الغوطة الشرقية.. تجربة فريدة للجماعات الإسلامية المقاتلة في سوريا

الغوطة الشرقية.. تجربة فريدة للجماعات الإسلامية المقاتلة في سوريا

المصدر: إرم نيوز- حنين الوعري

استعرض تقرير لمؤسسة كارينغي للسلام في واشنطن، تجربة الجماعات الإسلامية في سوريا، مسلطا الضوء على تجربتها في الغوطة الشرقية، المحاذية للعاصمة السورية دمشق من الشرق.

اعتبر التقرير أن ريف الغوطة من أقوى معاقل المعارضة المسلحة، وأخطر الجبهات على العاصمة، في حال تأرجح نظام بشار الأسد، وذلك لثبات قوى المعارضة العسكرية فيها، إضافة إلى تبلور نظام سياسي في الغوطة تابع لتلك القوى.

ورأى تقرير ”كارينغي“ أن ”سيطرة تنظيم جيش الإسلام على المنطقة، وإدارته لفصائل المعارضة المنضوية تحته، والمتحالفة إلى جانبه، عبر مجلس قضائي موحد، عمل على لم شمل السلفيين في مواجهة الأسد وقواته النظامية“.

ولفت التقرير إلى أنه ”منذ العام 2011، شكلت مدينة دوما عاصمة شكلية للثوار داخل قطاع الغوطة الشرقية، إذ يأوي إليها آلاف المقاتلين“، منوها إلى أن ”نظام الأسد اضطر إلى تكريس موارد هائلة للقتال في المنطقة؛ ما أنتج خسائر فادحة بينه وبين جيش الإسلام“.

وواصل التقرير بقوله ”بدت مظاهر الدمار واضحة نتيجة لسنوات طويلة من القصف المدفعي والجوي في المنطقة، بالإضافة إلى سلسة من الهجمات بغاز الأعصاب عام 2013، إلا أن ثوار الغوطة الشرقية، تمكنوا من صد هجمات الحكومة لأكثر من أربع سنوات؛ ما يشير إلى صلابة موقف المعارضة، ووجود نظام فريد من نوعه، يعمل بناء على تنسيق وإدارة تحت رعاية أحد أقوى فصائل المتمردين في سوريا“.

سيطرة جيش الإسلام

ووفقا لتقرير ”كارينغي“ يعتبر جيش الإسلام منافسًا قويا على قائمة التنظيمات المعارضة الأقوى والأكثر انتشارًا في سوريا، بموازاة ”داعش“ و“النصرة“ نتيجة لتكتيكاته الفطنة، وتحالفاته الواقعية، وقمعه الذي لا يرحم لمنافسيه، حيث اعتبر منذ عام  2013 الركيزة الأساسية بلا منازع لدفاعات الغوطة الشرقية حسب التقرير.

وأنشئ جيش الإسلام“على يد قائده زهران علوش، الذي كان ناشطاً سلفياً منذ وقت طويل في معتقلات النظام الذي صنفه كإرهابي بعد حين، لكنه أطلق سراحه خلال قرار عفو في حزيران 2011.

السلطة القضائية الموحدة

وأشار تقرير ”كارينغي“ إلى أن فصائل المعارضة أعلنت في 24 حزيران 2014، دعمها لهيئة حكم مدني مشترك معروف باسم ”مجلس القضاء الموحد“، وأتبع إنشاءها سريعاً بإنشاء نظير عسكري معروف باسم ”وحدة القيادة العسكرية“ بقيادة علوش.

بالرغم من تأثير الفصائل المسلحة على المجلس، لم يكن مجلس القضاء الموحد تحت سيطرتها، بل أقرت جميعها بالتنازل عن السيطرة على الشؤون القانونية إلى لجنة مكونة من علماء يطبقون الشريعة الإسلامية عبر المجلس.

وترأس هذه الهيئة بضع محاكم مختصة بمناطق مميزة جغرافياً؛ إحداها في مدينة دوما شمال شرق القطاع، وأخرى في منطقة المرج في الجنوب، كما ينقسم النظام إلى عدة مكاتب تتعامل مع القانون الجنائي، وشؤون المدنيين، وقضايا وضع الأسر، مكونة جهازاً إدارياً واسعاً بشكل ما.

وكان أول رئيس للمجلس أحمد عبد العزيز عيون، الملقب بالشيخ أبو شجاع الأزهري، وقدم استقالته بعد وقت قليل من إنشاء مجلس القضاء الموحد في صيف 2014، بسبب غضبه من التعديات على صلاحياته، واغتيل بعد عام من قبل مجهولين.

قبول واسع وتنفيذ صارم

وأفاد تقرير ”كارينغي“ بأنه عند إنشاء مجلس القضاء الموحد بشكله الحالي في 2014، كان يتمتع بدعم 17 فصيلا مختلفا، ويعد جيش الإسلام أول الداعمين، لكن القائمة تضم -أيضاً- جميع الفصائل الكبرى في الغوطة الشرقية، منها الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، وفيلق الرحمن، وأحرار الشام، وجبهة النصرة المنحازة لتنظيم القاعدة، بالإضافة للعديد من المجموعات الصغيرة.

