فرنسا القدوة السيئة: تحويل العلمانية لسلاح ضد المسلمين

فرنسا القدوة السيئة: تحويل العلمانية لسلاح ضد المسلمين

المصدر: إرم نيوز- حنين الوعري وخالد الرواشدة

مع تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية المقترنة بمنفذين يعتنقون الإسلام خلال السنوات الأخيرة، تحولت العلمانية في فرنسا من مبدأ دستوري يحفظ الحريات ويصون التوازن العقدي، إلى سلاح فكري لتبرير المضايقات ضد المسلمين.

ومطلع العام الماضي 2015 عقب هجمات شارلي إيبدو التي استهدفت صحيفة ساخرة وسط باريس من قبل مسلحين مسلمين، ارتفع معدل المضايقات تجاه مسلمي فرنسا إذ وصل الأمر حدّ  اعتداء المعلمين على الأطفال في المدارس.

فالعديد من أطفال المدارس بالمرحلة الابتدائية تعرضوا إما لاعتداء جسدي من قبل مدرسيهم أو مديري مدارسهم، أو أهينوا أمام زملائهم في الصف أو تعرضوا للاعتداءات اللفظية.

وجميع تلك الحالات لم تُذكر في الإعلام الفرنسي ما عدا واحدة تصدرت عناوين الصحف ولاقت ردوداً غاضبة على مستوى العالم؛ لأن الطالب انتهى به الأمر باقتياده لمركز شرطة واتهامه ”بتأييد الإرهاب“ عند رفضه القول ”كلنا تشارلي“ وهي العبارة التضامنية التي انطلقت عقب أحداث الصحيفة.

 ولقب الطالب تشارلي بـ“الرجل السيئ“ لأنه أهان نبيه محمد -عليه الصلاة والسلام- وقال إنه يؤيد الإرهابيين. فتمت معاملته كإرهابي وأجبر على التوقيع على تصريحاته وهو بعمر ثماني سنوات. وعندما سئل لاحقاً إن كان يعرف ماذا يعني ”الإرهابي“، كان جوابه ”لا، لا أعلم“.

 لكن هذه القصة لم تحرك ساكنا لدى وزيرة التعليم، نجاة فالو بلقاسم، ذات الأصول المغاربية، حيث لم ترفض إدانة العنف الممارس من موظفي المدرسة على الطفل، على أقل تقدير، بل صرّحت أيضاً أن الموظفين تصرفوا وفقاً للإجراءات الرسمية المتبعة في هذه الحالات. وتم تأكيد هذا الموقف مرة أخرى بعد عدة أسابيع حين لفت الإعلام العالمي الأنظار نحو الترصدات الجديدة ضد الطلاب المسلمين.

في السياق ذاته، كان العديد من مديري المدارس والمدرسين استخدموا حظر ارتداء الحجاب في المدارس العامة عام 2014، كذريعة لمطاردة الفتيات المسلمات اللاتي يرتدين ملابس أشير لها أنها ”طويلة جداً“ لتعتبر من الرموز الدينية.

ورغم حالة التمييز الديني هذه، التزمت وزيرة التعليم بتأييد موقف موظفي المدرسة لـ“ تصرفهم الحكيم“. في نظرة للمسلمين كمواطنين من الدرجة الثانية وغير جديرين بحقوق الإنسان، ولا الحرية الدينية. حسبما تناولت صحيفة ”ميدل إيست آي“ في تقريرها.

ففي الكلمة الافتتاحية لصحيفة ”نيويورك تايمز“ في الأول من أيار العام الماضي كتب رئيس التحرير“يجب على المسؤولين والمدرسين الفرنسيين التوقف عن استخدام ولائهم المزعوم للعلمانية، وهو قانون صدر عام 1905 ينص على الحياد الديني للدولة، كذريعة لفرض هويتها على الناس من الخلفيات المختلفة“.

وتبقى عدم قدرة النخب الحاكمة في فرنسا والغرب عموماً، على اعتبار المواطنين المسلمين أبناء وطن بدلاً من النظر لهم على أنهم مجموعة مريبة، في أفضل الأحوال،  يجب بقاؤهم بعيدين أو في أسوأ الأحوال يجب معاملتهم كأعداء، يشكل تحديا للمجتمع لا يمكن التقليل من شأنه أكثر.

ويأتي هذا التحدي من تحول التهديدات الإرهابية إلى أمر اعتيادي  يومي. وبالتحديد لأن الانقسامات وتغذية الشقاق لن يساعدا أي دولة في حل خلافاتها، كما أثبت التاريخ.

فيسهل الإشارة لعقيدة المواطنين المسلمين والزعم بوجود رابط بينها وبين التطرف. لكن بالنظر للهجمات الأخيرة في باريس وبروكسل نجد أن منفذي الهجوم كانوا أبعد ما يمكن عن كونهم مسلمين متدينين، أو عن معرفتهم بتعاليم الدين الذي يزعمون أنهم تصرفوا باسمه. فعندما نفذوا الهجوم لم يفرقوا بين ضحاياهم، فكان المسلمون وغيرهم سواسية بنظرهم.

والحال مشابهة في فرنسا للحال في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، فبدلا من تقبل تعقيد التطرف والذي لا نملك حوله أي دراسات تجريبية،  يستمر أصحاب المناصب العامة بالتوجه نحو الضغط من أجل وضع جدول أعمال يركز على الأمن، من خلال وصم الأقلية المسلمة بالنظر لهم ليس على أنهم ضحايا الإرهاب الرئيسون بل المتصلون الرئيسون به. متجاهلين أن الإرهاب في الحقيقة جاء نتيجة ثانوية للتدخل الغربي في العراق وليبيا والحرب بالوكالة التي تحدث في سوريا، أما بالنسبة لفرنسا فكانت تتعرض لهجمات داعش بالتزامن مع إسقاطها للقنابل على سوريا.

مهّد خطاب ”نحن ضدهم“ لانتهاك المبادئ الرئيسة للديمقراطية الغربية، وحقوق الإنسان، وللقيم المتطورة ولتقبل فكرة أن أي مبادئ نحملها ليست إلا شعارات نتغاضى عنها في أوقات الأزمات.

وكتب الفيلسوف الفرنسي إيميه سيزار في كتابه ”خطاب عن الاستعمار“ ”الحضارة التي تستخدم مبادئها للغش والخداع حضارة تموت.“

فالمسلمون الغربيون ومنهم مسلمو فرنسا التي أصبحت بلدهم مختبرا ”لرهاب الإسلام“ كما كانت من قبل مختبراً لمعاداة السامية في ثلاثينيات القرن الماضي، هو مؤشر واضح على ما تفعله الديمقراطيات الغربية المزعومة على حد تعبير ”ميدل إيست آي“.

فالتوجه الحالي نحو الأنظمة الاستبدادية، وازدياد الخطاب الفاشي ليس في الولايات المتحدة الأمريكية فحسب بل أيضاً في أوروبا، وتقبل أنظمة الإقصاء أمثال حالة الطوارئ الحالية في فرنسا، والنيابة العامة الوقائية في الولايات المتحدة الأمريكية أو قدرة حكومة المملكة المتحدة على ترحيل الأفراد أو سحب الجنسيات أثناء تواجد المواطنين في الخارج، كلها أمور علينا أن نقلق إزاءها؛ ليس لأنها تطبق على أفراد من الممكن أن نختلف معهم بل لأننا نترك للحكومات وحدها أخذ القرار دون أي مساءلة وبغض للنظر عن  تعريض الأقليات لضغط متزايد. ولأنه عند استحداث سابقة قانونية فأنت ملزم باعتمادها مرجعا قانونيا ولا سبيل لك لتتراجع عنها.

