أخبار

هل باتت "عقدة الإمارات" كابوسًا يطارد تركيا أردوغان؟
تاريخ النشر: 29 مايو 2020 19:50 GMT
تاريخ التحديث: 30 مايو 2020 8:32 GMT

هل باتت "عقدة الإمارات" كابوسًا يطارد تركيا أردوغان؟

تتناوب وسائل الإعلام التركية، وعلى رأسها وكالة الأناضول وقناة "تي آر تي"، على نشر  تقارير وتحليلات تستهدف الإمارات تحديدًا، وبسرديات تنتهي جميعها عند جوهر

+A -A
المصدر: إرم نيوز

تتناوب وسائل الإعلام التركية، وعلى رأسها وكالة الأناضول وقناة ”تي آر تي“، على نشر  تقارير وتحليلات تستهدف الإمارات تحديدًا، وبسرديات تنتهي جميعها عند جوهر التحالف بين أبوظبي والرياض، والحلم الرئاسي التركي باختراق شراكة التكامل الإستراتيجي السعودي الإماراتي، باعتباره الرافعة الأقوى للنظام العربي.

”عقدة الإمارات“ في سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كما أصبحت موضوعًا للبحث في مراكز الدراسات الأجنبية المتخصصة بالشرق الأوسط، أخذت هذه العقدة  طوال السنوات العشر الماضية حيثيات اجتهد مُعدّوها في تنويع مفرداتها بحسب نوعية ومكان الاشتباك الذي كان يحصل بين أنقرة و“النظام العربي“، ابتداءً من فترة الربيع العربي، مرورًا بإقامة حزام القواعد العسكرية التركية في قطر والصومال والسودان، وصولًا إلى الاحتلال التركي للشريط السوري الحدودي.

سرديات ”تي آر تي“

وبعد أن فتحت تركيا، في حلمها العثماني، جبهات جديدة في ليبيا وشمال أفريقيا، أخذت هذه العقدة تجاه الإمارات، طابعًا كابوسيًا تمثل بالإغراق والعشوائية في توجيه الاتهامات وتزوير الحقائق وقلبها.

ففي الثامن من يناير الماضي توسعت قناة ”تي آر تي“  التركية في توصيف معارضة الإمارات للمشروع التركي بشأن الشرق الأوسط، لتصفها بأنها ”عداء سعودي إماراتي مشترك تجاه ديمقراطية أردوغان“.

وأضافت القناة لتعبير العداء، نوازع ”المنافسة  والغيرة“ تجاه شخص أردوغان وطموحاته  لقيادة المنطقة بالتحالف مع الإخوان المسلمين.

والجديد في اللغة الدعائية التركية، كما تضمنه تقرير نشرته ”الأناضول“، يوم الخميس، هو أنه اقترب من صُلب القضية، وهو يصف ما بين الإمارات وتركيا بأنه مواجهة بين برنامجين للنظام الإقليمي.

وفي عرضه لهذه المواجهة المعروفة بين مشروع أردوغان لتتريك المنطقة واستعادة الهيمنة العثمانية عليها، وبين المشروع القومي الذي يقول التقرير إن الإمارات تتشارك فيه مع السعودية ومصر، تستعيد ”الأناضول “ شواهد ميدانية من المواجهة التي تواصلت 10 سنوات في مختلف الساحات العربية، لتنتهي بها عند تونس، وما يجري فيها الآن  من ظواهر التفلّت الداخلي الذي يتوسطه حزب النهضة المتحالف مع تركيا، بزعامة  راشد الغنوشي.

لم يعرض التقرير للانشقاقات في قيادة ”النهضة“ ومعنى اعتزال بعضهم العمل يأسًا. لكنه اكتفى باتهام الإمارات أنها تستهدف الإخوان المسلمين والتفريعات المحسوبة على تركيا. وكان في ذلك يبدو بعيدًا عن الصورة الى حد التحطيب بالعتمة.

ففي مداولته  لـ“عقدة الإمارات“ في العقل السياسي التركي، أدى تقرير ”الأناضول“ وظيفته في التجريح اللفظي للإمارات والسعودية ومصر. واقترف أخطاء في بديهيات الجغرافيا السياسية ليبيا.

وقدم شهادات زور مفهومة في قراءة المشهد التونسي والمغاربي العربي، وتجنب الخوض في مضامين وتسلسل المشروعين العربي والتركي للنظام الإقليمي. لكنه أقرّ بأن المواجهة بينهما هي ”خيار الصفر“ الذي يعني في العمل الإستراتيجي أن لا خيار لك سوى القتال حتى النهاية.

بدايات الاشتباك في مرحلة الربيع العربي

في تأصيل حالة المواجهة القومية بين المشروعين العربي والتركي بخصوص ”النظام الإقليمي“، كانت البداية من عند فترة الربيع العربي التي أراد من خلالها أردوغان وحزبه العدالة والتنمية إطاحة المشهد العربي بغرض البناء من فوقه شرق أوسط جديد، مستعاد للسيطرة العثمانية.

وتفاصيل مشهد الفوضى الدامية ما زالت في الذاكرة العامة، وكيف أن تركيا وقطر شكلتا ”أخوّة أسلحة في المال والإعلام والأجهزة“ من أجل الإطاحة بالأنظمة العربية. ووظفوا  لذلك الإخوان المسلمين لتصنيع نظام إقليمي جديد يخترق الجزيرة العربية أيضًا، باستخدام أدوات تسييس الدين والترهيب الإعلامي، وصولًا إلى تحقيق حلم أردوغان  كسلطان  وخليفة للمسلمين.

Erdoğan: West remains indifferent to Morsi's death penalty, fails ...

ومع أن محور (تركيا – قطر – الإخوان المسلمين) انطلق من تونس العام 2011، وتوسع لاحقًا إلى ليبيا ولم يستثنِ اليمن وسوريا، إلا أن هدفه الأساس كان مصر. وفي رهانات أردوغان، كرئيس لوزراء تركيا آنذاك، على نظام محمد مرسي في القاهرة، فقد استثمرت تركيا أموالًا باهظة وعقدت اتفاقيات تعاون بدأت من التجارة والاقتصاد ولم تنتهِ بالمخابرات. حتى إذا استشعر أردوغان أن نظام مرسي أوشك على السقوط، أوفد له مدير مخابراته هاكان فيدان، لكن بعد فوات الأوان.

أحزمة القواعد العسكرية التركية

وإن كانت الكاميرات الإعلامية ركزت في حينه على زلزال سقوط الإخوان في مصر، إلا أن مراكز صنع القرار في منطقة الخليج العربي كانت ترصد كيف أن النظام الإقليمي الجديد الذي يريده أردوغان، أضاف لفوضى الشوارع العربية مجموعة من القواعد العسكرية أراد بها تطويق الجزيرة العربية والمنطقة برمتها.

ففي الوقت الذي كان فيه الإخوان المسلمون، والإعلام القطري، والماكينة التركية، يحرثون شوارع بعض العواصم العربية، قام أردوغان بزيارة الصومال العام 2011، وأسس هناك لقاعدة عسكرية أرادها مطلة على بحر العرب، وباب المندب، والشواطئ اليمنية.

التواجد التركي في الصومال.. بوابة لنفوذ أكبر في إفريقيا

ثم أتبعها بقاعدة سواكن السودانية، في برنامج كان كفيلًا باستنفار دول ”النظام العربي“ على مخاطر نظام أمن إقليمي هجين تخطط فيه تركيا للهيمنة على البحر الأحمر والممرات المائية والنفطية.

وتعززت هواجس السعودية والإمارات تجاه هذا النظام الإقليمي الذي يبنيه أردوغان على حساب المصالح القومية، عندما وافقت قطر على تعاهدات عسكرية تمثلت العام 2014 باتفاقية قاعدة عسكرية تركية قريبة من الحدود السعودية والإماراتية.

