من نيجيريا إلى الكاميرون.. رحلة تضميد الجراح لضحايا ”بوكو حرام“

من نيجيريا إلى الكاميرون.. رحلة تضميد الجراح لضحايا ”بوكو حرام“

ميناوا ـ في ميناوا، أقصى الشمال الكاميروني، وعلى بعد 70 كيلومترا من حدود وطنهم، يحتشد نحو 37 ألف لاجئ نيجيري فروا من جحيم انتهاكات تنظيم ”بوكو حرام“ المسلح، إلى مخيم احتموا به على أمل بناء حياة جديدة في الكاميرون، غير أن مآسيهم تركت أخاديد عميقة في نفوسهم، بدا من العسير تجاوزها وتضميد جراح تأبى أن تندمل.

وتعود إلى المفوّضية العليا لشؤون اللاجئين مبادرة إنشاء هذا المخيم، الذي يشبه إلى حدّ كبير قرية تتوفر فيها جميع المرافق الحياتية.

وفي مصحة المخيم، يقوم الفريق الطبي بتوفير العلاج للجميع، وتتنوع الإصابات لتتراوح ما بين بعض الخدوش البسيطة والجروح الناجمة عن إصابات بحروق أو بحد سكين.. وفي جميع الحالات فإن الأمر برمته لا يحتاج سوى الوقت الضروري للعلاج. بيد أن هناك من الجروح ما يصعب اندمالها، وهي تلك التي لحقت بالنفوس، لا سيما تلك التي تحملها النساء والأطفال، والذين يفدون إلى المخيم باضطرابات نفسية عميقة ظلت عصية على الشفاء تلاحقهم حتى بعد مغادرتهم مسرح المأساة.

 محمد فتى تبدو عليه علامات الذهول، طوال الوقت.. يجلس واجما لا يحرك ساكنا، كما أنه لا ينبس ببنت شفة حتى وإن ألححت في الحديث إليه.. لا يختلط أبدا مع الصبيان من سنه، ويحتفظ بنظرة تائهة تعكس هول ما ظل راسخا في ذاكرته..

ينتمي محمد، وهو الاسم الذي أطلقته عليه عائلته بالتبني، لمجموعة الـ 134 طفلا ممن وفدوا على المخيم غير مرفوقين بأولياء أمورهم، في انتظار معرفة اسمه وعمره الحقيقي.. مهمّة قد تبدو صعبة للغاية في حال لم يتحدّث الصبي عن مأساته، فيما يرجح العاملون بالمخيم تعرضه لصدمة جراء ما شاهده من فظاعات ارتكبتها ”بوكو حرام“.

صدمات بالجملة

ويضم مخيم ميناوا للاجئين 37 ألف و 171 شخصا، أكثر من 50 % منهم أطفال لا تتعدى أعمارهم 11 سنة، يعاني أغلبهم من اضطرابات نفسية متنوعة، لعل أكثرها شيوعا، حالات تبول لا إرادي في الفراش، عاودتهم بعد أن كانوا تجاوزوا هذه المرحلة منذ سنين. أما البعض الآخر، ففقد القدرة على النطق، والنوم الهادئ، حيث لا يسعهم إمضاء ليلة دون كوابيس تنغص سباتهم،  فيما نسي البعض الآخر اسمه أو سنه.

أما أخطر أعراض الصدمات النفسية التي تعرض لها الأطفال فهي بدون شك حالات فقدان المشاعر، وعن ذلك يقول أحد مسؤولي المخيم الذي التقت به الأناضول، ”هناك أطفال لا يضحكون ولا يبكون.. إنهم لا يبدون الفرحة ولا الغضب أيضا“.

أمينة، تعيش بدورها بمخيم ميناوا لدى أسرة فتحت لها الأبواب، قدمت من إقليم بورنو بنيجيريا، كما 96 % من لاجئي المخيم، تقول إنها تعرضت لـ“الاغتصاب من قبل عناصر بوكو حرام“، فيما ”قتل“ زوجها أمام أعينها، و“اختطف“ أبنائها، وتركها جلادوها بعد أن ظنوا أنها فارقت الحياة.

الاغتصاب والضرب

”هووا“ هي الأخرى تعرضت لـ“الضرب المبرح“.. هي زوجة أحد التجار، وقد طلب منها مقاتلو ”بوكو حرام“ مدّهم بالمال المخفي في البيت، وحين لم يجدوا شيئا، توجهوا إلى بيت آخر مجاور، فيما بقي أحد العناصر وقام باغتصابها، قبل أن يلتحق مجددا برفاقه، بحسب روايتها.

وبهدف تجنيب هؤلاء النساء الحرج المتعلق بما تعرضن إليه، فإنه من النادر جدا أن يتطرق الحديث إلى حالات الاغتصاب، والتي يشار إليها في المخيم بـ ”أعمال عنف متعلقة بالجنس“.

وعن هذا الموضوع يقول أحد مسؤولي المخيم (فضل عدم الكشف عن هويته)، إن ”نحو 80 % من النساء الموجودات بالمخيم (عددهن 19 ألف و701 امرأة) تعرضن إلى التعنيف ومن بينهن الآلاف اللاتي وقعن ضحية عمليات اغتصاب“.

مشاكل أخرى

وتعاني النساء أيضا من اضطرابات نفسية عميقة ولّدت لديهن حالات أرق ليلي، فيما يؤكد المسؤول المذكور على أن ”كثير من  النساء لم يعدن يتحملن أن تقع عليهن يد إنسان، وهذا ما يزيد الأمر تعقيدا، بما أنه أضحى من الصعب إخضاعهن للفحوصات اللازمة أو حتى قياس حرارتهن“.

المسؤولون عن المخيم وفروا، من جهتهم، طبيبا نفسيا بغية إنقاذ ما يمكن إنقاذه، غير أن ذلك لا يعدّ كافيا بالنظر إلى العدد الكبير للاجئين، وهو ما يعتبره أحد المسؤولين المحليين في المفوضية العليا للاجئين ، ”نقصا، من المنتظر مواجهته عبر قدوم بعثة تقييمية، بإشراف خبير في الصحة العقلية، لتقدير احتياجات المخيم في هذا المجال“.

وضع حالك يعكس مآسي ووضعيات اجتماعية ونفسية بلغت من الإحباط والصدمة ما يجعلها تعزف عن تلقي العلاج، غير أنّ ذلك لا يمنع حقيقة تماثل بعض الحالات للشفاء، حيث سجّل بعض الأطفال بعض التحسّن إثر أشهر من العناية الطبية والاحتواء النفسي، وعاد إلى تلك الملامح البريئة بعض الأمل، الذي وأدته هجمات ”بوكو حرام“ في معقلها الأصلي نيجيريا، وفي منطقة أقصى الشمال الكاميروني المحاذي لها.

صراع السنين

وتقاتل نيجيريا منذ أكثر من 6 سنوات جماعة ”بوكو حرام“ المتمردة التي حصدت عملياتها حياة عشرات الآلاف، وشردت أكثر من 6 ملايين شخص على الأقل، ودمرت البنية التحتية في أجزاء كثيرة من البلاد.

ومع توسّع نطاق نشاط المجموعة المسلّحة إلى أقصى شمالي الكاميرون المجاورة، طالت انتهاكاتها سكان القرى والمدن، فقتلت الكثيرين وشردت آخرين، وأجبرت البلدان المعنية، بما في ذلك تشاد والنيجر، على إقرار استراتيجية عسكرية مشتركة لمواجهة المدّ الإرهابي المتنامي على أراضيها.

ومنذ انطلاق العملية العسكرية ضد بوكو حرام في شهر فبراير/شباط 2015 ، قتل نحو ألف عنصر من بوكو حرام فضلا عن مئات المدنيين وأكثر من 100 جندي من عناصر التحالف التشادي الكاميروني، بحسب بيانات متفرقة للجيشين التشادي والكاميروني.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com