فالعلمانية هي مبدأ دستوري يمنح فرنسا الحياد الديني ويلغي وجود أية ديانة رسمية للدولة. وبإعلانه عام 1905 تم فصل الدين عن الدولة بشكل واضح. إلا أن فرنسا، عادت لتوجيه نقاشات عنيفة عن المسلمين.

كان مبدأ العلمانية نادراً ما يناقش، إلى أن أصبح المهاجرون المسلمون -والذين كانوا في السابق أقلية غير ملاحظة في المجتمع- جزءاً واضحاً من المجتمع الفرنسي. ففي البداية أصبحوا غير متقبلين لمعاملتهم بشكل غير منصف في مصانع السيارات ومواقع البناء وبالتالي توجهوا للإضرابات في بدايات الثمانينيات. أما في المرة الثانية فكانت عندما تظاهر أبناؤهم أو كما يسمون ”الجيل الثاني“ ضد العنصرية، ووحشية الدولة، ومن أجل كرامتهم كمواطنين كاملي الحقوق. وبعد بضع سنوات، أصبحت العلمانية موضوعا للمناقشات الساخنة واستخدمت لمنع الفتيات المسلمات اللائي يرتدين الحجاب من دخول المدارس.

فتحولت العلمانية من مبدأ دستوري إلى أداة فكرية لاستبعاد رؤية معالم الإسلام في المدارس العامة. فالحرب التي بدأت منذ نهاية الثمانينيات ما زالت مستمرة إلى اليوم، ويتم استغلال العلمانية لتبرير المضايقات تجاه النساء المسلمات.

في عام 2004 وأثناء رئاسة جاك شيراك، أقرت حكومة ”رافارين“ مشروع  سن قانون  ينتهك مبادئ العلمانية بشكل صريح من خلال فرض الحيادية الدينية على الأفراد الذين يستخدمون الخدمات العامة، مستخدمين شعارات أمثال ”دع الدين للمنزل“. وعدد قليل من الأفراد أثاروا مخاوف من أن مبدأ العلمانية يتم استخدامه لمخالفة العلمانية. حيث تم خرق أحد حقوق الإنسان الأساسية مثل الحرية الدينية، وأصبح ذلك مألوفا بعد تشويه صورة النساء المحجبات لسنة كاملة، وعلى مستوى أوسع تم تشويه صورة ممارسي التعاليم الإسلامية بشكل علني.

وفجأة، أصبحت عدة مئات من حالات النساء المحجبات يشكلن تهديدا على الهوية الفرنسية، والعلمانية وحتى الأمن الفرنسي. فلم تعد تلك النساء مجرد أناس يمارسون تعاليم دينهم بل تحولوا لجزء من مؤامرة إسلامية دولية للسيطرة على البلاد.

أما في وقت سابق في 2003 حذرت منظمة ضد الكره الجماعي للإسلام في فرنسا ”CCIF“ من أن سن قانون يمنع ارتداء الحجاب في المدارس سيفتح الباب لسلسلة من القوانين المنتهكة لحقوق الحرية الدينية للأفراد. وللأسف كانت المنظمة محقة.

وفي 2009، أرسل وزير التعليم في ذلك الوقت لوك شاتيل، تعميما وزاريا يمنع أمهات الطلاب المسلمين من مرافقة أبنائهن في رحلهم المدرسية. فبعد منع دخول الطالبات المحجبات استخدم مبدأ العلمانية لاستبعاد الأمهات أيضاً.

لكن أكبر الأمثلة على التناقض السياسي كان عدم تدخل أي من الحركات النسوية المنتشرة من أجل مساندة امرأة بعد إقالتها من الحضانة التي تعمل بها نتيجة  لقراراها بارتداء الحجاب، حيث كانت تحارب وحدها ضد الحكومة وإعلام الدولة المنحاز. وتم استبدال المبدأ العلماني وآراء المختصين الدوليين الذين أعربوا عن قلقهم  تجاه الأسئلة المرفوعة حول طريقة معاملة المسلمين في المجتمعات الغربية، مقابل أفكار أفراد مندفعين فكريا.

