كيف سيكون شكل العالم بعد وباء كورونا؟

كيف سيكون شكل العالم بعد وباء كورون...

المصدر: أبانوب سامي-إرم نيوز

يمر العالم الآن بما يعتبر أزمة كبيرة بكل المقاييس، لذا من الطبيعي أن يفرض ذلك تحولا في التاريخ الحديث، يغير شكل العالم ما بعد فيروس كورونا.

ففي الأشهر التي تلت ظهور ”كوفيد-19″، اختلف المحللون حول شكل العالم بعد الوباء، ولكن معظمهم يجادلون بأن العالم الذي سيعقب الوباء سيكون مختلفا بشكل جوهري عما كان موجودا من قبل.

يتوقع البعض أن يؤدي الوباء إلى نظام عالمي جديد بقيادة الصين؛ ويعتقد البعض الآخر أنه سيؤدي إلى زوال زعامة الصين، ويقول آخرون إنه سينهي العولمة؛ ويأمل طرف أن يمهد الطريق لعصر جديد من التعاون العالمي، ولا يزال البعض الآخر يتوقع أن تتفوق القومية، وتُقوض التجارة الحرة، وتؤدي إلى تغيير النظام في مختلف البلدان، أو كل ما سبق.

تسريع لا تغيير

إلا أن صحيفة ”فورين أفيرز“، تقول إنه من غير المحتمل أن يكون العالم الذي يتبع الوباءَ مختلفا بشكل جذري عن العالم الذي سبقه، حيث ترى أن فيروس كورونا كوفيد-19 لن يغير الاتجاه الأساس لتاريخ العالم كثيرا، بل سيسرعه.

لقد كشف الوباء والاستجابة له عن الخصائص الأساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة وعززها، ونتيجة لذلك، من المرجح أن تكون هذه الأزمة أقرب إلى كونها محطة على طول الطريق في التاريخ البشري، بدلا من كونها نقطة تحول.

فمن السابق لأوانه التنبؤ بموعد انتهاء الأزمة نفسها، وسواء انتهت في غضون 6 أو 12 أو 18 شهرا، سيعتمد هذا التوقيت على درجة إتباع العامة للمبادئ التوجيهية للتباعد الاجتماعي والنظافة الشخصية الموصى بها؛ وتوافر اختبارات سريعة ودقيقة ومعقولة التكلفة وعقاقير مضادة للفيروسات ولقاح؛ ومدى الإغاثة الاقتصادية المقدمة للأفراد والشركات.

ومع ذلك ، فإن العالم الذي سيخرج من الأزمة لن يكون مختلفا للغاية، وسيتميز بتضاؤل القيادة الأمريكية، وتعثر التعاون العالمي، والخلاف بين القوى العظمى، وهي جميعها سمات تواجدت في البيئة الدولية قبل ظهور كوفيد-19، إلا أن الوباء أبرزها أكثر من أي وقت مضى.

عالم ما بعد أمريكيا

كانت إحدى سمات الأزمة الحالية هي التراجع الواضح في القيادة الأمريكية، حيث لم تحشد الولايات المتحدة العالم في محاولة جماعية لمواجهة الفيروس أو آثاره الاقتصادية، كما لم تدع العالم ليحذو حذوها في معالجة المشاكل الداخلية؛ ما ترك الدول الأخرى تعتني بنفسها بقدر الإمكان أو تلجأ إلى الذين تجاوزوا ذروة العدوى، مثل الصين، للحصول على المساعدة.

وإذا كان العالم الذي يتأثر بهذه الأزمة سيشهد تضاؤلا إضافيا في الهيمنة الأمريكية، لن يكون ذلك تغيرا كبيرا عن الاتجاه الذي كانت الأمور تسير فيه منذ فترة.

ويعتبر ذلك، نتيجة لما وصفه الصحافي الأمريكي ”فريد زكريا“ بأنه ”صعود الباقي“، والصين على وجه الخصوص، ما أدى إلى انخفاض في الميزة النسبية للولايات المتحدة على الرغم من استمرار قوتها الاقتصادية والعسكرية في نمو، ما يعني تراجع الإرادة الأمريكية وليس القدرة الأمريكية.