أما جبهة النصرة المنحازة لتنظيم القاعدة فكانت علاقتها مع مجلس القضاء الموحد معقدة مع فترات من الاتصال والانقطاع، حيث ألغت اشتراكها بالمجلس تقريباً مباشرة بعد إنشائه.

وأدى استمرار رفض جبهة النصرة للخضوع للمجلس إلى قيام جيش الإسلام بإصدار تهديدات صريحة تجاهها، حيث قال زهران علوش في نيسان 2015: ”لن نسمح لجبهة النصرة أو أي فصائل أخرى بإدارة أي محاكم خارج القضاء الموحد“.

ويعد جيش الإسلام أكثر الفصائل التي تتهم بالتجاوزات القانونية، إذ يقول العديد من الشهود إن قوات علوش تحتجز معتقلين سياسيين من بينهم العديد يشتبه بأنهم متعاطفون مع تنظيم ”داعش“ الذي نصب نفسه في مناطق سرية ممنوعة في الغوطة الشرقية، دون علم من هيئة القضاء المستقل. لكنها تنكر ذلك.

وبالرغم من تعقيد المشكلات السابقة تعد هيئة القضاء الموحد ضمن أكثر المشاريع الإدارية  نجاحاً في جميع المواقع الخارجة من سطوة النظام في سوريا. إذ حافظت لسنتين على مستوى عال نسبياً من التعاون بين العديد من المجموعات المسلحة والدينية والسياسية المختلفة، وأمنت حداً أدنى من القانون والنظام، وفي بعض الأحيان أتاحت للمواطنين العاديين والمنظمات المدنية رفع دعاوى قانونية على القادة العسكريين.

بالمقارنة مع مناطق النزاع الأخرى مثل إدلب وحلب التي ينشط فيها ”داعش“، يبدو أن الغوطة الشرقية أكثر استقراراً وتنظيماً إلى حد ما، كما أنه  يرجح أن تكون دفاعاتها العسكرية الأقوى والأمتن في كل سوريا.

وأرجع تقرير ”كارينغي“ الاستقرار والهيبة لجيش الإسلام، إلى تعامل علوش مع جيش الأمة من دون شفقة في 2015 حيث خدم ذلك كمثال توضيحي لناقديه. ولكن السبب الأهم حسب المؤسسة كان معرفة قادة المجموعات المتمردة لأضرار الانقسامات الداخلية.

مرحلة ما بعد علوش

بين تقرير ”كارينغي“ أنه في 25 كانون الأول 2015 ، قتل زهران علوش في غارة جوية، وتناسى جميع المعارضين المسلحين في سوريا انتقاداتهم له واجتمعوا في الثناء على قائد جيش الإسلام المغتال، ولكن مشاعر الحزن والغضب تلك كانت مشوبة بالقلق عما ستؤول إليه الأمور بعد رحيل علوش.

فكان خطر حدوث فراغ في السلطة بديهياً، إذ لعب علوش دورا أساسيا فيما يتعلق بتنظيم وهوية جيش الإسلام منذ نشأته.  فانقسام المجموعة أو تناقص تأثيرها بسرعة زائدة عن اللزوم، سيؤدي بسهولة إلى زعزعة استقرار النظام أحادي القطبية في الغوطة الشرقية.

 وإذا أصبحت الفصائل متقاربة أكثر، كما يحدث في إدلب أو حلب، ستصبح المجموعات أكثر تنافساً وأقل استقراراً ومن المرجح أن يتسلل العنف إلى النظام. فالوقت لم يكن مناسبا للاقتتال الداخلي مع وجود الأسد على مقربة مع انضمام روسيا لجانبه.

إثر ذلك، أعلن جيش الإسلام أن عصام بويضاني سيكون خليفة علوش والقائد الأعلى للمجموعة، ويبدو أن هذا كان متفقا عليه سابقاً حيث حدث دون أي انقسامات أو سقطات تنظيمية في النظام.

في أول أشهره كقائد، حافظ بويضيني على ظهور أقل من علوش، لكن جيش الإسلام تحول بوضوح إلى واجهة السياسة الإسلامية السورية، من خلال التأييد والمشاركة في مفاوضات جنيف الثالثة مع نظام الأسد. وأدى هذا إلى نشوء خلافات مع الإسلاميين الأكثر تشدداً، كجبهة النصرة، كما بدأت المجموعات المنافسة ببناء تحالفات بديلة، على الرغم من استمرار وجود هيئة القضاء الموحد.

وخلص تقرير“كارينغي“ إلى أن ارتفاع وتيرة الإضرابات متزايدة الآن في الغوطة الشرقية، مشيرا إلى وقوع عدد كبير من الاغتيالات العشوائية، بينما تقوم بعض المجموعات المتمردة في الغوطة الشرقية باتهام بعضها بالفساد وبمؤامرات القتل. لكن وحتى اللحظة لا يبدو أن أحداً منهم يرغب بالقفز نحو المجهول وترك الجبهة سهلة للأسد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com