فكان من المفترض أن تمنح العلمانية حريات دينية، لكنها بدلا من ذلك تستخدم للتضييق على الحريات الدينية. فبعد حظر ارتداء الحجاب في المدارس، يوجد توجه لحظر ارتدائه في الجامعات والمواصلات العامة وحتى في الأماكن العامة.

ويعد المسلمون أول الضحايا نتيجة لتلك المبادئ الدستورية وحكم القانون. لكن طال الاستخدام المنحرف للعلمانية مجتمعات أخرى بشكل سريع منهم اليهود الفرنسيون، الذين يعملون على ترك البلاد الآن، ليس بسبب زيادة المعاداة للمسلمين الشبيهة بمعاداة السامية القديمة، بحسب ما تقوله الحكومة ومجموعات الضغط، لكن لأن العلمانية بحد ذاتها أصبحت لا تطاق.

حتى المؤيدون للعلمانية“ الصعبة“ وجدوا أنها أعطت نتائج عكسية ضدهم. فبعد موافقتهم على استخدام مبادئ العلمانية ضد المسلمين، كان عليهم طلب إيقاف هذا التوجه العدواني للعلمانية بعد مطلبات بإزالة مشاهد ”مهد المسيح“ من المدارس والتشكيك في شرعية  العطل المعتمدة على التقويم المسيحي.

بالرغم من عدم التطبيق الصادق للفكرة مع وضوحها، لم يتأثر أي من النخب الفرنسيين، حيث ما زالوا يؤمنون بضرورة تهميش المسلمين من أبناء بلدهم.

عقب الهجمات التي استهدفت العاصمة الفرنسية باريس عام 2015 في كانون الثاني و تشرين الثاني، تم استخدام المسلمين مجددا لتبرير الإجراءات الأمنية المتشددة التي أحالت الدولة الفرنسية إلى دولة بوليسية مكتملة الملامح، حيث لم يتم هدر الكثير من الوقت في الحداد الوطني وذلك من أجل الإسراع للحصول على مكاسب سياسية.

لقد انخرط اليمين واليسار الفرنسي في تنافس سياسي شديد على من سيكون الأكثر تشدداً مع الإرهابيين والمسؤوليين المباشرين وغير المباشرين في تعاونهم مع الإرهاب من المسلمين، حيث جاءت عبارة رئيس الوزراء الفرنسي مانيول فاليس ”العدو بيننا“ لتجعل من هذه الإجراءات الأمنية ضرورة لا غنى عنها وذلك بغية إقامة شبكة رصد ومراقبة ضخمة،  لحث الفرنسيين على التخلي عن مبدأ الخصوصية أو بالأحرى نسيان التوازن الضروري بين السلطة و الشعب.

في المقابل، تواجد العديد من المسلمين بين الضحايا بالإضافة إلى مسلمين آخرين لعبوا أدورا بطولية في إنقاذ الأرواح إذ إن استهداف الضحايا من قبل الارهابيين كان عشوائياً وغير خاضع لتمحيص الهوية الدينية .

وفي سياق التحضيرات لتمرير مسودة القرار الجديد الذي سيجيز إقرار قوانين قمعية شديدة تعمل على تبرير عمليات المراقبة للمواطنين الفرنسيين ووضع حد لمصطلح الخصوصية، تم وصف المسلمين الفرنسيين بالطابور الخامس، وتم الإشارة إليهم بأنهم هم ”العدو“ الذي يسكن ”بيننا“ من قبل آخرين وذلك في عبارة تعني أن المسلمين يمثلون الارتباط الواضح مع ”الفاشية الإسلامية“ و هو المصطلح الذي يعجز الجميع عن تحديد ملامحه بوضوح.

