2015 يدخل أكراد تركيا في دائرة العنف‎

2015 يدخل أكراد تركيا في دائرة العنف‎

المصدر: شبكة إرم الإخبارية - مهند الحميدي

عاش أكراد تركيا خلال العام 2015 أحداثاً دامية أدخلتهم في دائرة العنف، في ظل تردي الأوضاع الأمنية وارتفاع حدة المعارك، بين القوات الحكومية ومقاتلي حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) في مدن وبلدات شرق تركيا، ذات الغالبية الكردية.

وبعد أن كان الحديث عن عملية السلام وتفعيل المفاوضات في أوجه مع بداية العام الجاري، أطاحت الاضطرابات الأخيرة بالهدنة الهشة بين أنقرة و“الكردستاني“ التي امتدت لثلاثة أعوام.

كما شهدت الشهور الأولى من العام 2015 لقاءات شبه شهرية، بمباركة الحكومة التركية وبحضور مسؤولين في المخابرات، بين نواب أكراد مع زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، المحكوم بالمؤبد، منذ 15 عاماً في محبسه الانفرادي، في جزيرة إميرالي، في بحر مرمرة، غرب البلاد.

وأطلق الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على المفاوضات الجارية مع أوجلان، اسم ”مسيرة السلام الكردي“ معرباً في أكثر من مناسبة عن تفاؤله بالوصول إلى اتفاق ينهي الصراع العرقي، ويحقق السلام الداخلي.

إلا أن مفاوضات قصر ”دولمة بهجة“ التي جرت يوم 28 شباط/فبراير الماضي، جاءت مخيبة للآمال، إذ لم يسفر الاجتماع الذي ضم ممثلين عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، بممثلين عن حزب ديمقراطية الشعوب المقرب من ”الكردستاني“ عن أي اتفاق يذكر، بل عبر الطرفان عن استيائهما كل على حدة.

وتسبب حصار مدينة عين العرب/ كوباني السورية، ذات الغالبية الكردية، من قبل تنظيم ”الدولة الإسلامية“ (داعش) في أيلول/سبتمبر 2014، والتردد الذي شاب الموقف التركي الرسمي من التدخل لنصرة الأكراد في المدينة المحاصرة، في زعزعة ثقة الناخبين الأتراك من أصول كردية بحزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية، وزعيمه السابق ورئيس الدولة الحالي؛ أردوغان.

ومُني أردوغان بانتكاسة منعته من تحقيق أحلامه السُّلطوية في الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 7 حزيران/ يونيو الجاري، جراء نجاح حزب ديمقراطية الشعوب الكردي في منع حزب العدالة والتنمية من الفوز بأغلبية صريحة في البرلمان.

وكان الكثير من المتدينين الأكراد، يضعون ثقتهم في شخص أردوغان، الذي تبنى خطاباً إسلامياً، ساهم في منح أولئك المتدينين -في جولات انتخابية سابقة- أصواتهم لحزب العدالة والتنمية، والابتعاد عن الأحزاب القومية الكردية.

وفي جولات انتخابية سابقة، شكلت العشائر الكردية، شرق تركيا، دعماً كبيراً لأردوغان، إذ كانت تردف حزب العدالة والتنمية، بأصوات الآلاف من الناخبين من أبنائها، في حين شهدت انتخابات حزيران/يونيو تحول دعم بعض تلك العشائر إلى حزب ديمقراطية الشعوب.

واعتبر زعماء نسبة لا يستهان بها من العشائر الكردية، المعروفة بأنها محافظة دينياً، الانتخابات النيابية ”معركة وجود للهوية الكردية“ بعد أعوام من الدعم السياسي لحزب العدالة على خلفية تقاربهم معه دينياً.

وتمكن حزب ديمقراطية الشعوب الصغير نسبياً، من تنظيم صفوفه، بتبنه خطاباً يستوعب مطالب الأكراد القومية، إلى جانب انفتاحه على الأقليات العرقية والدينية الأخرى، وفقاً لقاعدة انتخابية ليبرالية.

ورأى الكثير من الناخبين الأكراد أن نجاح حزب ديمقراطية الشعوب، في دخول البرلمان، سيمنح قضيتهم أفقاً جديداً، ينفتح على الخيار السياسي، بعد ثلاثة عقود من النزاع المسلح بين عناصر ”بي كي كي“ وأنقرة، الذي راح ضحيته حوالي 40 ألف شخص.

ويقسم الواقع السياسي، المواطنين الأكراد، بين ليبراليين ويساريين وقفوا في أكثر من مناسبة في وجه حكومة العدالة والتنمية؛ وبشكل خاص في احتجاجات ميدان تقسيم عام 2013، في حين وقف القوميين الأكراد على الحياد حينها، ليعادوا الحكومة في مناسبات أخرى.

