كيف دمر بوتين إرث غورباتشوف السياسي؟
كيف دمر بوتين إرث غورباتشوف السياسي؟كيف دمر بوتين إرث غورباتشوف السياسي؟

كيف دمر بوتين إرث غورباتشوف السياسي؟

سلط تقرير بريطاني الضوء على رحيل زعيم ومؤسس الاتحاد السوفيتي السابق، ميخائيل غورباتشوف، الذي أحزن الدول الغربية، والذي لم يعد يحظى بالدعم في الداخل الروسي بشكل كبير.

وقالت صحيفة "الغارديان" إن الحرب "الدموية" في أوكرانيا حلت محل "حقبة الوفاق والحد من التسلح بين واشنطن وموسكو"، حيث عاش غورباتشوف طويلاً بما يكفي – ورحل عن عمر ناهز الـ91 عاماً أمس - لرؤية كل شيء حاول تحقيقه ينهار أو ينفجر.

وذكرت الصحيفة أنه تم استبدال حقبة الانفراج والسيطرة على التسلح بين واشنطن وموسكو بحرب دموية في أوكرانيا، حيث يتم وضع أسلحة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) ضد القوات الروسية، الأمر الذي ينذر بحدوث صدام مباشر بين القوى النووية العظمى عن طريق الصدفة أو سوء التقدير.

وأضافت الصحيفة أنه بحلول الوقت الذي تنحى فيه غورباتشوف في نهاية عام 1991، لم تعد حدود "الناتو" السوفيتية نقطة اشتعال، حيث سحب الحلف جميع القوات من الجناح الشرقي باستثناء بضعة آلاف، وبدا أن أهوال الحرب الباردة محصورة في كتب التاريخ والمتاحف.

لكن الآن، وفي أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير الماضي، دفع "الناتو" قواته شرقًا، وحشد 40 ألف جندي تحت قيادته المباشرة، مع خطط لوضع 300 ألف في حالة تأهب قصوى، بحسب ما ذكرته "الغارديان".

رفض غير مباشر للغزو

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن غورباتشوف، الذي كان في حالة صحية سيئة بالفعل عندما بدأ الغزو، لم يعلق بشكل مباشر على قرار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشن هجوم شامل، لكن صحفيًا قريبًا منه صرح في يوليو بأن الزعيم السوفيتي السابق كان "منزعجا" مما رآه.

ونقلت الصحيفة عن الصحفي أليكسي فينيديكتوف، رئيس تحرير إذاعة "إيخو موسكفي" (أو صدى روسيا)، قوله "إن إصلاحات غورباتشوف السياسية وليس الاقتصادية تم تدميرها بالكامل.. أصبح كل شيء رمادا".

كذلك، نقلت الصحيفة عن المترجم السابق لغورباتشوف، بافيل بالاتشينكو، الذي يعمل في "مركز أبحاث غورباتشوف"، قوله لشبكة "فوكس نيوز" الأمريكية قبل يومين من الغزو: "لقد حذر (الزعيم السوفيتي السابق) دائمًا من أن الأمور يمكن أن تكون خطيرة جدًا بين روسيا وأوكرانيا".

وأضاف بالاتشينكو: "لكنه (غورباتشوف) فعل دائمًا ما في وسعه من أجل تقريب هاتين الدولتين من بعضهما البعض بدلاً من رؤية استمرار لهذا الصدع الذي نراه يتسع الآن. لذلك، بالنسبة له، من الناحية العاطفية، إنه أمر مأساوي للغاية".

وأوضحت "الغارديان" أن غورباتشوف كان من دعاة الحد من التسلح، بل وناقش إمكانية القضاء على الأسلحة النووية مع الرئيس الأمريكي السابق، رونالد ريغان، في "قمة ريكيافيك" عام 1986.

وقالت الصحيفة: "أما الآن، فتتآكل آخر اتفاقية متبقية بين الولايات المتحدة وروسيا للحد من الأسلحة النووية بسبب تعليق روسيا لعمليات التفتيش المتبادلة. يقوم كلا البلدين بتحديث ترساناتهما، وقد عمل بوتين على التهديد باستخدام الأسلحة النووية. وهذا العام، سيرتفع عدد الرؤوس الحربية النووية حول العالم لأول مرة منذ الحرب الباردة".

انتقاد بوتين

وأضافت: "كان غورباتشوف يأمل في تغيير عقلية بلد لم يسبق له مثيل في الديمقراطية، بعد أن انتقل مباشرة من رومانوف إلى الديكتاتوريات البلشفية. وكانت الأيام الأخيرة من الاتحاد السوفيتي في ظل سياسة الجلاسنوست (الانفتاح) التي انتهجها غورباتشوف أكثر ملاءمة لحرية التعبير من الوضع الآن تحت حكم بوتين".

وتابعت: "كان غورباتشوف حريصًا بشكل متزايد على عدم انتقاد بوتين علناً، وأشاد به لتوطيده الدولة الروسية بعد الفوضى تحت حكم بوريس يلتسين".

ونقلت الصحيفة عن غورباتشوف قوله: "ربما يكون مفهوماً أنه خلال المرحلة الأولى من حكمه، استخدم أساليب سلطوية معينة في قيادته، لكن باستخدام أساليب سلطوية كسياسة للمستقبل، أعتقد أن هذا خطأ".

وأضاف غورباتشوف: "ترى أنه حيثما يكون لديك قادة يحكمون لمدة 20 عامًا أو أكثر... الشيء الوحيد المهم في مثل هذه المواقف لهؤلاء القادة والأشخاص ومن حولهم هو التمسك بالسلطة. أعتقد أن هذا شيء يحدث الآن في بلدنا".

وقالت الصحيفة إن علاقة غورباتشوف ببوتين – على الرغم من عدم الصدام المباشر – كانت معقدة دائمًا. وفي مقال نُشر في مجلة "تايم" في عام 2016، هاجم غورباتشوف قرار بوتين بالترشح لرئاسة ثالثة، واصفًا سياساته بأنها "عقبة أمام التقدم".

بدوره، اشتهر بوتين بالإشارة إلى نهاية الاتحاد السوفيتي على أنها "أعظم كارثة جيوسياسية في القرن". وكان المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، قد صرح مساء أمس بأن الزعيم الروسي يأسف بشدة لوفاة غورباتشوف وسيقوم بإرسال برقية تعزية إلى الأسرة صباح اليوم.

شخصية مثيرة للانقسام

وذكرت "الغارديان" في هذا الشأن أن غورباتشوف كان شخصية مثيرة للانقسام؛ محبوبة في الخارج ومكروهة في الداخل، مشيرة إلى أنه على الرغم من الاحتفاء به عبر الديمقراطيات الليبرالية، فقد كان الزعيم السوفيتي السابق ملعونًا وغير محبوب في روسيا.

وقالت الصحيفة إنه حتى يومه الأخير، عاش غورباتشوف في واقع مزدوج؛ محبوب ومحتفى به في واشنطن وباريس ولندن، لكنه مكروه من قبل أعداد كبيرة من الروس الذين لم يغفروا له أبدًا الاضطرابات التي أحدثتها إصلاحاته.

وأوضحت أن سياسته القائمة على "جلاسنوست"، أو الانفتاح، للروس، منحت مستويات من الحرية لم يكن من الممكن تصورها سابقًا، ولكن بالنسبة للكثيرين، سوف يتذكر حكمه الانهيار الدراماتيكي في مستويات المعيشة التي تلت ذلك.

وأضافت: "رأى آخرون، يطاردهم الحنين السوفيتي، أن غورباتشوف هو المدمر لإمبراطوريتهم ويلومون سياساته على تشجيع القوميين الذين دفعوا بنجاح من أجل الاستقلال في جمهوريات البلطيق في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وأماكن أخرى عبر الكتلة السوفيتية السابقة".

وقال أكثر من 70٪ من الروس في استطلاع للرأي أجري عام 2021، إن بلادهم تحركت في اتجاه سلبي خلال فترة حكم غورباتشوف، بينما كان يُصنف سابقًا على أنه أكثر زعيم روسي لا يحظى بشعبية في القرن الماضي، وذلك وفقًا لاستطلاع أدارته الدولة.

إرم نيوز
www.eremnews.com