تركيا تنسج ثالوث “عثمانيتها” الجديدة في ليبيا‎

تركيا تنسج ثالوث “عثمانيتها” الجديدة في ليبيا‎

المصدر: طرابلس ـ شبكة إرم الإخبارية  

تواصل تركيا، لعب أدوارها المتعددة الأوجه في ليبيا، في خطوة يبدو أنها تحاول من خلالها استكمال ثالوثها (السياسي – الاقتصادي – التاريخي)، الرامي إلى نسج عثمانيتها الجديدة في مستعمرتها السابقة، بحثا عن توسيع نفوذها الاستراتيجي عبر بوابة البحر المتوسط.

دعم الإسلام السياسي 

ويصف “محمد الخوجة”، الباحث الليبي في شؤون الجماعات الإسلامية، التقارب الذي يربط القيادة التركية بتيار الإسلام السياسي في ليبيا، بأنه “تجانس يعبر عن محاولة للتدارك الإقليمي، خاصة مع فشل تركيا في تثبيت قدمها في مصر الجارة الكبرى”.

وأضاف الخوجة، في حديثه مع شبكة إرم الإخبارية، عبر الهاتف من طرابلس “ما جرى في مصر أصاب المشروع التركي في مقتل، وشعر أردوغان بأن حلم محاولته الإقليمية تجاه الشرق الأوسط تبخر، ما دفعه على تحدي إعادة النظر في حسابات أنقرة، من خلال دعم الإسلاميين في ليبيا وبمختلف توجهاتهم الفكرية”.

وأشار الباحث، إلى أن السياسة التركية ستواصل نهجاً سياسياً يخضع للتغيرات، التي تفرضها المعطيات الدولية اتجاه ليبيا، والتي ستواصل بوصلتها في الارتداد في فلك التوازن الإقليمي.

وعن حقيقة دور تركيا في تزويد الجماعات المسلحة بالسلاح، أجاب الخوجة، “الجميع يعلم أن دولا إقليمية لها دور في دعم طرفي الصراع في ليبيا، وعلى رأس هذه الدول تركيا بعد ضبط جرافات عبر البحر نقلها لشحنات سلاح إلى قاعدة امعيتيقة بطرابلس، وهو أمر حرصت على الاستمرار فيه، دون الاكتراث للعقوبات الدولية بشأن توريد السلاح إلى ليبيا”.

المصالح أولا

ويقدم “عبد الله الرايس”، المحل السياسي الليبي، وجهة نظر مغايرة صوب تعامل تركيا مع ملف بلاده، مؤكدا أن المصالح الاقتصادية هي الحاكمة بالمقام الأول، وهي المحرك الأقوى الذي يسيل لعاب حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة أردوغان صوب “الكعكة الليبية”.

ويشرح الرايس، شكل وسير هذه المصالح، قائلاً “مع بداية الثورة قبل 4 أعوام، عارض القادة الأتراك أي تدخل عسكري دولي ضد ليبيا، ثم قام أردوغان بعرض وساطة على القذافي ليوافق على وقف إطلاق النار، بل وعرض خطة لتسليم السلطة تتضمن إجراء انتخابات عامة يتنحى بموجبها العقيد القذافي بشكل مشرف، وهو أمر فسر حرص تركيا على حماية مصالح شركاتها الوطنية العاملة في ليبيا، ولم تنجح فيه بعد فشل جهود وساطتها، وضاعت مليارات الدولارات عليها”.

الاقتصاد يساوي النفوذ

وتعتقد “خديجة الدالي”، أستاذة الاقتصاد في الجامعات الليبية، أن مواقف تركيا وسعيها إلى تحقيق النفوذ في ليبيا الغنية بالنفط، دخلته من باب الاقتصاد والتجارة، وهو يظهر جلياً خلال السنوات الـ 10 الماضية.

وتوضح الدالي، هذه النظرية، بأنها تقوم على تقديم المصالح الاقتصادية على المواقف السياسية، وأنقرة حاليا ترى في سلطات طرابلس على الرغم من عدم اعتراف العالم بها، بأنها واجهة اقتصادية جاذبة، وهذه حقيقة لا تنطبق على شرق ليبيا الذي استنزفه الإرهاب بشكل كامل.

وكشفت أستاذة الاقتصاد، أن ليبيا قد وقعت مع تركيا مذكرات تعاون واتفاقيات عديدة في مجال دعم الاستثمار المشترك والتدريب، بالإضافة إلى أن حجم التبادل التجاري بين طرابلس وأنقرة خلال العام 2013 تجاوز 4 مليارات، جلها تتعلق بمدن الغرب الليبي، وعلى رأسها طرابلس ومصراتة.

وأشارت خديجة الدالي، إلى أن تركيا توسعت بقوة في ليبيا مدعومة بسياسة خارجية، تهدف إلى كسب أنشطة أعمال عبر علاقات الصداقة القوية، وهو ما تجسد من خلال شركات الانشاءات والطاقة التركية، التي تمتلك عقودا ضخمة مع طرابلس تجاوزت 15 مليار دولار، وقعتها بين عامي (2007 – 2012).

وتابعت، “تظل الشركات التركية محافظة على مركز الصدارة مقارنة مع نظيراتها الأجنبية، كونها تغض الطرف عن مخاطر تتعلق بأمن مواقعها لا تتحملها الشركات، والدليل أنها الأخيرة من بين الشركات الأجنبية، التي سحبت موظفيها من ليبيا، وظلت مستمرة في أعمالها حتى مطلع العام 2014”.

ظلال التاريخ

ولا يمكن النظر للدور التركي في ليبيا من منظور سياسي واقتصادي وحسب، لأن التاريخ والجغرافيا لها وزن في سياستها الخارجية، وإن كانت هذه الجاذبية لا تحمل في طياتها مكاسب سياسية ومادية واضحة.

ليبيا وعلى غرار دول الشرق الأوسط، التي تعرضت للاستعمار العثماني لنحو أربعة قرون، فإن مظاهر الحكم العثماني حاضرة وبقوة حتى يومنا هذا، وهو ما يجسده طرازه المعماري عبر القلاع والحصون والآثار المنتشرة على ضفاف وصحراء ليبيا الشاسعة.

وفي كل مدينة ليبية، وفي كل قرية تجد بصمات العثمانيين، في المباني والمساجد والحمامات والعادات والتقاليد، وكدليل على أهمية التاريخ بالنسبة لتركيا، فقد زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، العاصمة الليبية طرابلس عقب انتهاء الثورة عام 2011، وخصص جزءً من وقته لزيارة أحد المعالم التاريخية التي يفخر بها الأتراك، عندما توجه إلى بلدية تاجوراء بضواحي طرابلس، وتجول في مسجد أحمد باشا القره مانلي، الذي يعود تاريخه إلى سنة 1711.

وبالنظر إلى المعطيات، التي يجسدها الثالوث التركي في ليبيا، نرى محاولات تركيا المتواصلة بجعلها عمقاً استراتيجياً لها دون سواها، والاستفادة من موقعها في إحداث التوزان لنفوذها الإقليمي في شمال أفريقيا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع