الصين تتوسع اقتصادياً في المنطقة العربية بعد تراجع أمريكا‎

الصين تتوسع اقتصادياً في المنطقة العربية بعد تراجع أمريكا‎

واشنطن – يرى المراقبون أن التطورات في منطقة الشرق الأوسط تشهد تغييرين رئيسيين:

الأول، تراجع أهمية الموارد النفطية للمنطقة بالنسبة للولايات المتحدة، مع ارتفاع إنتاج النفط الأميركي، بعد الاكتشافات الهائلة الجديدة للغاز الصخري، الذي تجاوز إنتاج روسيا والسعودية، وفق تقديرات شركة ”بريتش بتروليوم“.

يتزامن ذلك مع التحسن التدريجي المتوقع في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة والدول الغربية في أعقاب الاتفاق النووي المرتقب، والذي يساهم بدوره في التقليل من الأهمية الاستراتيجية لدول الخليج العربية، في حسابات المصالح الأميركية، الأمر الذي قد يضطر معه صنّاع السياسة في واشنطن إلى الاعتراف بأنهم لن يستطيعوا الاستمرار بالاعتماد على شركاء وحلفاء في منطقة متفجرة سياسياً وأمنياً.

أما التغيير الثاني فهو عكس الأول، ويبرز مع دخول الصين بقوة إلى منطقة الشرق الأوسط التي تعتبرها أولوية استراتيجية في دعم استثماراتها الخارجية، ونمو اقتصادها، مع تصاعد نفوذها عالمياً، خصوصاً بعدما تمكنت الصين من تجاوز موقفها السياسي من الأزمة السورية ضد مقترحات جامعة الدول العربية، واستخدامها ”الفيتو“ مع روسيا ثلاث مرات في مجلس الأمن للحيلولة دون اتخاذ موقف ضد نظام بشار الأسد.

وفي هذا المجال، اعتبرت بكين أن موقفها تجاه الأزمة السورية اتسم بالثبات والموضوعية منذ البداية، مؤكدة ضرورة احترام رغبة الشعب السوري، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لسوريا.

ولأن الصين تسعى دائماً إلى ضمان حصتها من الطاقة، وهي تعتمد في ذلك على المنطقة العربية، فقد أعلنت مرارًا، عن تخوفها من الدخول في خلاف سياسي يتبعه خلاف اقتصادي مع دول الخليج، الغني بالنفط، مع التأكيد على أن جوهر السياسة الصينية، السعي إلى تحقيق التعاون في إدارة الشؤون الدولية، وأن موقفها يتلخص بضرورة التعاون والتفاوض لحل النزاعات.

وهكذا انطلقت الصين في استخدامها ”الفيتو“ في مجلس الأمن من استيائها المتزايد حيال ما تعتبره “سياسة أمريكية” تهدف حرمانها من الوصول إلى مصادر الطاقة في الشرق الأوسط.

ورغم أن ”الفيتو الصيني“ لم يكن فاعلاً، بل أنه جاء داعماً لـ ”الفيتو الروسي“ الذي كان يكفي وحده لتعطيل قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالأزمة السورية، غير أن معظم المسؤولين في الحكومات العربية وفي الإدارات والهيئات الاقتصادية، وصلتهم إيضاحات الموقف الصيني، من خلال زيارات بعض قياداتهم إلى بكين في 2013، ومن بينهم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والعاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والرئيس اليمني عبد ربه منصور، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، عندما كان ولياً للعهد، واخيراً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

ولكن مع ترحيب الجانب العربي بالجهود الصينية لتطوير التعاون بينهما، فإن معظم المسؤولين العرب وخصوصاً في دول خليجية، اعتبروا أن ”الفيتو الصيني“ مهما كانت أسبابه، فإنه موقف سياسي لا يرقى إلى مستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، التي سجلت تطوراً كبيراً في السنوات الأخيرة.

أزمة اليمن

مع بروز أزمة اليمن واحتدام الصراع السعودي الإيراني، أصدر مجلس الأمن القرار 2216 الداعم لحملة ”عاصفة الحزم“، بقيادة المملكة العربية السعودية، وتأكيد الشرعية بقيادة الرئيس عبد ربه منصورهادي، ضد الحوثيين وقوات المخلوع علي عبد الله صالح، وذلك بتأييد 15 صوتاً بينها الصين، وامتناع روسيا عن التصويت، وقد اتخذ القرار تحت البند السابع.

ولوحظ أن الموقف الصيني المؤيد والداعم للموقف السعودي، كان كافياً لدخول الصين من الباب الواسع إلى منطقة الشرق الأوسط لتحقيق أهدافها الاستراتيجية ودعم نفوذها العالمي.

وفي مطلع حزيران (يونيو) الجاري، حصلت الصين على ترخيص بإنشاء فرع مصرفي للبنك الصناعي والتجاري الصيني المحدود في الرياض، وهو آكبر مصرف في الصين، وسبق له أن افتتح فروعاً له في دبي وأبو ظبي والدوحة والكويت.

ولم يلتفت الصينيون إلى جملة الأحداث السياسية المضطربة، التي تعيشها دول الخليج والتمدد الإرهابي في كل من سوريا والعراق واليمن، بل أقدموا على خطواتهم المصرفية، مؤكدين (كما قال نائب رئيس البنك غوشو) إن السعودية هي الشريك الأكبر للصين في المنطقة العربية، ووجهة استثمارية مهمة، وسوقاً للتعاقد على المشاريع الكبرى، وأن فرع المصرف في الرياض سيسعى ليكون جسراً ورابطاً للتبادل الاقتصادي والتجاري، بين البلدين والمنطقتين.

وتبرز أهمية البنك الصناعي والتجاري الدولية، واستراتيجيته في التوسع العالمي، كونه يملك شبكة تشمل 41 بلداً ومنطقة في أنحاء العالم، ولديه 338 شركة تابعة، ويغطي خدمة عالمية تشمل بلدان آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا وأستراليا، تؤدي روابط استثمارية وتجارية مع الصين، وإضافة الى ذلك يولي البنك اهتماماً كبيراً لتوسيع نشاطه التجاري والاستثماري في منطقة الشرق الأوسط.

وتحرص الصين في خططها الاستراتيجية، على الاستفادة من الدخول في استثمار مشاريع عملاقة في المنطقة العربية، وهي تواكب باهتمام كبير نتائج الخسائر الاقتصادية للصراعات القائمة، والتي قدرت بأكثر من 900 مليار دولار.

وإذا كانت المنطقة، تحتاج إلى 450 مليار دولار لاستثمارها في البنية التحتيىة، قبل الربيع العربي، فقد ارتفع هذا المبلغ إلى أكثر من 700 مليار دولار، مع بنهاية 2014، وهو مرشح للارتفاع مع تطور الحروب الأهلية والقتال ضد الارهاب.

مؤتمر مصرفي

في إطار تعزيز التعاون المصرفي والاستثماري بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط، تم الاتفاق بين اتحاد المصارف العربية وحكومة مقاطعة نينجا الشعبية الصينية، ممثلة بنائب حاكم المقاطعة، وانغ هيشان، على عقد مؤتمر مصرفي عربي صيني في أيلول (سبتمبر) 2016، في المقاطعة، بالتعاون مع البنك المركزي الصيني، وذلك لبحث تنسيق العلاقات المصرفية العربية الصينية، والتشريعات التي تحكمها، والتسهيلات القانونية المحفزة، لفتح فروع للمصارف العربية في الصين.

وتبرز أهمية الاستثمار المشترك بين العرب والصينيين، في الوقت الذي تواجه فيه الاستثمارات العربية مأزق إيجاد مناطق استثمارية واعدة، مع استمرار تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، وركود اقتصاد دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء ألمانيا، واستمرار الاضطرابات الأمنية والسياسية، في منطقة الشرق الأوسط، ويلاحظ أن بعض المصارف الخليجية ترى أن الصين تتفوق على أوروبا والولايات المتحدة كوجهة مفضله للعمل المصرفي.