يومها حملت القاعدة التركية في قطر رسالة معنوية جارحة في توقيت إعلان الاتفاق عليها، وهي الذكرى المئوية لخروج العثمانيين من المنطقة. فبدت الاتفاقية وكأنها  استعادة جهرية للاستعمار التركي، مع رسالة استكانة  قطرية بُني عليها لاحقًا إضافات من الوصاية التركية على الدوحة، ودعاوى حماية للنظام من السقوط تحت ضغط المقاطعة العربية الرباعية، فضلًا عن حلب هيئة الاستثمار القطرية بعشرات المليارات من الدولارات لمنع تفكك الاقتصاد التركي.

الذاكرة العربية للعهد العثماني

كان لافتًا أن الرئيس التركي وحلقته الاستشارية الصغيرة، لم يقدّروا ما يمكن لمشروعهم للنظام الإقليمي الجديد أن يثيره من ردود الفعل العربية وهي تشهد الزحف العثماني المستجد على المنطقة.

ففي المدونات التاريخية للاحتلال العثماني للمنطقة تفاصيل شائنة تجرح العثمانيين الجدد عندما تقال وتنشر في العلن.

في العشرين من ديسمبر  2017، خرج الرئيس التركي أردوغان عن طوره بنوبة عصبية  استهدفت الرد على تغريدة لوزير خارجية الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان.

كان الشيخ عبدالله أعاد  على ”تويتر“ تغريدة لبعض ما هو موثّق في تاريخ الاحتلال العثماني، من حوادث نهب  للتراث العربي والاسلامي، إحداها ما قام به آخر الحكام الأتراك للمدينة المنورة، فخر الدين باشا، من نهب طال حتى المتعلقات الشريفة  بشخص النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ونقلها إلى إسطنبول لتصبح جزءًا من  المتحف الإسلامي.

مرض ”اللقمة الهستيرية“

كان سجالًا تداولته وسائل الإعلام الدولية، ليس فقط  من زاوية أن الوجدان العربي لم ينسَ فظائع العهد العثماني، بل أيضًا من زاوية حجم الجرح الذي فتحه الموضوع في نفسية أردوغان. فهو يروج لحاله سلطانًا عثمانيًا جديدًا، وينفق باذخًا على شبكات التواصل الاجتماعي التي أنشأها في مختلف العواصم العربية من أجل الترويج له وتبييض الصفحة العثمانية، ثم تأتيه من الإمارات تذكرة بالذي كان أجداده اقترفوه مع المقدسات الإسلامية.

يومها استنفرت تغريدة أردوغان، محللين من مراكز  دراسات ألمانية  وأوروبية، ممن قرأوا فيها وفي سياقاتها، عقدة سياسية تركية تجاه الإمارات، وشخّصوها علميًا بما يسمى بـ“اللقمة الهستيرية Globus Hystericus“. وفي ذلك إشارة لما يستشعره المريض بهذه العلة (أردوغان) من وجود كتلة عالقة في حلقه (الإمارات) ترفع من توتره وتشنجه كلما جاءت السيرة.

وقد استذكرت تلك التحليلات الأوروبية أن الإمارات في تصديها الموصول للمشروع التركي بشأن الشرق الأوسط، هي جزء من شراكة إستراتيجية تقودها السعودية في بناء تحالف عريض ينهض بمشروع النظام الإقليمي الجديد للشرق الأوسط.

أردوغان وحد كل منافسيه في الشرق الأوسط

التقرير الأخير لوكالة الأناضول التركية عن ”النظام الإقليمي الجديد“ وعن حالة الاشتباك الساخن بين المشروعين، التركي من جهة، والعربي من جهة أخرى، رغم أنه جاء في سياقات حملة تركية محمومة على الإمارات، إلا أنه  اعترف لأبو ظبي بأنها نجحت بـ“تطوير علاقات منسقة مع القوى العالمية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين، وإيجاد قوة حضور مؤثرة في المنطقة“.

ومثله في ذلك كانت صحيفة :الغارديان“ البريطانية توسعت في تصوير حالة العزلة التي  انتهى إليها المشروع التركي بالشرق الأوسط، إذ أعطاه كاتب التقرير سيمون نتسدال  عنوانًا يقول: ”أردوغان نجح بتحقيق ما لا يمكن تصوره.. لقد وحّد كل منافسيه في الشرق الأوسط“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك