسيرته الدبلوماسية، كان بيكو عضوًا في الحزب الاستعماري الفرنسي ومدافعًا عن الانتداب الفرنسي على كل من سوريا ولبنان.

وكان الرجلان، سايكس وبيكو، لديهما نفس المظهر، ولا سيما عند ارتدائهما الكاكي، زي الخدمة العسكري، والذي لم يفارقهما خلال الحرب، وكان الاثنان طويلي القامة، هزيلا الجسد مع أكتاف ضيقة، وكان شاربهما المبعثر هو المفضل لدى الجيش في تلك الفترة.

خدم سايكس مع غرين هاواردس خلال حرب البوير، وكان قائد كتيبة الفوج الخامس (احتياطي) في العام 1914، ولم يكن مسموحًا له بأخذ كتيبته إلى فرنسا بسبب الاحتياج إلى خبرته في لندن، وكان سينتهي بيكو من خدمة تجنيده عندما كان شابًا إلا أنه لم يكن جنديا نشيطًا، وكانت المنطقة التي كانا على استعداد لتقسيمها، نظريًا على الأقل، إلى مناطق نفوذ بريطانية وفرنسية، تحت السيطرة التركية في ذلك الوقت، وجرت مداولاتهما في السفارة الفرنسية في لندن خلال الفنرة من 23 نوفمبر العام 1915، إلى 3 يناير العام 1916.

وقبل البدء بأسبوع، أطلع سايكس رئيس الوزراء، هربرت اسكويث، ووزير الخارجية، السير إدوارد غراي، على خريطة لنواياه،  قائلًا ”أود أن أرسم خط من الحرف ‘ ا ‘ في عكا إلى الحرف الأخير ’ ك’ في كركوك“.

وكان هذا التقسيم المقترح له بين مناطق النفوذ الفرنسي والبريطاني، لكن في الوقت الذي بدت فيه نقطتا البداية والنهاية دقيقتين في مناقشة مبنية على دراية وعلى أسباب قوية، لم يمثل هذا الخط سوى أفضل طموحاته الإقليمية لرؤسائه السياسيين في وستمنستر.

وعلى الرغم من التصديق على تلك الترتيبات من قبل السفير الفرنسي، بول كامبون، في 16 أيار/ مايو العام 1916، كانت تلك الاقتراحات ببساطة مقدمة إلى حكوماتهما، فلم يكن لديهما قوة قانونية

ووفقًا للاتفاقية، تحصل بريطانيا على حكم منطقة ما بين النهرين الجنوبية، كذلك الأقليم حول خليج عكا- حيفا في البحر الأبيض المتوسط، مع حقوق بناء خط سكة حديد من هناك إلى بغداد. وإقليم شرق نهر الأردن وصحراء النقب، جنوب الخط الممتد من غزة إلى البحر الميت، سيخصص لدولة عربية تحت الحماية البريطانية، أما المنطقة التي تغطي القدس وتمتد جنوبًا نحو الخط الواصل تقريبًا من غزة حتى البحر الميت، ستخضع لإدارة دولية.

وكان من المقرر أن تحكم فرنسا مباشرة القطاع الساحلي لسوريا ولبنان وجزءًا كبيرًا من منطقة الجليل في شمال فلسطين، حتى الخط الممتد من شمال عكا إلى الركن الشمالي الغربي من بحيرة طبريا. وشرقا، في المناطق النائية السورية، سيتم إنشاء دولة عربية تحت الحماية الفرنسية.

وحرصًا على ضمان نصيب عادل من مناطق النفوذ واسترضاء روسيا القيصرية، اختار سايكس وبيكو إهمال اعتبارين هامين، فقد تجاهلا النظام الإداري العثماني، الذي كان معمولًا به منذ القرن الرابع عشر، فقد قسمت الأراضي العربية إلى أقاليم، كل منها تحت حاكم تركي معه حامية عسكرية، ثم تقسيم تلك الأقاليم إلى مناطق فرعية تعكس التجمعات العرقية والدينية المحلية، وعندما سمح لهذا الهيكل بالوقوع في دائرة الإهمال طبقًا للدول الجديدة التي أسستها كل من بريطانيا وفرنسا، ظهرت على السطح عداوات قديمة وتحيزات، واندلعت أعمال الشغب التي مازالت تشهدها المنطقة إلى اليوم.

 وجاءت الاتفاقية لوفاء الحكومة البريطانية بوعدها لشريف مكة، الحسين بن علي، بالسيادة على جميع الأراضي العربية في مقابل قيادته لرجال قبيلته في حرب عصابات ضد الأتراك. ثم تم منح اثنين من أبناءه حكم  دولتين من الدول جديدة، لكن تحت الإشراف البريطاني والفرنسي. ونتيجة لهذا، بدأت ”كلمة رجل انجليزي“ تعني أقل من ذي قبل.

وفي السنوات اللاحقة، انتقدت الاتفاقية بشدة من قبل الحكومات البريطانية والفرنسية، حيث وصفها رئيس وزراء بريطانيا، دافيد لويد جورج، بعد توليه منصب رئاسة الوزراء بفترة قصيرة، بأنها ”وثيقة شنيعة وحمقاء“.

وبعد توقيع معاهدة بريست ليتوفسك التي اخرجت روسيا من الحرب في أّذار/ مارس العام 1918، وجدت الحكومة البلشفية الجديدة في بتروغراد نص الاتفاقية ونشرتها من أجل الكشف عن النفاق البريطاني.

ولم يعش سايكس ليرى الارتباك والشك الذي خلفته الاتفاقية عبر الشرق الأوسط.، فقد توفي في باريس العام 1919. لكن بيكو قد عاش حتى العام 1951، وتعتبر هذه فترة طويلة بما فيه الكفاية ليشهد في العام 1941 الغزو البريطاني لكل من سوريا ولبنان، واللتان وقعتا تحت السيطرة الفرنسية بموجب الاتفاقية، ومنع مواطني بلده فرنسا، والتي كانت تحت حكم فيشي آنذاك، من دخولها. وكان هذا الأمر هو ما سمح بمرور الجيش الألماني وتقدمه نحو مصر، لكن لم يمض وقت طويل بما يكفي لرؤيته ما يسمى بالدولة الإسلامية وإعلان الأخيرة أن الحدود التي رسمها بالتعاون مع سايكس هي حدود لاغية وباطلة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com