أشرف الرئيس باراك أوباما على الانسحاب من أفغانستان والشرق الأوسط، واستخدم الرئيس دونالد ترامب القوة الأمريكية الاقتصادية لمواجهة الأعداء، ولكنه أنهى الوجود الأمريكي في سوريا، ويسعى إلى القيام بالشيء ذاته في أفغانستان، وربما الأكثر أهمية، لم يبد اهتماما كبيرا بالتحالفات أو بالحفاظ على الدور التقليدي للولايات المتحدة في معالجة القضايا الدولية الرئيسة.

وكان احتمال هذا التغيير جزءا كبيرا من جاذبية رسالة ترامب ”أمريكا أولا“، والتي وعدت بأن الولايات المتحدة ستكون أقوى وأكثر ازدهارا إذا قللت من جهودها في الخارج وركزت طاقاتها على القضايا المحلية، وهي وجهة نظر تعتمد على الاعتقاد بأن الكثير مما فعلته الولايات المتحدة في العالم كان إسرافا وغير ضروري ولا يصب في المصلحة المحلية.

وبالنسبة للعديد من الأمريكيين، من المرجح أن يعزز الوباء هذا الرأي على الرغم من حقيقة أنه يجب بدلا من ذلك أن يسلط الضوء على كيفية تأثر الرفاهية المحلية ببقية العالم.

سوف يقال إن الولايات المتحدة عليها أن تركز على تصحيح أوضاعها وتكريس الموارد للاحتياجات الداخلية بدلا من الخارجية، وتصنيع الزبدة بدلا من الأسلحة!؛ إلا أن هذا خيار زائف، إذ تحتاج البلاد الصناعتين، ومع ذلك سيجادل البعض في هذا الخيار على أي حال.

وتعتبر قوة القدوة الأمريكية بنفس أهمية خيارات السياسة الأمريكية، فقبل وقت طويل من انتشار كوفيد-19، كان هناك انخفاض حاد في جاذبية النموذج الأمريكي، وبفضل الجمود السياسي المستمر ، والعنف المسلح، وسوء الإدارة التي أدت إلى الأزمة المالية العالمية لعام 2008، ووباء إدمان الأفيون، وغير ذلك، أصبحت أمريكا ممثلة بشكل متزايد كقدوة غير جذابة للكثيرين، والآن استجابة الحكومة الفيدرالية البطيئة وغير المتناسقة وغير الفعالة للوباء ستعزز الرأي السائد بالفعل الذي يقول إن الولايات المتحدة ضلت طريقها.

مجتمع فوضوي

إن الوباء الذي بدأ في بلد واحد وانتشر بسرعة كبيرة في جميع أنحاء العالم يعتبر ”تحديا عالميا“، كما أنه دليل آخر على أن العولمة حقيقة وليست خيارا، إذ خرب الوباء البلدان المفتوحة والمغلقة، الغنية والفقيرة، الشرقية والغربية، والشيء الوحيد المفقود هو استجابة عالمية منسقة.

ويشير عجز منظمة الصحة العالمية، التي ينبغي أن تقود جهود مكافحة التهديد القائم، إلى حالة الحوكمة العالمية المتدهورة، ولكن في حين أن هذا الوباء جعل هذا الواقع واضحا بشكل خاص، إلا أن هذه الاتجاهات التي تشمل ظهور تحديات عالمية لا يمكن لأي دولة مهما كانت قوتها، أن تواجهها بمفردها وفشل المنظمات العالمية في مواكبة هذه التحديات، كانت موجودة قبل فترة طويلة من ظهور الوباء.

والواقع أن الفجوة بين المشاكل العالمية والقدرة على مواجهتها تساعد على تفسير حجم الوباء، والحقيقة المحزنة التي لا مفر منها هي أنه على الرغم من شيوع عبارة ”المجتمع الدولي“، لا يعني أنه موجود بالفعل، ففي الواقع هذه مجرد طموحات حتى الآن، وتنطبق على جوانب قليلة من الجغرافيا السياسية اليوم. وهذا لن يتغير قريبا.

وكانت الاستجابات الرئيسة للوباء وطنية أو على صعيد الولايات، وليست دولية، وبمجرد أن تمر الأزمة، سيتحول التركيز إلى الانتعاش الوطني، وهو سياق لن يترك الكثير من الحماسة للتعامل مع قضايا عالمية مثل تغير المناخ، وخاصة إذا استمر النظر إليه كمشكلة بعيدة يمكن تأجيلها لصالح معالجة مشاكل أكثر إلحاحا.

وأحد أسباب هذا التشاؤم هو أن التعاون بين أقوى دولتين في العالم (الولايات المتحدة والصين) ضروري لمواجهة معظم التحديات العالمية، ومع ذلك ، فقد تدهورت العلاقات الأمريكية الصينية على مدار السنوات، وهذا الوباء يفاقم الاحتكاك بين البلدين، ففي واشنطن، يحمل الكثيرون الحكومة الصينية المسؤولية، وتتهم بكين بالتستر على نشأة وانتشار الفيروس لأسابيع، وعدم إغلاق مدينة ووهان على الفور، حتى بدأ تفشي المرض، ما سمح لآلاف المصابين بالمغادرة ونشر الفيروس أبعد.

ومن شأن محاولة الصين الآن لتصوير نفسها على أنها تقدم نموذجا ناجحا للتعامل مع الوباء واستخدام هذه الأزمة كفرصة لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء العالم، أن يؤجج العداء الأمريكي، وفي الوقت نفسه، لن يغير شيئا في الأزمة الحالية.

اكتسبت فكرة ”الفصل“ بين الاقتصاديين جاذبية كبيرة قبل الوباء، مدفوعة بمخاوف في الولايات المتحدة من أنها أصبحت تعتمد بشكل كبير على خصم محتمل، في الحصول على العديد من السلع الأساسية، وأنها باتت عرضة بشكل مفرط للتجسس الصيني وسرقة الملكية الفكرية.

وجه الاقتصاد الجديد

من المتوقع أن تتزايد دوافع الانفصال بعد الوباء، إذ سيتجدد التركيز على إمكانية انقطاع سلاسل التوريد، والرغبة في تحفيز التصنيع المحلي، وستتعافى التجارة العالمية جزئيا، لكن الحكومات ستدير جزءا أكبر منها.

وسوف تزيد المعارضة في معظم أنحاء العالم المتقدم لقبول أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين، وهو تجاه كان أكثر بروزا على الأقل خلال نصف العقد الماضي، كنتيجة للوباء، وسيكون هذا جزئيا بسبب القلق من خطر استيراد الأمراض المعدية، كما سيجعل ارتفاع معدل البطالة المجتمعات أكثر حذرا من قبول الغرباء.

وستنمو هذه المعارضة حتى مع استمرار زيادة عدد النازحين واللاجئين بشكل ملحوظ حيث لم تعد الاقتصادات قادرة على دعم سكانها.

وستكون النتيجة معاناة إنسانية واسعة النطاق وأعباء أكبر على الدول التي لا تستطيع تحملها، فقد كان ضعف الدولة مشكلة عالمية كبيرة منذ عقود، لكن الخسائر الاقتصادية للوباء ستخلق دولا أكثر ضعفا أو على شفير الانهيار.

ومن شبه المؤكد أن هذا سوف يفاقم مشكلة الديون المتزايدة، فقد كان الدين العام والخاص في معظم أنحاء العالم بالفعل في مستويات غير مسبوقة، والحاجة إلى الإنفاق الحكومي لتغطية تكاليف الرعاية الصحية ودعم العاطلين عن العمل سيؤدي إلى ارتفاع الدين بشكل كبير.

سيواجه العالم النامي على وجه الخصوص تحديات هائلة لا يمكنه تخطيها، وحتى الآن لن يتضح بعد ما إذا كانت البلدان المتقدمة ستكون مستعدة لتقديم المساعدة بالنظر إلى الطلبات المحلية.

ومن المرجح أن تحدث أزمات لاحقة في الهند والبرازيل والمكسيك وفي جميع أنحاء أفريقيا، والتي يمكن أن تتداخل مع الانتعاش العالمي.

فقد سلط انتشار كوفيد-19 إلى أوروبا وعبرها، الضوء أيضا على فقدان زخم المشروع الأوروبي، وقد استجابت معظم البلدان للوباء وآثاره الاقتصادية بشكل فردي، ولكن عملية الاندماج الأوروبي قد نفد زخمها قبل هذه الأزمة بوقت طويل، وهو أمر أظهره خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بوضوح.

ومن المرجح أن يعزز الوباء الركود الديمقراطي الذي كان واضحا منذ 15 عاما، وستكون هناك دعوات لدور حكومي أكبر في المجتمع، سواء كان ذلك لتقييد حركة السكان أو تقديم المساعدة الاقتصادية، وسيتعامل الكثيرون مع الحريات المدنية على أنها رفاهية لا يمكن تحملها في الأزمات.

وفي الوقت نفسه ، ستظل التهديدات التي تشكلها الدول غير الليبرالية مثل: روسيا، وكوريا الشمالية، وإيران، موجودة كما لو أن الوباء لم ينتشر، بل ويمكن أن يكون تهديدهم ازداد بينما كان انتباه العالم مشتتا في اتجاه آخر.

عالم في حالة فوضى أكبر

منذ نحو3 سنوات، نشر المؤلف والكاتب الصحفي ”ريتشارد هاس“ كتابا بعنوان ”عالم في فوضى“، والذي وصف المشهد العالمي لزيادة التنافس بين القوى العظمى، والانتشار النووي، والدول الضعيفة، وزيادة تدفق اللاجئين، وتنامي القومية، إلى جانب انخفاض دور الولايات المتحدة في العالم.

ففي عالم مثالي، ستجلب الأزمة التزاما متجددا ببناء نظام دولي أكثر قوة، مثلما أدت كارثة الحرب العالمية الثانية إلى ترتيبات تعزز السلام والازدهار والديمقراطية لما يقرب من ثلاثة أرباع القرن.

وسيشمل مثل هذا النظام تعاونا أكبر لرصد تفشي الأمراض المعدية والتعامل مع تداعياتها، بالإضافة إلى مزيد من الاستعداد للتصدي لتغير المناخ، ووضع قواعد للفضاء السيبراني، ومساعدة المهاجرين، وحل مشاكل الأسلحة المحظورة والإرهاب.

إلا أن هذا غير مرجح، فالعالم ليس مستعدا لتشكيل مثل هذا النظام اليوم، حيث تتوزع السلطة والنفوذ في أيد أكثر، سواء دولية أو غير دولية، ولا يوجد إجماع على أي شيء تقريبا، وتجاوزت التقنيات والتحديات الجديدة القدرة الجماعية على التعامل معها، ولا يوجد بلد واحد يتمتع بمكانة الولايات المتحدة منذ عام 1945.

وما هو أهم من ذلك، هو أن الولايات المتحدة ليست مهيأة حاليا لتولي دور دولي رائد، نتيجة الإرهاق الناجم عن حربين طويلتين في أفغانستان والعراق وتزايد الاحتياجات في الداخل، وحتى لو فاز داعم للسياسة الخارجية التقليدية مثل نائب الرئيس السابق ”جو بايدن“ في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر، فإن مقاومة الكونغرس والجمهور ستمنع عودة الدور الأمريكي الموسع في العالم.

ولا يوجد بلد آخر، بما في ذلك الصين، لديه الرغبة والقدرة على ملء الفراغ الذي خلقته الولايات المتحدة.

ويقترح بعض المحللين أن التذرع بتهديد الصين يمكن أن يحفز بالمثل الدعم الشعبي اليوم، ولكن السياسة الخارجية القائمة على معارضة الصين لا تكفي لمواجهة التحديات العالمية التي تشكل عالم اليوم.

وفي الوقت نفسه، سيكون من الصعب إقناع الشعب الأمريكي بوضع معالجة هذه المشاكل العالمية في صميم السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وبناء على ذلك، من المرجح أن تكون الفترة المقبلة مشابهة للحقبة التالية للحرب العالمية الأولى، والتي شهدت انخفاض التدخل الأمريكي وتصاعد الاضطرابات الدولية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com