لماذا يتردّد بوتين في شنّ حربٍ حقيقيّة على الفساد؟

لماذا يتردّد بوتين في شنّ حربٍ حقيقيّة على الفساد؟

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

تناولت صحيفة ”نيويورك تايمز“ كيف كان لإطلاق ”أوراق بنما“ في الآونة الأخيرة، تأثيرٌ في طريقة تعاطي الأنظمة مع الفساد، بين إصلاح مؤسساتتها ومسؤوليها، أو التستر عليهم، كمقارنة بين النموذجين الصيني والروسي.

وفي عام 2012، باشر الرئيس الصيني شي جين بينغ -الذي وصف الفساد بـ“التهديد لوجود الحكم الشيوعي الصيني“- بحملة واسعة لتطهير الحزب الشيوعي ما سماه بـ“النمور والحشرات“، في إشارة إلى المسؤولين والتجار الفاسدين.

وبدءا من العام الماضي، أطاحت الحملة بمئة مسؤول بارز، من بينهم أكثر من عشرة ضباط في الجيش، وعدد من كبار المسؤولين التنفيذيين من الشركات المملوكة للدولة، وأربعة سياسيين بارزين.

بدوره، سار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على خطى شي، لكن بالرغم من أعوامه الـ17 في السلطة، لم يتم الإطاحة بأي مسؤول بتهم الفساد.

وتساءلت الصحيفة ”لماذا يتردد بوتين في إعلان حرب حقيقية على الفساد، بالرغم من استعداده لبدء الحروب العسكرية، بموازاة أن الرئيس شي وجد حملات مكافحة الفساد تلقى شعبية عالية لدى العامة؟“.

وأوضحت أن ”استطلاعات الرأي الأخيرة من مركز ليفادا المستقل في موسكو، تشير إلى أن الغالبية العظمى من الناس يرون أن بيروقراطية الدولة فاسدة ولا يمكن إصلاحها. فتجد الروايات والأفلام الروسية ممتلئة بأمثلة لمسؤولين يأخذون الرشاوى. فلماذا إذا لا يرغب الكرملين بالقيام بحملة تنظيف من الفساد، وتحديدًا في الوقت الذي سيساعد خفض الخسائر من الفساد في التعويض عن الانهيار في أسعار النفط“.

وأضافت أن ”السبب في ذلك، كما يرى الإعلام الغربي، هو أن بوتين نفسه غارق في الفساد، فمن الممكن أن يكون هذا صحيحًا، لكن نظرًا لمعرفتنا بطبيعة الفساد، فقد تعلمنا أن كون الشخص فاسدًا ليس سببًا للامتناع عن إعلان حرب على الفساد، فالعكس صحيح، لأن السياسيين الفاسدين لا يكرهون شيئًا أكثر من فساد الآخرين“.

وتابعت ”لذلك سبب تردد بوتين، سيكون أعقد من ذلك. فأحد الأسباب بالنسبة له هو أن مبادلة الاتهامات بالفساد تعد قنابل قذرة تستخدم في الحروب بين النخبة، وتسبب الكثير من الأضرار الجانبية“.

وأشارت إلى ”دراسات أظهرت أن الفساد، بالرغم من أنه يؤثر سلبًا بشكل مباشر على الفئات الفقيرة في المجتمع، إلا أنه يخص الطبقة الوسطى بشكل عام، ففي روسيا، تتكون الطبقة الوسطى بنسبة كبيرة من نفس المسؤولين المتلقين للرشاوى التي يتوجب على حملات مكافحة الفساد استهدافهم“.

وقالت إنه ”من ناحية أخرى، ما يهم في السياسة ليس مستوى الفساد، بل تصوّر الشعب لمدى تفشي الفساد في بلادهم، وفي العادة لا يكون الرابط مباشرا بين الاثنين. فتعد الحروب الصغيرة الناجحة في الخارج إحدى الأدوات الفضلى في تغيير تصور الشعب حول مدى تفشي الفساد في بلادهم بدلًا من الجهود الحقيقية لتقليله. فالارتباط لا يعني السببية، لكن في أعقاب ضم روسيا شبه جزيرة القرم لها، انخفض أعداد الأشخاص الذين يعتقدون أن روسيا تعم بالفساد لتصل نسبة 30% بعد أن كانت 50%“.

وأضافت أن ”مما يثير الاهتمام هو أن الفساد لا يقلق بوتين إلا من جانب واحد، أن يستخدمه أعداء روسيا في الخارج سلاحًا ضده. فما يقلق الكرملين ليس أن المسؤولين الروسيين فاسدون، بل أنهم ضعيفون أمام الضغوطات الخارجية، نظرًا إلى أن الممتلكات التي سرقوها موجودة في الغرب، تمامًا مثل أبنائهم. فالفساد كقانون يساعد في توحيد النخب، لكنه يجعلهم مجندين جيدين أيضًا، وفي هذا السياق، يجب أن تقلق موسكو من جهود الغرب في تنظيف الحسابات الخارجية المخفية“.

وتابعت ”لذلك لا يعد التطهير من النخب الفاسدين من أهم أولويات الكرملين. ومن المفارقات هو أن العقوبات الغربية ضد رجال الأعمال الأقرب إلى الرئيس الروسي، ساعدت في تبرئة القلة الروسية الحاكمة الكثرى فسادًا“.

ونوهت إلى أن ”أهم أسباب تردد بوتين في إعلان الحرب على الفساد، أيضًا، هو أن أي حملة لمكافحة الفساد ستلهم الجمهور للمطالبة في التغيير. فهو لا يؤثر فقط على الغضب الشعبي، بل على طموحاتهم أيضًا. وهذه المطالب هي أكثر ما يخيف الكرملين“.

واختتمت الصحيفة، تقريرها، بالقول: ”لهذا السبب فإن الحكومة الروسية على استعداد للاعتراف بانتشار الفساد في كل مكان، فأقوى البروباغندات لن تتمكن من إقناع الناس بعكس ذلك. لكن الحكومة تحاول الترويج لفكرة أن الفساد أسلوب حياة وبالتالي هو ظاهرة طبيعية“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com