المساعدات الصينية لإيطاليا.. محاولة للتمدد ونفي المسؤولية عن انتشار كورونا

المساعدات الصينية لإيطاليا.. محاولة...

#إرم_نيوز

المصدر: أبانوب سامي - إرم نيوز

وجدت الصين إيطاليا موقعًا مثاليًا لجهودها الدعائية واسعة النطاق للتغطية على مسؤوليتها عن الانتشار العالمي لفيروس كورونا المستجد، وتصوير نفسها كقوة رحيمة تساعد الدول الغربية المحتاجة، وفق تقرير لمجلة فورين بوليسي.

ورأت المجلة أن الحكومة الصينية اتبعت استراتيجية ذات شقين، تجمع بعناية إرسال الإمدادات الطبية لتأكيد أهميتها في عالم بلا قيادة، وهو ما يجوز تسميته بـ ”قناع الدبلوماسية“، وفي نفس الوقت نشر نظريات المؤامرة لإخفاء الأصل الحقيقي للفيروس.

وفي هذه ”المعركة العالمية للروايات“، كما وصفها مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ”جوزيب بوريل“، ”تسعى الصين بقوة لنشر رسالة مفادها أنها شريك مسؤول وموثوق، على عكس الولايات المتحدة”.

ووفقا لمجلة ”فورين بوليسي“، توفر إيطاليا البيئة المثالية لاختبار استراتيجية بكين، إذ كانت أول دولة غربية تتعرض لانتشار كبير لفيروس كورونا، وبالتالي فهي بحاجة ماسة إلى الإمدادات الطبية لدعم نظام الرعاية الصحية الذي بات على حافة الانهيار، كما أنها تخضع لقيادة ائتلاف حكومي يضم حركة ”خمس نجوم“، وهو حزب متشكك في أوروبا ويميل إلى تأييد الصين بشكل متزايد، وروج لسنوات بلا هوادة لتكوين علاقة أقوى مع بكين بينما قلل من شأن حلف الناتو.

ونتيجة لذلك، كانت إيطاليا العام الماضي أول دولة من مجموعة الـ 7 التي تنضم إلى مشروع البنية التحتية العالمية الصيني ”مبادرة الحزام والطريق“.

فيروس إيطالي

وفي الآونة الأخيرة، اقترحت وسائل الإعلام الحكومية الصينية أن الفيروس التاجي الجديد نشأ في إيطاليا، وليس في ووهان، من خلال تحريف كلمات الطبيب الإيطالي ”جوزيبي ريموتسي“، مدير معهد ماريو نيجري للبحوث الدوائية في ميلانو.

وفي مقابلة مع شبكة ”NPR“ في 19 مارس، قال جوزيبي إن بعض الأطباء في شمال إيطاليا ”يتذكرون أنهم رأوا التهابا رئويا غريبًا وشديدًا جدًا، وخاصة عند كبار السن في ديسمبر وحتى في نوفمبر“، ما يشير إلى احتمالية نشأة فيروس كورونا في مكان آخر غير الصين.

وكتبت صحيفة ”غلوبال تايمز“ التي تسيطر عليها الدولة على تويتر أن ”إيطاليا ربما كان لديها سلالة غامضة من الالتهاب الرئوي في وقت مبكر من نوفمبر وديسمبر 2019 ذات أعراض مشابهة للغاية لكوفيد-19.

ثم تم بث جزء مضلل من بيان جوزيبي من خلال أذرع أخرى من أجهزة الدعاية الحكومية الصينية، مثل التلفزيون المركزي الصيني، وأصبحت موضوعًا شائعًا على منصة المدونات الصغيرة الشهيرة ”ويبو“.

من جهته، لم يلمح الطبيب الإيطالي إلى أن الفيروس التاجي نشأ في أي مكان غير الصين، وقال لمجلة فورين بوليسي: ”من المؤكد أن الفيروس ظهر في ووهان أولاً، وكان ينتشر منذ فترة قبل أن يتم الإعلان عن وجوده في الصين“، موضحًا أن ظهور حالات غير مؤكدة من الالتهاب الرئوي، في شمال إيطاليا يزيد من عبء المسؤولية الصينية في تغطية الحالات المبكرة لمرض كوفيد-19 بدلاً من تخفيفه.

وقال جوزيبي، الذي غمرته مؤخرا طلبات من صحفيين صينيين يحاولون تسييس خبرته لتأييد رواية بكين، إن الاختبارات الجينية أكدت أن الفيروس نشأ في الصين ”دون شك“.

صفقة أم مساعدة؟

وفي الوقت نفسه، كانت إيطاليا المستفيد الأول من قناع الدبلوماسية الصيني. ففي 12 مارس، هبطت طائرة شحن صينية تحمل 9 أطباء وأقنعة وأجهزة تنفس ومعدات طبية أخرى في روما. وهي تحمل شعار ”طريق الصداقة لا حدود له“ وتم تقديمها كهدية للبلد الذي يمر بحالة الطوارئ، إلا أنها لم تكن هدية على الإطلاق.

وكما أوضحت الصحفية الإيطالية ”جوليا بومبيلي“ في صحيفة ”إل فوجليو“، كانت هذه الإمدادات جزءًا من صفقة تجارية تم اتمامها رسميا قبل بضعة أيام في مكالمة هاتفية بين وزيري خارجية الصين وإيطاليا، ”لويجي دي مايو“ و“وانغ يي“، إذ إن إيطاليا كانت تشتري معدات طبية من الصين، لكن الحكومة استغلت تبرعا موازيا قدمه الصليب الأحمر الصيني لتبدو كمثال على ”سياسات الكرم“.

وبعد بضعة أيام، أخبر رئيس الوزراء الإيطالي ”جوزيبي كونتي“ الزعيم الصيني ”شي جين بينغ“ عبر الهاتف أنه على استعداد للتعاون في ”طريق الحرير الصحي“ لمكافحة الوباء.

وقال ”دي مايو“، الذي استقال مؤخرًا من منصبه كزعيم لحركة الخمس نجوم، وهو المسؤول عن المبادرات الصينية في إيطاليا وكان له دور فعال في تعزيز الشراكة حتى في ظل الحكومة السابقة، في مقابلة: ”أولئك الذين سخروا من مشاركتنا في مبادرة الحزام والطريق عليهم الآن الاعتراف بأن الاستثمار في تلك الصداقة سمح لنا بإنقاذ الأرواح في إيطاليا“، مما أثار ردود فعل قوية من بعض زملائه في الحزب الديمقراطي في الحكومة، والذين سئموا من رؤية حليفهم السياسي يشيد بشكل انتقائي بجهود الصين السخية بينما يقلل من شأن التضامن مع أعضاء الاتحاد الأوروبي.

المشككون في أوروبا

وقالت ”لوكريزيا بوجيتي“، محللة في معهد ميركاتور لدراسات الصين: ”يعمل العديد من القادة المشككين في أوروبا كعناصر تمكين للصين“.

ورحب رئيس الوزراء المجري ”فيكتور أوربان“ شخصيا بشحنة من الصين تنقل ما يقرب من 70 طنا من الإمدادات الطبية، وقبّل الرئيس الصربي ”ألكسندر فوتشيك“ علم الصين بطريقة مسرحية عندما هبط فريق من الأطباء في بلغراد الأسبوع الماضي. وقال ”فوتشيك“، شاكيا من قلة الدعم من الاتحاد الأوروبي: ”إن الصين هي الصديق الوحيد الذي يمكنه مساعدتنا“.

وقال بوجيتي في إشارة إلى نزعة دي مايو لمدح الصين: ”في حالة إيطاليا، يمكننا أن نتحدث عن البلهاء المفيدين الذين يغذون دعاية الصين، فهم يجهلون ما يفعلونه ويحاولون إرضاء القاعدة الانتخابية لحزب الخمس نجوم“.

وفي الوقت نفسه، لم يفوت زعيم عصبة اليمين المتطرف ”ماتيو سالفيني“ فرصة انتقاد بكين من أجل إيذاء ”دي مايو“ حليفه السياسي السابق وعدوه اللدود حاليا، وقال خلال جلسة نقاش في مجلس الشيوخ: ”إذا علمت الحكومة الصينية بشأن الفيروس ولم تكشف الأمر، فقد ارتكبت جريمة ضد الإنسانية“.

وأكد ”أنطونيو تاليا“، الصحفي والمؤلف الذي يكتب بشكل مكثف عن العلاقات الصينية الإيطالية، أنه ليس متفاجئا بحقيقة أن الصين ترى إيطاليا هدفا سهلا لحملة الدعاية العدوانية.

وشرح: ”طوال عقد من الزمان، كانت حركة الخمس نجوم تنشر فكرة أن حلف الناتو يعتبر نوعا من الخضوع للإمبراطورية الأمريكية، وتقود ناخبيها إلى تصديق الحقائق البديلة، وفي نفس الوقت يروجون إلى ”فكرة أن هناك أنظمة تعمل بشكل جيد خارج الإطار الديمقراطي الليبرالي الغربي“.

ولطالما كانت حركة الخمس نجوم مرتعا لنظريات المؤامرة والأخبار المزيفة، ويمكن في هذه الأيام رصد مروجي الأفكار الزائفة حتى داخل قصر الحكومة في روما.

واقترح ”غانتر بولي“، الاقتصادي الذي عينه كونتي مستشارا، مؤخرًا وجود علاقة بين شبكات الجيل الخامس والفيروس التاجي المستجد.

مقاومة أوروبية

في معركة الروايات، تعتبر المظاهر مهمة للغاية، فبعد أسابيع من التقاعس ونقص الدعم بين الدول الأوروبية، تقاوم مفوضية الاتحاد الأوروبي بنشاط رواية الصين من خلال التأكيد على التضامن بين الدول الأعضاء. وتبرعت فرنسا وألمانيا مجتمعة الآن بأقنعة طبية أكثر لإيطاليا من الصين، وساهمت النمسا بـ 1.6 مليون أخرى. وتعتني المستشفيات الألمانية ببعض المرضى من إيطاليا ، بينما تبرعت فرنسا بـ 200 ألف بذلة واقية.

إلا أن ما يبرز على الساحة العالمية هو ما يسمى بالهدايا الصينية، وفريق الأطباء الكوبيين الذين وصلوا مؤخرًا إلى البلاد، والمركبات العسكرية الروسية التي تتحرك في جميع أنحاء شمال إيطاليا، كجزء من اتفاق ظاهري لمكافحة كوفيد-19 مع موسكو، وهي أكبر فرقة روسية تهبط على الإطلاق في بلد عضو في الناتو.

هذا وكان للخلافات بين الدول الأوروبية تأثير على وقت الأزمات، حيث أثبت الصدام العنيف بين قادة الاتحاد الأوروبي بشأن ”سندات كورونا“، والذي حدث في القمة الافتراضية الأخيرة، أن التضامن الأوروبي أقرب إلى استراتيجية علاقات عامة من كونه واقعا سياسيا.

وأشار ”أندرو سمول“، وهو زميل بارز يركز على آسيا في صندوق مارشال الألماني بالولايات المتحدة، إلى أنه كانت هناك ”تعبئة من دول مختلفة في اليومين الماضيين لصد الجهود المبذولة لاستخدام الإمدادات الطبية الصينية كوسيلة لتشويه سمعة الاتحاد الأوروبي والتضامن داخل أوروبا، ولكن مدى نجاح ذلك سيعتمد على ما إذا كان المسؤولون والشركات الصينية يواصلون العمل يدا بيد مع سياسيين مختلفين في أوروبا ممن لديهم مخططات أخرى أو إذا قررت بكين أن الوقت قد حان لتهدئة الأمور قليلا.

لسنا مسؤولين عن الفيروس

وقد صور بعض المحللين جهود بكين المتزايدة للدفع باستراتيجيتها الأوسع نطاقا للقوة الناعمة على أنها محاولة لاقتناص دور الزعيم العالمي، مستغلين الغياب النسبي لقيادة الولايات المتحدة بينما تكافح واشنطن للسيطرة على كوفيد- 19 محليا، وتتعامل مع كمية حالات تتجاوز الآن تلك الموجودة في كل من إيطاليا والصين.

وقال سمول: ”شعوري هو أن هذا الجهد هو انعكاس للضغط الذي تواجهوه الصين لتغيير الرواية التي تحمل شي جين بينغ والحزب الشيوعي الصيني مسؤولية التستر على المعلومات وقمعها خلال المراحل المبكرة الحرجة، لما تطور إلى جائحة عالمية“، مؤكدا أن محاولات التظاهر بأن الفيروس له أصول أجنبية موجهة أيضا إلى تهدئة الشعب الصيني.

وبعبارة أخرى، قد تكون الجهود الصينية نتيجة للخوف المرتبط بمسؤولية الحكومة في التعامل مع تفشي فيروس كورونا والتغطية عليه، وليس طريقة حازمة لتأكيد قوتها العالمية في عالم بلا قيادة.

وتمزج الحكومة الصينية بين المساعدات الدولية وحرب المعلومات، فمن ناحية، تقدم نفسها على المسرح العالمي باعتبارها يد العون لمحاربة العدو الذي من المفترض أنها هزمته محليا، حتى مع تزايد الشكوك حول عدد القتلى الفعلي في ووهان والعديد من الشكاوى حول جودة المعدات الطبية المشحونة من بكين يلقي بظلاله على مظهر الحكومة الخيّر.

وفي الوقت نفسه، تأخذ آلة الدعاية الصينية صفحة من كتاب ألعاب التضليل الروسي، حيث تعمم على نطاق واسع نظريات مشوشة ومتناقضة حول أصول الفيروس التاجي، وتروج لفكرة أنه من المستحيل معرفة جذوره الفعلية، وإيطاليا تعتبر أرض خصبة لهاتين الاستراتيجيتين.

وفي البلد الذي يجمع بين الضعف السياسي وحالة الطوارئ الصحية العامة والميول المؤيدة للصين، بسبب الحزب الحاكم الذي كان ينشر نظريات المؤامرة منذ ما قبل الوباء، وجدت بكين أرض اختبار مثالية لجهودها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com