رسائل أمريكية ملتبسة للشرق الأوسط رافقت تسريبات ”وثائق بنما“

رسائل أمريكية ملتبسة للشرق الأوسط رافقت  تسريبات ”وثائق بنما“

المصدر: خاص - إرم نيوز

مثل الكثير من التسريبات الصحفية والقنابل الصوتية المشغولة بحرفية الإعلام الحديث، والتي لا تلبث أن تتكشف بعض طبقاتها السفلية عن حروب مخابراتية في العتمة، فإن ما يعرف مختصراً باسم ”وثائق بنما“ بشأن شركات وأموال ”الأوفشور“، يواجَه الآن في ختام أسبوعه الثاني شواهد اتهامية متراكمة على أنه الحق الذي يراد في بعضه باطل“.

وصحيح أن كشف تلك الوثائق يعدّ جهداً اختراقياً مثيراً، لمؤسسات وأموال مارست فساداً عابراً للقارات، لكن النشر الانتقائي لبعض الأسماء وتجاهل أسماء أخرى يتحول في أعراف النزاهة إلى فساد إعلامي وتجيير مخابراتي لمصالح سياسية واقتصادية تستحق الرصد والمتابعة.

وإلا لماذا في منطقة كالشرق الأوسط، مثلاً، تعمدت مجموعة ”الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين“، أن تكتفي في هذا التوقيت من أزمات المنطقة بنشر حوالي 6 أسماء لسياسيين حاليين وسابقين وإغفال الإشارة إلى عشرات الأسماء الأخرى التي يعرف كل من له صلة بالموضوع أن لديهم شركات ”أوفشور“ بنفس الملفات ؟

ذلك هو السؤال المتناقل حالياً بصوت منخفض في الغرف الجانبية بالعديد من قصور الرئاسة والحكم في دول المنطقة، التي تتابع مستجدات الموقف الأمريكي من الأزمات والحرائق المتوسعة في الشرق الأوسط، وتجتهد في قراءة الرسائل الإعلامية التي جرى تمريرها للقيادات في سياق قضية ”وثائق بنما“.

وسجل مدير مركز ”الدراسات الأمريكية والعربية“ في واشنطن د. منذر سليمان، في هذا الاتجاه مشاعر ريبة يتشارك فيها العديد من المعنيين فعلاً بالأمر والذين – كما قال – لم يخفوا شكوكهم في ”اليد الخفية لأمريكا“ التي تقف وراء انتقائية الأسماء المراد الضغط عليها في توقيت سيساسي ملتبس.

وكان موقع ”ويكيليكس“ صاحب التجربة والخبرة في لعبة التسريب، قد أشار بوضوح بموقع ”تويتر“ إلى أن قرصنة وتسريب ”وثائق بنما“ جاءت بترتيب من الأجهزة الأمريكية وبرعاية شبكة مؤسسات وشخصيات مرتبطة بهذه المصالح.

لكن الدكتور سليمان كان أكثر تحديداً في تسمية ممولي هذا الجهد الاختراقي والاستقصائي الذي جرى توظيفه لدعم ”المؤسسة الحاكمة الأمريكية“،ومنهم: ”مؤسسة فورد الوقفية؛ صندوق الإخوة روكفلر؛ صندوق عائلة روكفلر؛ صندوق كارنيغي؛ صندوق الثري وورين بافيت؛ اتحاد الجالية اليهودية جورج سوروس؛ ستيفن ميردوخ؛ وغيرهم.

ووصف د. سليمان أن مجموعة ”الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين“، التي جرى وضع الوثاق بين يديها، وجندت لفرزها بشكل سري حوالي 400 صحفي بعضهم من الشرق الأوسط، بأنها مؤسسة ذات هوية غامضة وتعرف عن نفسها بأنها ”ذراع لمركز الشفافية العام“ ومقره واشنطن.

وأثار إعلان المؤسسة أنها لن تنشر كامل الوثائق المسربة ريبة كبيرة لدى طيف واسع من المتابعين، إذ إن الانتقائية في النشر تطعن في النزاهة الصحفية، وهو الأمر الذي كانت تجنبته ”ويكيليكس“ عندما التزمت بنشر كل ما حصلت عليه من وثائق سرية أمريكية، وجعلها تطعن بوضوح وقطعية في نزاهة الأهداف السياسية التي تقف وراء انتقائية الأسماء المراد نشرها.

يشار إلى أن كلاً من روسيا والصين تحدثتا عن موضوع الانتقائية السياسية، في الوثائق التي جرى الترويج لها من بين 11 مليون وثيقة تم تسريبها، كذلك ذهبت بعض النخب الفكرية الأمريكية لأبعد من ذلك في تشكيكها بأهداف توقيت نشر هذه الوثائق التي قرصنت قبل أكثر من سنة، لافتين إلى أن التوقيت الراهن يتزامن ويخدم مرشحة الحزب الدمقراطي للرئاسة الأمريكية هيلاري كلينتون، كما يخدم جهود الرئيس أوباما لتطبيق الإفصاحات الضريبية على الأفراد والشركات التي تنوي نقل أعمالها خارج الولايات المتحدة، للتهرب من الضرائب.

وأشار المفكرون إلى أن الولايات المتحدة عينها أضحت الملاذ المفضل للاستثمارات والأرصدة الأجنبية، منذ زمن بعيد، حيث يعتبرها البعض ”جنة ضرائبية“ للمستثمرين عبر العالم، نظراً لقوانينها وشروطها الميسرة، وأنها ترحب رسمياً بنقل الأموال إليها ”دون أدنى مساءلة،“ وتحميها بجدار قوي من السرية الضرائبية، لا يتوافر في أية منطقة أخرى من العالم؛ ما يعني أن الأموال التي ستهجر بنما وبقية الملاذات الضريبة التي تتعرض الأن للتشهير ستجد ملاذاً آمناً جديداً في الولايات المتحدة الأمريكية.

وتمثل التساؤلات عن الأهداف الاقتصادية الخفية لقرصنة ونشر وثائق بنما – رغم ما فيها من جهد يحظى بتقدير الكثيرين – شكوكاً تشاركت فيها طوال الأسبوعين الماضيين، أطراف عديدة ومن زوايا ومصالح متفاوتة، لكنها المرة الأولى التي تذهب فيها التحليلات صوب الشرق الأوسط لتقصّي الأهداف السياسية الخفية للأجهزة الأمريكية من انتقاء أسماء سياسية بعينها، وتحديداً من دول ومواقع صديقة، والضغط عليها إعلامياً في سياقات مشهد إقليمي حاصل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com