ويبدو أن استراتيجية بنك أبو ظبي الوطني للتوسع، تعد آسيا موطن أكثر الاقتصادات النشطة والقوية، في العالم، ولذلك افتتح فروعاً في: هونغ كونغ، وهي بوابة آسيا التجارية، وماليزيا وهي أحد المراكز التجارية جنوب شرق آسيا، ومكتب تمثيلي في شنغهاي، ويعتزم البنك ايضاً افتتاح فرع في مومباي في الهند خلال العام الحالي.

وقد أسس الصينيون مصرفاً لتمويل البنى التحتية، في آسيا برأسمال 100 مليار دولار، دفع منه 50 ملياراً، وفتح المجال للاشتراك في المصرف لأطراف خارجيين، فأعلن البريطانيون نيتهم المشاركة، إضافة الى عدد من البلدان العربية.

وإذا كان لدى الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، حيث يبلغ دخلها القومي 10.4 تريليون دولار، بعد الولايات المتحدة التي يبلغ دخلها القومي 17.4 تريليون دولار، فلديها قدرة شرائية توازي أكثر من 15 تريليون دولار، ولديها ايضاً احتياطي عالمي من العملات والذهب يقدر بـ 3.7 تريليون دولار، منه نسبة الثلث موظفة في سندات الخزينة الأميركية، مع العلم اأنها تسعى إلى تخفيف اعتمادها على الدولار، بعدما أصبحت العملة الصينية تغطي نحو 9 في المئة من حركة التجارة العالمية.

طريق الحرير

في مؤتمر لرجال الأعمال العرب والصينيين، عقد في 26 أيار (مايو) 2015 في بيروت، أطلق الجانبان ”بناء حزام اقتصادي لطريق الحرير“، بتنظيم من الاتحاد العام للغرف العربية والأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وقد تم الاتفاق على إقامة ”ندوة الاستثمار للتعاون العربي الصيني“ في الصين عام 2017.

وأكد المشاركون في المؤتمر وعددهم ناهز 700 مستثمر عربي وصيني، التزامهم بطريق الحرير الجديد الذي ينتظر أن تتطور معه العلاقات الاستراتيجية بين الصين والعالم العربي، إلى مستويات تاريخية جديدة، ومن شأنها أن تؤدي إلى زيادات غير مسبوقة في معدلات النمو، كما ستخلق إمكانيات لا متناهية من فرص العمل الجديدة.

وشددوا على بذل الجهود لتذليل الصعوبات والمعوقات التي تواجه التعاون التجاري والاستثماري، داعين إلى تبادل التسهيلات اللازمة للقطاع الخاص في الدول العربية والصين.

كما أشادوا بالجهود الرسمية المشتركة التي نجحت في إنجاز مجموعة من الاتفاقيات بين الدول العربية والصين خلال العامين الماضيين، وكذلك بانضمام عدد من الدول العربية إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية.

واتفق الجانبان على ضرورة زيادة التعاون في المجالات التالية: لوجستيات النقل البري والسككي والبحري والجوي، والتجارة، والصناعة، والزراعة والأمن الغذائي، والمصارف، والسياحة، والطاقة والطاقة المتجددة، والبنى التحتية.

وأكدوا على ضرورة الإسراع بالمفاوضات بشأن إقامة منطقة تجارة حرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي، تمهيداً لإنشاء منطقة تجارة حرة بين الدول العربية والصين، وذلك تسهيلاً لتنقل السلع وتوفير المزيد من الفرص التجارية للشركات لدى الجانبين.

ويركز الصينيون على تنفيذ الحزام الاقتصادي لطريق الحرير، لما تمثله منطقة الشرق الأوسط استراتيجياً في الاقتصاد العالمي، فقد طرحت القيادة الصينية فكرة إنشاء طريق حرير بري جديد يعبر قارتي آسيا وأوروبا، وكذلك طريق حرير بحري يربط المحيط الهادئ بالمحيطين الهندي والأطلنطي، بحيث يلتقي الطريقان عند منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يمنح الدول العربية أهمية خاصة بالنسبة لاستراتيجية الانفتاح والتنمية التي تنتهجها الصين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com