واصطدمت مسودة قانون المراقبة واسعة النطاق بمعارضة قوية من قبل منظمات حقوق الإنسان والصحفيين الذين رأوا فيه طريقة لإضفاء الصبغة القانونية والتشريعية على جميع إجراءات مكافحة الإرهاب إلا أن معارضتهم باءت بالفشل، فقد عاشت الدولة الفرنسية حالة ذهول وصدمة عقب الهجمات الإرهابية في كانون الثاني، ولم يأخذ أي عضو من أعضاء البرلمان الفرنسي ما عدا قلة قليلة لا يعتد بها من النواب المستقلين بعين الاعتبار الأثر المترتب على إقرار هذا القانون.

ومنح الإدعاء القائل إن هذا القانون لا غنى عنه في مكافحة الإرهاب كافة الذرائع لانتهاك كامل وممنهج لخصوصية أفراد الشعب، فمن بين الأشياء التي ستصبغ قانونياً، التسجيل العشوائي والواسع  للمكالمات الهاتفية التي يجريها المواطنون وتخزين البيانات الدقيقة للمتحدثين والبحث في السجل التاريخي لمتصفحات الويب وتعقب المشتريات التي تتم عبر الإنترنت وتعقب الهوية الدولية لمشتركي الهاتف المحمول والتنصت على المكالمات الأرضية وتجاوز أحكام القضاء سواء قضت بالتحفظ أو الإفراج ونزع أي سلطة مرجعية على عمليات المراقبة.

إن كافة الانتهاكات التي قامت بها وكالة الأمن القومي الأمريكية خلال استخدامها لقانون وطني يشدد الرقابة على المسلمين أصبحت الآن جزءاً من القانون الفرنسي.

وعند سؤاله عن أسباب هذا الانحراف في التشريع، أجاب رئيس الوزراء “ مانيول فاليس“ بقوله ”الأمن هو الحرية الأولى“، وهي العبارة التي تطابق حرفيا ما نطق به عضو اليمين المتطرف المعروف ”جين ماري لو بين“ في منتصف ثمانينيات القرن الماضي .

وعقب هجمات تشرين الثاني من ذات العام، أعلن الرئيس الفرنسي ”فرانسوا أولاند“ حالة الطوارئ في البلاد والتي كان من المفترض ان تدوم لمدة اسبوعين فقط . فبدلاً من أن تراجع الحكومة نفسها حول أسباب فشلها في حماية مواطنيها مرتين في فترة لا تتجاوز 11 شهراً، اندفعت الحكومة بعيداً وسعت نحو المزيد من السلطات والنفوذ وذلك لقمع من رأت فيهم الارتباط بالهجمات الإرهابية، أي قمع المواطنين المسلمين العاديين الذين سيدفعون ثمن كل ما جرى .

حيث نفذت عشرات المداهمات غير القانونية على بيوت ومحال ومساجد المسلمين . من جانب آخر، فشلت جهود ”جمعية مكافحة الإسلاموفوبيا في فرنسا “ في صراعها مع الحكومة لتجنيب المسلمين المزيد من عمليات الاستهداف،  فلعدة أسابيع أصبح المسلمون هدفا للإساءة والإهانة من قبل قوات الامن المدججة بالسلاح وذلك في الوقت الذي كانت تتفاخر فيه الحكومة بإجراءاتها الحازمة في مكافحة الإرهاب.

ولم يتلق المسلمون أي دعم ومساندة أثناء تعرضهم للمداهمات والاستهداف المتتالي،  فرغم الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو والتغطية العالمية المكثفة لعمليات الإساءة ضدهم إلا أن الشعور العام المنتشر كان يشدد على أن ما يجري ”كان ضرورياً، ويجب على الحكومة أن تفعل شيئا حياله ”. و لكن الصواب يقضي بأن تتصرف الحكومة في مثل هذه الظروف بطريقة صحيحة .

و بعد فراغها من استهداف المسلمين، التفتت الحكومة إلى خصومها من أعضاء مؤتمر الأطراف الـ21 التابع للأمم المتحدة المعني بأمور المناخ الذي يعقد في باريس، حيث تم تنفيذ سلسلة من المداهمات الاستباقية ضد عدد من علماء المناخ وتم وضع بعضهم رهن الإقامة الجبرية دون وجود أي دليل على انتهاك أي قانون، أي بالضبط كما جرى مع نظرائهم المسلمين منذ عدة أسابيع خلت.

بعد إعلان حالة الطوارئ لمدة اسبوعين و تمديدها لأربعة أشهر أخرى، أقرت الحكومة قانوناً جزائياً جديداً يزيد من الصلاحيات الممنوحة للمدعي العام ويخفف من أحكام القضاء القاضية بالإفراج أو التحفظ  ويمنح صلاحيات قضائية واسعة النطاق. و مرة أخرى تم إجراء هذه التعديلات تحت ذريعة محاربة الإرهاب، ففي الوقت الذي يتم فيه ربط الإرهاب دائماً بحضور المسلمين، وعند غض النظر عن كون فرنسا تمتلك أكثر قوانين مكافحة الارهاب شدة وغلظة، لا يملك القضاة والمحامون المعنيون بمحاربة الإرهاب إلا أن  يصفوا هذه التعديلات بأنها ”عديمة النفع و خطيرة“ حيث أعلن رئيس نقابة محامي باريس أنه ”يمكن تأسيس الديكتاتورية في فرنسا في غضون أسبوع واحد فقط“ .

ومجدداً لا تشكل آراء الخبراء في هذا المجال أي قيمة لصانعي السياسات في فرنسا، فلقد سهلت صياغة العدو المسلم الداخلي والتي استمرت لعقد من الزمان، فيما يتعلق بتغيير القانون وانتهاك الدستور والثوابت القيمية.

بينما انتقد وزير الدفاع والأمن القومي وأجهزة الاستخبارات الداخلية والخارجية، لجوء الحكومة إلى العقلية الأمنية فقط كحل في تعاطيها مع ملف الإرهاب، حيث وجهوا لها نداءات باتخاذ منهجية شاملة للوقوف على الجذور الاجتماعية للتطرف، إلا أن الحكومة استمرت في مشروعها ليس فقط في تمديد حالة الطوارئ بل أيضاً في إجراء تعديلات دستورية.

وسيشمل التعديل الدستوري إعلان حالة طوارئ دائمة وتجريد الإرهابيين الذين ثبت تورطهم بأعمال ارهابية من الجنسية الفرنسية في حال امتلاكهم جنسية أخرى. يعد تجريد المواطنين الفرنسيين من جنسياتهم مشروعاً قديماً تبناه اليمين المتطرف حيث تم تطبيقه إبان حكومة فرنسا الفاشية التي تعاونت مع النازيين الألمان وأثار مشروع سحب الجنسية غضباً عارماً بين منظمات حقوق الإنسان وأدى إلى انقسام داخلي في صفوف الحكومة، ويعود ذلك لتشكيله نوعين من المواطنين. فحين يتم ارتكاب ذات الجريمة، فإن المواطن الذي يحمل جنسية فرنسية فقط لن يتم معاقبته بهذا البند على خلاف المواطن الذي يحمل جنسيتين اثنتين.

في المقابل، لم يتم توجيه هذا المطلب بحق الموظف الفرنسي ”ماوريس بابون“ الذي تمت ادانته عام 1998 بجرائم ضد الإنسانية لمشاركاته في إرسال ما يزيد عن 1600 يهودي فرنسي إلى معسكرات الاعتقال النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

ولم يتم طرحه ولا تبنيه عندما حاولت المنظمة اليمينية المتطرفة قلب نظام الرئيس الأسبق شارل ديغول، ولم يتم إشهاره في وجه التنظيمات الفرنسية الإرهابية، منها: باسك أو كورسيكان اللتان قتلتا        و نهبتا باسم أيدولوجيتها الانفصالية .

