تركيا تغرق في حرب شوارع طويلة الأمد

تركيا تغرق في حرب شوارع طويلة الأمد

المصدر: أنقرة - مهند الحميدي

بعد شهور من تصاعد العنف باتت الجمهورية التركية غارقة في حرب شوارع طويلة الأمد مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) في ظل غياب أي أفق للتهدئة، والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وفي تطور لافت للأحداث الميدانية، شن عناصر ”الكردستاني“ اليوم الخميس، هجومين عنيفين، ضد القوات الحكومية؛ أحدهما وقع في ديار بكر، مركز ثقل الأكراد السياسي، شرق البلاد، إذ أسفر هجوم بسيارة مفخخة على مجمع للشرطة، في حي شنار، عن مصرع 5 أشخاص وإصابة 39 آخرين.

ووقع الهجوم الثاني، في بلدة مديات التابعة لولاية ماردين، ذات الغالبية الكردية، شرق البلاد، باستخدام قذائف الآر بي جي، والأسلحة الخفيفة، واستهدف مركزاً لقوات الدرك، ولم يسفر عن سقوط ضحايا من الجانبَين.

ولا يقل المشهد في باقي مدن شرق تركيا دموية، إذ تشهد بلدات ومدن شرناخ، ووان، ونصيبين وجزيرة، وبوطان، وغيرها، اشتباكات يومية، تعيد للأذهان حقبة التسعينيات من القرن الماضي، التي شهدت ذروة الصراع العرقي، مع انتشار كثيف للآليات العسكرية والأسلحة الثقيلة على التلال المحيطة بالبلدات، في حين نصب عناصر ”الكردستاني“ المتاريس وحفروا الخنادق لمنع توغل القوات النظامية.

وتسبب اشتداد المعارك والدمار الناتج عنها، في نزوح الكثير من الأهالي، في ظل فرض حظر للتجول، انعكس على الحياة العامة وجعل المدنيين فيها عرضة لتبعات الاشتباكات، وتسبب بنقص حاد في المواد الغذائية والطبية ووقود التدفئة، وانقطاع للكهرباء والماء في معظم الأحياء، وإغلاق المدارس والدوائر الرسمية.

واندلعت المواجهات بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، عقب تفجير سروج الدامي، جنوب تركيا، يوم 20 تموز/يوليو 2015، الذي راح ضحيته 32 ناشطاً كردياً يسارياً، وحمل بصمات تنظيم ”الدولة الإسلامية“ (داعش) إذ يتهم الأكراد ”الدولة بالتغاضي عن نشاطات التنظيم المتشدد، والتقصير في حماية المدنيين“.

ولا يلوح في الأفق بوادر للتهدئة والعودة إلى طاولة المفاوضات، في ظل التصعيد من قبل الأطراف المتنازعة، إذ انهارت عملية السلام الداخلي، بعد هدنة هشّة دامت حوالي ثلاثة أعوام، لتتجدد الحرب الدامية التي استمرت أكثر من ثلاثة عقود، وراح ضحيتها نحو 40 ألف شخص.

ووفقاً لتقرير صادر حديثاً عن مجموعة الأزمات الدولية، فرض الحزب الذي تصنفه تركيا وحلفاؤها الغربيون على أنه ”منظمة إرهابية“ سيطرته على مراكز ثلاث مدن شرقية، خلال الشهور الستة الأخيرة.

ويرى محللون أن الحكومة التركية باتت منهكة، في ظل الهجمات المتزايدة من قبل الجيل الفتي من مقاتلي ”الكردستاني“ والتنظيمات الجديدة المنبثقة عنه، والتي من شأنها تشتيت الجهد الرسمي العسكري لمكافحتها، ضمن توجه الأكراد لابتكار آليات جديدة للضغط على أنقرة.

ولم يكتفِ ”الكردستاني“ برص صفوف التنظيم الشبابي المنبثق عنه (YDG-H) بل أعلن التنظيم، في 26 كانون الأول/ديسمبر 2015، عن تشكيل تنظيم عسكري جديد في بعض المدن والبلدات ذات الغالبية السكانية الكردية، شرق البلاد، باسم ”وحدات حماية المدنيين (YPS)“.

وبعد مرور أكثر من عامَين على تشكيل تنظيم ”صقور حرية كردستان“ تبنى الفصيل المسلح الهجوم على أكبر مطارات إسطنبول، بقذائف المورتر، في 23 كانون الأول/ديسمبر 2015، ما أسفر عن مقتل عاملة نظافة وإصابة شخص آخر، وألحق أضراراً بخمس طائرات.

وسبق أن أعلنت هذه الجماعة المسؤولية عن بعض الهجمات خارج إطار المنطقة المعروفة لعمليات حزب العمال الكردستاني، شرق البلاد؛ منها الهجوم على حافلة عسكرية تركية عام 2012، أدى إلى مصرع جنديَين، وإصابة 12 شخصاً في منتجع ساحلي.

وبعد الدمار الذي لحق البنية التحتية في مدن شرق تركيا، ارتفعت حدة الامتعاض من السياسات الحكومية التي تتبنى الحل العسكري، ما زاد من دعوات الإضراب، والاحتجاجات، والمطالبات بإقامة حكم ذاتي للأكراد في مناطقهم.

وتزيد الأزمات الخارجية من حدة الضغط على أنقرة، إذ يستفيد المقاتلون الأكراد من تغير الموازين الدولية، وتنامي قوة الميليشيات الكردية المدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، في حربها ضد مسلحي ”داعش“ على الجانب الآخر من الحدود داخل الأراضي السورية، ما يشكل قوة دفع للمقاتلين الأكراد في تركيا، والمطالبة بتطبيق الحكم الذاتي في المناطق الكردية.

كما انعكست الأزمة الأخيرة بين روسيا وتركيا، على خلفية إسقاط الأخيرة لمقاتلة روسية؛ قالت إنها اخترقت أجواءها، يوم 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، على القضية الكردية، إذ عمدت موسكو أواخر العام الماضي، إلى استقبال زعيم حزب ديمقراطية الشعوب الكردي، المقرب من حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) صلاح الدين ديمرطاش.

وتتسم علاقات ديمرطاش مع الحكومة التركية، بالاضطراب؛ إذ يعادي حزب ديمقراطية الشعوب، سياسات حزب العدالة والتنمية، ذي الجذور الإسلامية الحاكم، وسبق أن وجه دعوات للشارع الكردي للتظاهر ضد السياسات الرسمية.

وتترقب أنقرة بقلق ما إذا كانت موسكو ستعزز علاقاتها مع الفصائل الكردية، عقب أزمة الطائرة، وبشكل خاص ما إذا كانت ستسمح للأكراد بفتح مكتب في موسكو.

وينذر اتساع الفجوة بين أنقرة والأكراد، بالإضافة إلى تحول معظم جيرانها إلى أعداء، وتصاعد أزماتها الخارجية، باستمرار غرق تركيا في حرب شوارع قد يطول مداها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة