لماذا بروكسل تحت النار؟

لماذا بروكسل تحت النار؟

المصدر: خاص - إرم نيوز

اهتزت مدينة بروكسل على وقع ثلاثة انفجارات أودت بحياة العديد من الأشخاص يوم أمس الثلاثاء، وتشير كافة الدلائل على وجود عمل إرهابي منسق تم تبينه من قبل تنظيم داعش.

وتقول صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في تقرير لها حول هذه الهجمات إنه برغم أن الأحداث تبدو صادمة، إلا أن من يراقب بروكسل على مدى السنوات القليلة الماضية سوف يدرك أن ما حدث ليس صادماً، ففي حين كانت تعد بروكسل عاصمة للثقافة والسياسة في أوروبا فقد تغيرت صورتها على وقع ارتباطها بخيوط التطرف ومخططات الإرهاب.

وتعتبر الصحيفة أنه تم القضاء على بعض من خيوط الإرهاب في بلجيكا الأسبوع الماضي وذلك عندما ألقت السلطات أخيراً القبض على أحد المشتبه بتورطهم بجرائم متعلقة بالإرهاب ”صلاح عبد السلام“ في مقاطعة مولنبيك في أحد الأحياء التي يقطنها المسلمون بمدينة بروكسل.

ويعد عبد السلام (26 عاماً) المواطن الفرنسي المنحدر من أصل مغربي آخر المسلحين الذين بقوا على قيد الحياة ممن نفذوا هجمات إرهابية في باريس في نوفمبر من العام الماضي، والتي خلّفت 130 قتيلاً وتم تبني الهجوم من قبل داعش لاحقاً.

ولد صالح عبد السلام في مدينة بروكسل، وانتقل للعيش في مقاطعة مولنبيك برفقة عائلته بمن فيهم شقيقه البالغ من العمر 31 عاماً، إبراهيم الذي كان أحد المشاركين في هجمات باريس والذي فجر نفسه خلال الهجوم الإرهابي.

ورغم معرفة أن صالح قام بالعودة إلى بلجيكا بعد هجمات باريس إلا أنه فقط منذ عدة أسابيع توصلت السلطات البلجيكية إلى موقعه وألقت القبض عليه وعلى شريكه.

وفي حين تم التعامل مع عملية القبض على عبد السلام بأنها نجاح للأجهزة الأمنية إلا أنها أظهرت أيضاً أن عدد الأشخاص المتورطين في هجمات باريس أكبر مما كان يعتقد، فقد وجدت إشارات تدل على أن عبد السلام والشبكة المحيطة به كانت تخطط لمزيداً من الهجمات الارهابية.

وفي الوقت الحالي تبقى الأمور غير واضحة حيال وجود علاقة بين المشتبه به في هجمات باريس و بين هجمات اليوم، إلا أنه من المنطقي جداً أن ترى العديد من الناس يظنون ذلك.

عقب هجمات باريس تبين مباشرة أن قائد ومدبر العمل الإرهابي، عبد الحميد أبوعود، يحمل الجنسية البلجيكيةـ وبعدما قتل أبو عود في هجوم بعد أيام من أحداث باريس، خضعت بروكسل لإجراءات أمنية مشددة لحالة من التأهب الشديد، خاصة عقب انتشار خبر دخول عبد السلام إلى بلجيكا عبر الحدود الفرنسية وذلك فقط بعد ساعات من هجمات باريس.

وحتى بعد تخفيف الإجراءات الأمنية في بلجيكا حذر رئيس الوزراء البلجيكي ”تشارلز ميشيل “ من أن التهديد ما بزال شديداً ووشيكاً، وسبقت المداهمة التي تم القبض فيها على عبد السلام مداهمات تم الكشف من خلالها على جهاديين يشتبه تورطهم في الإرهاب.

وتم التركيز كثيراً السنة الماضية بعد كارثة الهجمات الباريسية على المشاكل التي تواجهها فرنسا مثل التجريد من الحقوق المدنية والفصل بين الفئات في الأحياء وانتشار التطرف في السجون الفرنسية، في المقابل تبين أن بلجيكا مقبلة على مشاكل تزيد سوءاً على المشكلات الفرنسية.

وظهرت مولنبيك، وهي منطقة في جنوب غرب بروكسيل يقطنها ما يقارب 10.000 نسمة، على أنها منطقة تبعث على القلق والمخاوف، في نوفمبر الماضي لخص ”ميشيل“ هذه المنطقة بقوله: ”هناك دائماً علاقة لمولينمبيك “ وأضاف: ”إنها مشكلة مهولة بالطبع“ .

وقبل ما يقارب 50 سنة، بدأ الأتراك والمغاربة بالتدفق على المنطقة المقابلة لـ ”كانال “ والتي لا تبعد كثيراً عن أكثر مناطق بروكسيل تحضراً، ولكن رغم أن المنطقة في السنوات الأخيرة شهدت غلاء في قيمة الإيجارات السكنية وأصبحت تسكنها طبقة ذات دخل أفضل إلا أنها بقيت على النقيض تماماً من بعض المدن المتاخمة لها، فقد بلغ معدل البطالة في المنطقة 40 % إلى جانب وجود العديد من المتاجر البالية والرثة في المنطقة.

وغالباً ما وجد المهاجرون أنفسهم في وضع صعب في المنافسة على سوق العمل وذلك لكونهم يتحدثون الفرنسية والعربية فقط في حين تتطلب العديد من فرص العمل معرفة بالفرنسية والفلاميش والهولندية وأحياناً الإنكليزية.

كما زاد نمو حركة اليمين السياسي في البلاد الشعور بالإنقسام والتشظي داخل بلجيكا، فقد رأى العديد من المسلمين أن قانون حظر النقاب والحجاب في الأماكن العامة يعد علامة على انسلاخ مجتمعهم عن التيار الكاثوليكي.

لذا أصبحت علاقة مولينمبيك مع المجموعات المتطرفة أمراً مفهوماً بحسب الصحيفة.

وقال بلال بنياش العضو الرفيع في معهد إتينيرا للدراسات السياسية لصحيفة واشنطن بوست السنة الماضية:“ لم يفاجئني الأمر كون الإسلام السياسي والمتطرف في بلجيكا أمراً ترعرع وكبر عبر السنوات الماضية“.

وأشار بنياش إلى أن تدفق أموال خليجية في سبعينات القرن الماضي قد ساهم في إقامة العديد من المدارس الدينية المحافظة في المنطقة.

وقبل عشرة أعوام قامت الصحفية البلجيكية، هند فريحة، بالتخفي في مولنبيك وكتبت سلسلة مقالات شهيرة تُبين أن الشباب المسلم الذي تم تضليله قد غدا متأثراً بالدعاة المتشددين.

رغم ذلك لم تقم الحكومة البلجيكية بأي شيء وعبرت فريحة لصحيفة ”ذا بوست“ السنة الماضية بقولها: ”هناك جيل كامل على أهبة الاستعداد للمشاركة بمثل هذه الأفعال“.

و بصعود حركة داعش المتطرفة وجدت هذه الطموحات المتشددة ضالتها فقد توجه أكثر من 500 مواطن بلجيكي إلى سوريا والعراق خلال النزاع الأخير وبعضهم إنتهى به المطاف ضمن صفوف داعش جاعلين من بلجيكا أكبر مصدراً للمقاتلين الأجانب القادمين من أوروبا إلى داعش.

وقد تم اتهام مجموعة ”الشريعة لبلجيكا“، والتي يرأسها الداعية ”فؤاد بلقاسم“ بكونها مركزاً لتجنيد المقاتلين الأجانب، وتمارس أنشطة تجنيد محتملة، لمن ملّ من نمط الحياة الأوروبية، وذلك عبر الإنترنت.

وفي الوقت الذي قتل فيه معظم المقاتلين من بلجيكا أو ما زالوا في سوريا والعراق إلا أن بعضهم عادوا إلى أوروبا، إذ تعتقد السلطات البلجيكية بعودة ما يقارب 100 مقاتل بمن فيهم أبو عود، العقل المدبر وقائد الهجمات الإرهابية في باريس.

وتبين أن الخطر المتشكل من هؤلاء المقاتلين والمتعاطفين مع داعش يبدو أصعب من أن تحتويه السلطات البلجيكية، ولا يتعلق الأمر بالأرقام الدقيقة للجهاديين المحتملين وحسب، فبلجيكا تعرف بأنها بؤرة إقليمية لمهربي السلاح وأن ثنائية اللغة للحكومة والثقافة قد خلقت مشاكل جمة للمحققين.

وقال إيدوين باكير البروفيسور في مركز الإرهاب و مكافحة الإرهاب في جامعة ليدين في هولندا: ”تعد بلجيكا دولة فيدرالية وهو الأمر الذي يصب في مصلحة الإرهابين“، وأضاف: ”وجود حكومة ذات طبقات متعددة يعيق تدفق المعلومات الضرورية للمحققين“.

كان هناك أمل أن تلقي بروكسيل مسألة روابطها بالإرهاب وراء ظهرها، فقد قامت حملة سياحية مؤخراً فيها بالطلب من الأجانب التحدث عبر مكالمة هاتفية من كابينة الهاتف مع عموم المواطنين، ليخبرهم الآخرون عن الجوانب الإيجابية لدولتهم، وكان أغلب المواطنين الذين تمت معهم المحادثات فرحين جداً وأخذوا يتكلمون عن جوانب المدينة الإيجابية، وقد كانت إحدى الكابينات التي يستطيع السائح إجراء مكالمة عبرها في مدينة مولنمبيك.

رغم ذلك أظهرت هذه الهجمات الصعوبة التي تواجه بروكسيل لاحتواء الخطر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com