ولكن تغير المشهد الإرهابي هذا المرة، ورط الفرنسيين من أصول مهاجرة في أعمال الإرهاب. فقد تم طرح هذه القضية والدفاع عنها باستماتة من قبل “ أولاند “ و ”فالس“ اللذين حظياً بالدعم من قبل اليمين واليمين المتطرف والوسط . فقد تلخصت الفكرة أن أولئك الإرهابيين لا يستحقون الانتماء للأمة الفرنسية وعليه فيجب تجريدهم من جنسياتهم . رغم أن القانون الجزائي الفرنسي يسمح بذلك قبل إجراء التعديل إلا أن الفريق التنفيذي أراد وضعه في الدستور .

وبعد أسابيع من إعلان حالة الطوارئ وانتهاك حقوق المواطنين المسلمين، لم تكتف الحكومة الفرنسية بذلك بل ذهبت بعيداً جداً إلى حد الانسحاب من الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان تحت مزاعم الضرورة في مكافحة الإرهاب.

تم وضع  المبادىء الدستورية والحريات الدينية وحقوق الإنسان والمساواة بين المواطنين موضع التحدي من قبل العديد من الحكومات الغربية وذلك لتقييد حقوق المواطنين المسلمين، فإما إن نصدق أن قيمنا وسيادة القانون التي  تتطلب الحصول عليها قروناً من النضال أو نعتقد أنها ليست إلا مجرد شعارات لا تستحق الدفاع عنها.

وتشكل أوضاع المسلمين في فرنسا حالياً مؤشراً على مدى الحرية في البلاد، ولكن هذا لا ينطبق على فرنسا فقط . ففي الولايات المتحدة الامريكية، لا يتردد ”دونالد ترامب“ أو ”تيد كروز“ أو من شابههم، في الدعوة إلى حقبة فاشية تتسيد فيها الإجراءات القمعية ضد المواطنين و ذلك فقط لالتزامهم الحقيقي أو المفترض للدين الإسلامي. إن أحد المنادين بهذه الدعوات المتطرفة وصعبة التطبيق سيدخل البيت الأبيض في النهاية وسيعمل على تحجيم المبادئ والقيم الانسانية بتلك الخطابات المتطرفة،  لتصبح مجرد شعارات ولتصبح ذريعة ومطية للتنظيمات الإرهابية مثل داعش والقاعدة وسيستغلونها في دعاواهم التحريضية حيث سيقولون ”إنهم يهينونكم، تعالوا لتحاربوا من أجل كرامتكم ومن أجل العدالة“.

في الثلاثين من شهر آذار ورغم الخطاب الليبرالي العنصري في فرنسا والذي يؤجج الإسلاموفوبيا، إلا أن المجتمع المدني حقق مكاسب كبيرة ضد إدارة ”فرانسوا أولاند“ و“فالس“. فبعد أربعة أشهر من التعبئة والخطابات العامة والحملات على الإنترنت والتجمعات وبناء التحالفات، ينتشر حالياً اعتقاد له ما يبرره وذلك  لرؤية الرئيس الفرنسي يلقي خطاباً أعلن من خلاله عن تخليه عن مشروع التعديلات الدستورية. إن أراد الإرهابيون حرباً أهلية في البلاد الغربية وإن نحت الحكومات تجاه مذهبها القديم ”فرق تسد“ و ذلك من أجل مكاسب سياسية، فإن هذا النصر الذي حدث يجب أن يلهم الجميع حول العالم .

وتختم الصحيفة (النيويورك تايمز)، إن سمحنا بانتهاك قيمنا وأن يتم التلاعب بالقوانين وذلك فقط لأننا لا نحب شخصاً ما أو جماعة ما، إذن نحن نوجد سابقة خطيرة ستكلفنا أبهظ الاثمان. تقع على عاتق المواطنين مسؤولية كبيرة فلا يجب عليهم إهمال ما تقوم به الحكومات من ”شيطنة“ لجماعات أخرى من المواطنين بحيث يتمكنون بذريعتهم فرض إجراءات خطيرة .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة