أخبار

هل يدفع "جنون العظمة" بوتين لإعادة تشكيل روسيا الكبرى؟
تاريخ النشر: 17 مارس 2022 6:57 GMT
تاريخ التحديث: 17 مارس 2022 7:50 GMT

هل يدفع "جنون العظمة" بوتين لإعادة تشكيل روسيا الكبرى؟

كتب فريديريك مونييه، أستاذ الجغرافيا السياسية في المدارس العليا بمعهد سانت لويس في باريس، تحليلا نشرته صحيفة ماريان الفرنسية بعنوان "للأسف، فلاديمير بوتين ليس

+A -A
المصدر: مدني قصري - إرم نيوز

كتب فريديريك مونييه، أستاذ الجغرافيا السياسية في المدارس العليا بمعهد سانت لويس في باريس، تحليلا نشرته صحيفة ماريان الفرنسية بعنوان ”للأسف، فلاديمير بوتين ليس مجنوناً“.

وقال مونييه إن فلاديمير بوتين كان يقارَن منذ بداية غزو أوكرانيا بشخص ”غير متوازن“ أو مصاب ”بجنون العظمة“ يشعر بأنه محاصر من قبل القوى الغربية. لكن ما أبعد هذا الوصف عن الحقيقة.

إعادة تشكيل روسيا 

ولأي شخص يريد أن يفهم اليوم الحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا عليه أن يعود في الذاكرة إلى تموز/ يوليو 2021 حين وقّع فلاديمير بوتين وثيقة أساسية، بعنوان ”حول الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين“. يرسم هذا النص بقوة جدارية تاريخية تهدف إلى إثبات أن ”الروس والأوكرانيين شعبٌ واحد، وكل متكامل“ (وهو تأكيد دحضه المتخصصون)، بحسب الصحيفة.

لكن رجل الكرملين يصرّ على عدم وجود قطيعة بين الأمة الروسية التي توحّدها ”نفس اللغة“ و“العقيدة الأرثوذكسية“. كما يُذكّر بوتين أنّ ”أوكرانيا الحديثة نشأت إلى حد كبير على حساب روسيا التاريخية“.

هذا السبب جعل بوتين يعتبر عام 1991 كارثة بالنسبة للروس الذين بعد أن أصبحوا مواطنين في دول البلطيق، وبيلاروسيا، وأوكرانيا بالطبع، وجدوا أنفسهم فجأة في الخارج، معزولين عن أوطانهم.

هذه الوثيقة ليست سوى بيان يدعو إلى إعادة تشكيل روسيا الخالدة العظيمة، التي يُضخّمها الغرب ويُذِلّها في آنٍ منذ عام 1991.

من المؤكد أن فلاديمير بوتين ليس مفكرًا، لكنه وضع في هذه الوثيقة أيديولوجية يسهل للأسف توصيفها: فهي تستند إلى امبريالية جديدة، ومحافظة، ودينية، بل وحتى صوفية، وتصحيحية (أي مراجعة الحدود الناتجة عن انهيار الاتحاد السوفياتي) وتوسعية، مصمّمة على أي حال على استعادة عظمة روسيا بفضل الانحطاط المفترض للغرب. إذا كانت هناك ”عقيدة بوتينية“ فإن فكرة الامبراطورية والعداء للغرب هما ركيزتها.

فضلا عن ذلك يستشهد بوتين دائمًا في مرجعياته بالمفكرين الروس، مثل إيفان إيليين ونيكولاس بيردييف وكونستانتين ليونتييف، أو حتى ليف جوميليف، الذين يشترك معهم في النزعة المحافظة والسلافوفيلية الجديدة.

لذلك لا ينبغي أن نتفاجأ من أنّ خط التوجيه لسياسة بوتين كان دوما إعادة تشكيل روسيا الكبرى.

على هذا النحو ليس التدخل الروسي في أوكرانيا سوى الحلقة المأساوية الجديدة للسياسة التي ظل ينتهجها باستمرار منذ سنوات.

ففي عام 2008 قام بوتين بدعم الانفصاليين في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، بإنزال قواته هناك، ما أدى إلى كسر وحدة أراضي جورجيا.

وفي عام 2014 ساند بوتين القوات الانفصالية الأوكرانية في دونباس، واغتنم الفرصة لضمّ شبه جزيرة القرم.

ومنذ ذلك الحين دعمت موسكو، على غرار النموذج الجورجي، الجمهوريتين الانفصاليتين دونيتسك ولوغانسك، وكذلك جميع القوى الانفصالية في دونباس. وكانت تلك طريقة، كما كان الحال في جورجيا، للهجوم على السلامة الإقليمية لدولة من الدول لإضعافها بشكل أفضل، وفي نهاية المطاف السيطرة عليها جزئيًا على أقل تقدير.

وفي سجل آخر طلب بوتين عام 2015 من العدالة الروسية التحقيق في شرعية استقلال دول البلطيق الثلاث، لتذكيرها بأنه كان عليها أن تظل روسية.

أوكرانيا فريسة سهلة 

حتى ذلك الحين ظل فلاديمير بوتين حريصًا على عدم شن أي غزو. في هذا السياق تتساءل صحيفة كاتب المقال ”لماذا لجأ بوتين هذه المرة إلى أكثر الوسائل همجية؟“.

وتقول الصحيفة: ”لفهم هذا يجب التفكير في الوضع من منظور جيواستراتيجي“.

في ضوء مشروع بوتين لإعادة تشكيل الامبراطورية الروسية الجديدة، يواجه خمس دول مجاورة هي  بيلاروسيا ولاتفيا وإستونيا وليتوانيا وأوكرانيا. أصبحت الأولى شبه محمية. أمّا دول البلطيق الثلاث فهي أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. بعبارة أخرى قد يجر الصراع المباشر روسيا إلى مواجهة مع الغرب. أما أوكرانيا فطالما أنها ليست عضوًا في هذه الجمعيات فهي فريسة أسهل للصيد على الورق على الأقل.

وتخلص صحيفة ماريان في تحليلها إلى القول إنه ليس هناك ما هو أسوأ من اعتبار فلاديمير بوتين رجلاً فاقدًا لعقله. إنه ينتهج بعنادٍ سياسة الانتقام التي دفعت أيضًا دول وسط وشرق أوروبا للانضمام إلى ”الناتو“. كان التهديد الروسي هو الذي شجعها، وليس رغبتها في تهديد روسيا.

وربما ارتكب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أخطاء، لا سيما في إدارة حقبة ما بعد الحرب الباردة في أوروبا الشرقية، لكن الوضع المأساوي في أوكرانيا اليوم له جذوره، فهي كامنة قبل كل شيء في موسكو وليس في بروكسل أو واشنطن. فالأمر متروك لأوروبا الآن لأن ترقى إلى مستوى هذه الأزمة.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك