”الدبلوماسية الشعبية“.. بُعد جديد لمفهوم الأمن الإسرائيلي

”الدبلوماسية الشعبية“.. بُعد جديد لمفهوم الأمن الإسرائيلي

المصدر: إرم – من ربيع يحيى

يطلق أكاديميون وخبراء إسرائيليون دعوات بشأن حتمية إعادة النظر في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، في ظل المتغييرات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، بيد أن ما يلفت للنظر أن تلك الدعوات تتضمن رؤية تتحدث عن ضرورة زيادة التأثير الإسرائيلي على الشارع العربي، كبعد جديد من أبعاد الأمن القومي لدولة الاحتلال.

وتعتمد هذه الرؤية على ضرورة التأثير من خلال التواصل مع الجمهور العربي، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي ساهمت في تقريب المسافات، وإزالة القيود التقليدية التي استمرت عقودا طويلة، وجعلت من هذا التواصل أمرا بعيد المنال.

وفي وقت تركز فيه تلك الرؤية على الحدود الجغرافية التقليدية، فإنها تتغاضى عن حدود الخوف والحواجز النفسية بين الجانبين العربي والإسرائيلي.
وتكمن أهمية تلك الرؤية في كونها صادرة عن ”معهد بحوث الأمن القومي الإسرائيلي“ التابع لجامعة تل أبيب، وأحد أهم المراكز البحثية الإسرائيلية، والذي يترأسه حاليا، عاموس يدلين، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق بجيش الاحتلال.

وعلى صفحات دورية ”نظرة عليا“ عدد أغسطس 2015، الصادرة عن المركز، نُشرت ورقة بحثية تحمل عنوان ”أهمية تحديث مفهوم الأمن القومي: استراتيجية التأثير المتعدد“، والتي أعدها الباحثان بالمركز (أودي ديكل، وعومير عيناف)، بعد حلقات نقاشية شارك فيها خبراء الأمن القومي الإسرائيلي، تقول أن الحكومة الإسرائيلية لم تتوصل بعد إلى المسار الصحيح لتحديث مفهوم الأمن القومي التقليدي.

وركز الباحثان على تبدد مفهوم الخطر العسكري الذي تشكله الجيوش النظامية بالمنطقة على الأمن القومي الإسرائيلي، من وجهة نظرهما، وظهور تحديات أخرى، دون أن تغير الحكومة طبيعة نظرتها لمفاهيم محددة، بما يشكل تراجعا في النظرية التي تمسكت بها طوال عقود، وبالتالي فإنها لا تمتلك خلاصات إستراتيجية حديثة، يمكنها أن تبني عليها مفاهيم جديدة لتحقيق مصالحها السياسية والأمنية.

ويعتقد خبراء المركز أن أبرز الخطوات التي ينبغي أن تقوم بها الحكومة الإسرائيلية في سبيل تحديث إستراتيجية الأمن القومي، هو إضافة بُعد جديد يتمثل في ”التأثر المتعدد على المحيط الإسرائيلي“، على أن تعمل إسرائيل على محاولة إحداث تأثير استراتيجي من خلال استغلال الأدوات الحديثة على كافة المستويات، ومن ذلك التواصل المباشر مع الجماهير في الدول، التي تُعتبر معادية طبقا لنظرية الأمن القومي التقليدية، على أن يكون التواصل عبر ما يصفوه بـ“الدبلوماسية الشعبية“، اعتمادا على الإعلام الجديد، والمساعدات الإنسانية، وصولا إلى بناء علاقات قوية مع جاليات محددة داخل هذه الدول.

ولا تتوقف الوسائل عند هذه الدرجة، إذ يطالب الباحثان بتفعيل أدوات أخرى مثل حرب المعلومات، والحوافز الاقتصادية، والتسويات السياسية مع هذه الدول في موضوعات كانت تعاني الجمود، من بينها التسويات الخاصة بالمياة والطاقة والمساعدات العسكرية والتكنولوجية، وطرح مبادرات اقتصادية وتجارية على المستويين الشخصي والعام.

ويذهب الباحثان إلى أن كافة الدول المعنية (المعادية في المفهوم التقليدي للأمن القومي الإسرائيلي)، لديها أشخاص ذوي مكانة اقتصادية أو سياسية قد لا يترددون في تحقيق استفادة من التعاون مع إسرائيل، ما يحتم التواصل مع هذه الشخصيات وإقامة علاقات قوية معهم.

ولكن الرؤية التي يتحدث عنها الباحثان لم تنسَ الطبيعة العدائية الإسرائيلية، حيث قدرت أن ثمة بُعد معاكس يحقق النتيجة ذاتها، وهو ”قوة التكنولوجيا واستعراض القوة الإسرائيلية في هذا المجال“، ويرجحان أن ”الحرب السيبرانية أيضا وشل قدرات هذه الدول، وتحييد أدواتها المماثلة في هذا المجال، تخدم الأهداف التي ذكرت آنفا“.

وأخيرا يطالب الباحثان ببناء منظومة قانونية ودعائية إسرائيلية محترفة، يتركز دورها على الصعيد الدولي، بما يمنع تعرض إسرائيل للعزلة على تلك الساحة.

ويقول الباحثان إن مفهوم الأمن القومي كما ظهر فيما يصفانه ”وثيقة الاستقلال“، قبل عقود، لم تتغير، وكانت تقوم على محاور، منها التحول إلى وطن قومي للشعب الإسرائيلي، وضمان بقائه وتقدمه، والحفاظ على الأمن الإسرائيلي داخليا وخارجيا، وإبرام علاقات دولية مع غالبية الدول، والنمو الاقتصادي المستمر، والقيادة الفعالة التي تمتلك القدرة على اتخاذ القرارات وتطبيقها، وأخيرا الاحتشاد والالتفاف حول الأهداف الاجتماعية.
ويعتقد الباحثان أن أمورا ينبغي أن تضاف إلى تلك النظرية، وأنه إلى جوار مفاهيم الردع والإنذار والدفاع والحسم، ينبغي أن توسع إسرائيل من دائرة تأثيرها في الدول المحيطة على المستوى الشعبي، والتوقف عن الاستغراق في المفاهيم التقليدية، التي حددها بن جوريون، ولم تخضع للتحديث حتى الآن.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com