بينما دعم المتدينون منهم الحكومة، متأثرين بالتحسن النسبي لتنمية المناطق الشرقية ذات الغالبية الكردية إثر وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، ورفع أردوغان لشعارات إسلامية، تدعو إلى أخوّة الدين؛ إلا أن جميع تلك التوجهات والتيارات، تلتقي في نقطة المطالبة بالحقوق القومية، وحل القضية الكردية، والاعتراف بها.

وعلى الرغم من النهضة الاقتصادية والانتعاش الخدمي والمعيشي الذي شهدته مناطق نائية من تركيا، بعد أن كانت مهملة لعقود؛ ومنها مدن وبلدات وقرى واقعة شرق وجنوب شرق البلاد، كديار بكر وأورفا وعنتاب وماردين، عبر سياسيون أكراد -في أكثر من مناسبة- عن عدم رضاهم عن إصلاحات الحكومة، وعرقلتها لمساعي حل القضية الكردية.

واعتبر الكثير من الأكراد، أن تأخر أنقرة في اتخاذ مبادرة حاسمة من أحداث كوباني؛ موقفاً لا مبالياً تجاه مأساة إخوانهم في سوريا، ما أعاد إلى الأذهان مماطلة أردوغان والحزب الحاكم، في تفعيل عملية السلام الداخلي، وإطلاق سراح زعيم حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا وحلفاؤها الغربيون على أنه ”تنظيم إرهابي“.

وكان عشرات المواطنين الأتراك لقوا مصرعهم مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2014، أثناء تفريق مظاهرات احتجاجية غاضبة، سيّرها أكراد ممن طالبوا بتدخل الحكومة التركية في حماية المدينة السورية المحاصرة.

وفي آذار/مارس 2015 أصبح الأكراد، من أبرز الشركاء التكتيكيين في التحالف الدولي لمكافحة ”داعش“ على الساحة السورية تحت القيادة الأمريكية، وساهم تدخل التحالف الدولي، وتقديم السلاح لحزب الاتحاد الديمقراطي، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، بترجيح كفة أكراد سوريا لمواجهة التنظيم المتشدد، وفك الحصار عن كوباني.

وشهدت القضية الكردية تطوراً خطيراً ومفصلياً، حولها من الخط السلمي، إلى النزاع المسلح، عقب تفجير ”سروج“ الدامي، جنوب تركيا، يوم 20 تموز/يوليو الماضي، الذي راح ضحيته 32 ناشطاً كردياً يسارياً، وحمل بصمات تنظيم ”الدولة الإسلامية“ (داعش) إذ يتهم الأكراد ”الدولة بالتغاضي عن نشاطات التنظيم المتشدد، والتقصير في حماية المدنيين“.

وصعّد أردوغان، من هجمته الإعلامية ضد حزب ديمقراطية الشعوب، الذي طالب بمنح الأكراد حكماً ذاتياً في مناطقهم، متهماً زعيمه صلاح الدين ديمرطاش، بالخيانة جراء زيارته إلى روسيا، خلال شهر كانون الأول/ديسمبر الجاري.

وفي الوقت الذي تستمر فيه العمليات العسكرية، في مناطق شرق تركيا، ذات الغالبية الكردية، أكد أردوغان أنه ”لا الإرادة الوطنية ولا القوات المسلحة ستسمح بوضع من هذا النوع كحكم ذاتي للأكراد في تركيا“.

وقالت البرلمانية عن حزب ديمقراطية الشعوب، عائشة أجار باشران، إن الحزب حين يطالب بالإدارة الذاتية في المناطق الكردية في تركيا ”لا يطالبون بالاستقلال، والانفصال وإنما بالعيش المشترك وأخوة الشعوب“.

واعتقل الأمن التركي، قبل أيام، تسعة قياديين من حزب ديمقراطية الشعوب، في ولاية إزمير غرب البلاد، كما فتحت النيابة التركية تحقيقاً بحق صلاح الدين دميرطاش زعيم الحزب، بسبب تصريحاته المتعلقة بإقامة ”الإدارة الذاتية“.

كما فتحت النيابة العامة في ديار بكر تحقيقاً بحق دميرطاش، وستة قياديين آخرين في الحزب، على خلفية تصريحاتهم المتعلقة بالدعوة لإنشاء إدارة ذاتية، والدعوة إلى العصيان.

وتأتي التطورات الأخيرة، في ظل استمرار المعارك بين القوات الحكومية ومقاتلي حزب العمال الكردستاني في مدن وبلدات شرق تركيا، التي تعيش حظراً للتجول منذ حوالي شهر، في ظل تردي الأوضاع الأمنية، ما انعكس على الحياة العامة وجعل المدنيين فيها عرضة لتبعات الاشتباكات، وتسبب بنقص حاد في المواد الغذائية والطبية ووقود التدفئة، وانقطاع للكهرباء والماء في معظم الأحياء، وإغلاق المدارس والدوائر الرسمية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com